قادة الجيش الاسرائيلي خططوا لحرب تقليدية كما قاتلوا الجيوش العربية للانتصار علي حزب الله

حجم الخط
0

هذا ما جري في محادثة في فرقة، هناك في موقع ما بين التلال يسمي بير حمدة في سيناء، في الوقت الذي سبق اندلاع حرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973. في الوقت الذي كان فيه قائد الفرقة، الكولونيل شيزوف فنئا، يتحدث أمام الجنود ويحاول شرح الامور أمامهم، وعدد من الجنود كانوا يصغون اليه عندما وقف الجندي غادي نويس، الذي كان خريجا لمعهد ثانوي في تل ابيب، الذي عُرف بين اصدقائه بأنه ذو بصيرة وعين ناقدة، والذي سبق أن ذكرته في كتاب ألفته عن تلك الحرب بعنوان السرية الميتة. وقف نويس ووجه سؤالا الي قائد الفرقة حول التلال الرملية التي يقيمها المصريون علي ضفة قناة السويس من جهتهم: وماذا نفعل بالدبابات مقابل هذه التلال وأمام جنود المشاة المصريين؟ أجابه قائد الفرقة: أيها الجندي العزيز، سوف نلغي من حياتنا الخطط والخطوات التقليدية التي كانت، وما زال يتبعها البعض لكي لا نضيع الوقت الثمين هباء، وأضاف ايضا إن الجيش الاسرائيلي يمتلك اجابات لكل شيء. شيء كهذا دار بين هذا الجندي وبين قائده بوجود عدد من طاقم القيادة بزيهم العسكري وبينهم عدد من قادة الدبابات الذين وقفوا والتراب يعلو وجوههم، وكان البعض منهم يهز برأسه ايجابا وكأن ما يقوله قائد الفرقة يُخفف عنهم ويُبعد الكثير من القلق حول ما يرونه أمامهم علي الجانب المصري، لا سيما وأن بعضهم كان ما زال يشعر بالنصر الذي سبق وأن حققه الجيش الاسرائيلي في حربه السابقة. منذ انتصار اسرائيل عام 1967، هكذا كان يتذكر قائد الفرقة ويُذكر جنوده، فان الجنود المصريين يشعرون بالذُل والمهانة والخوف من مواجهة الجيش الاسرائيلي. رغم أن الجندي نويس قُتل في تلك التلال المصرية، ومقابل الجنود المصريين الغاضبين، إلا أن حياته دُفعت ثمنا لمثل تلك العبارات أن الجيش الاسرائيلي يمتلك اجابات لكل شيء، وكذلك بسبب العمي الذي أصاب عددا من جنرالات الجيش الذين كانوا في ذلك الوقت غير مبالين بما يوجد أمامهم ويعيشون لحظات حرب حزيران (يونيو) 1967. لذلك، فان الجنود البسطاء كانوا يستمعون الي قادتهم، ويحاولون حفظ تلك العبارات من اجل روايتها لاولادهم عند عودتهم، البعض منهم قد عاد، والبعض بقي هناك، إلا أن جميعهم كان قد شاهد في لحظات معينة أن المصريين لم يكونوا يعيشون حالة من الخوف، وأنهم كانوا مصرين علي أن يواجهوا الاسرائيليين بشجاعة لا تقل عن شجاعتهم. هيا واستمعوا لجنود الاحتياط الذين يعرفون كيف تسير الأمور منذ لحظة الاعلان عن التجنيد والي أن يصلوا الي خطوط المواجهة. استمعوا الي القلق الذي يتعالي تدريجيا عندما يشعر الجندي منهم بأن خطأ ما يسير وينمو ويكبر أمامه الي أن يصبح خطأ قاتلا. هناك تكثر القصص التي تشهد علي وجود يوم غفران ثان، والاحساس بعدم القدرة أمام ضبابية هذه القيادة، التي تُعيد الي أذهانهم تلك التي شهدها البعض منهم في حرب 1973، حيث تصورت القيادة العسكرية بأنها تمتلك كل شيء وتفهم كل شيء. إن هذه الخطوة المريرة المتكررة الآن تشهد علي أن بنك الأهداف وعمليات الهجوم البرية، وأن قادة القوات المركزية الذين يقبلون علي أنفسهم تحمل مسؤولية وكأن الأمور ليست أكثر من وجبة مهمة يقوم القائد بتوجيه جنوده لتناولها، ولكن ذلك يأتي بعد سنوات طويلة كان الجانب الآخر يدرس ويفهم ويُحضر لكل ما يعتقده أمثال هؤلاء الضباط خلال سنوات ظلوا يعتقدون فيها بأن لديهم الحل لكل شيء.

إنني أكتب بشعور حزين عن تلك الاشياء التي شاهدتها وسمعتها، والتي اعتقدت في يوم من الايام أنها لن تتكرر. لكن كثيرا منها تكرر، وبسبب بعضها لم يعد الكثير من الجنود الي بيوتهم، وكذلك حول التدمير والقتل الذي لم أعرفه من قبل، والذي رأيناه بعد مرور أجيال عديدة. إنني أكتب باختصار، وكأنني أتذكر يد غادي نويس وزملائه في ذلك الفصيل الذي كان معظمه من الطلاب الخريجين، لأن كل حادثة تقع أثناء القتال تُذكرك بشيء، إما نقيضه وإما مثله.

لقد سبق وكتبت في مثل هذه الصفحة العديد من التحذيرات التي لا أرغب في اعادتها ثانية. لكن الاولي سجلت في اليوم الاول الذي جري فيه التعيين الكارثي لعمير بيرتس وزيرا للدفاع: إن هذا عبارة عن تحذير يُكتب علي الورق، بيرتس وقع في مصيدة كبيرة.. وهذا يثير لدي الاحساس العميق بأن أمرا ما سيحدث، ولن يكون خيرا لاسرائيل. ففي الوزارة التي سيدخل اليها توجد ألغام لا يستطيع هو أن يكتشفها، ولن يستطيع ايضا أن يبني عليها.. أنا أراهن وبيأس علي الوجهة الاولي والاجابة الاولي التي سنراها: الفشل. بيرتس يصل الي وزارة الدفاع، لا ثقة عنده، ولا ثقة للجمهور به كشخص يمكن أن يقود هذه الوزارة، لذلك سيصعب عليه كثيرا أن يواجه المعركة القادمة التي سيقودها الجنرالات من حوله.. الفشل سيكون الفشل المدني للأمني بيرتس، إلا أن هذا الفشل سيكون فشلا لا يقل عن فشلنا في جريمة مقتل رابين. ومع اندلاع الحرب كتبت ايضا أن ضرب مدينة بيروت والدمار الكبير الذي أحدثته الحرب هي عبارة عن أحداث لا حاجة بنا الينا، وأننا وصلنا اليها دون حذر. وبعد ذلك كنت أنا والآخرون قد كتبنا الكثير وحذّرنا، مع أن البعض أخذته نشوة هذه الضربات وأخذ يُفسر ويُحلل ويُعطي مصداقية لها رغم أنه كان يعود الي بيته مساء وصور الدمار التي سبق وشاهدها في وسائل الاعلام تطرح عليه سؤالا مُلحا: هل هذه القوة العسكرية الكبيرة ستصمد، أم أن الذي نضربه هو الذي سيصمد؟ لأن الكثير من هذه الوحدات كانت قد اعتادت الاهمال والركون في المناطق. كل هذا كُتب من نفس المكان ومن بين صفوف الجنود البسطاء، الذين قام البعض منهم وطلب الإذن بالسؤال أو طرح الاستفسارات كما فعل ذلك الجندي البسيط نويس. وكل ما كُتب هنا ليس إلا كلام صحف كما يقولون، لأمثال نويس وغيره ممن أُرسلوا الي القتال عام 1973 وعادوا مرة اخري في عام 2006، ولجميع الجنود البسطاء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لمسؤولية الجنرالات الذين يُحسنون المقابلات في الصحف ووسائل الاعلام ويحملون علي أكتافهم التيجان الذهبية وينسون اولئك الضعفاء من أمثال اولئك الجنود الذين يتساءلون ويُقتلون.

يغئال سيرنا(يديعوت احرونوت) ـ 24/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية