امجد ناصر
لم ينتسب الي (الزرقاء)، علي حد علمي، الا ابو مصعب الزرقاوي، ومع ذلك فإن الزرقاويين الذين اسهموا في صنع الحياة الاردنية (عكسه) اكثر من ان يحصوا. فوجئت في سهرة دعتني اليها الكاتبة الاردنية بسمة النسور اثناء زيارتي الاخيرة الي الاردن انني محاط بـ (زرقاويين) كثر: بسمة ونضال وبسام وعليا وايمن، وبذكريات (شارع السعادة) و(مدرسة الثورة العربية الكبري) و(اسرة نادي القلم الثقافي) والمراييل الخضر واغنيات نجاة الصغيرة. وقبل تلك السهرة تعرفت الي الطبيب المتأدب محمد الجمل (عديل) اشهر العائلات الادبية الزرقاوية: عائلة عبد الحق، الذي بدا لي اكثر اهتماما بالأدب من اهتمامه بالطب، إذ تكفي نظرة واحدة الي مكتبة عيادته المكتظة بالكتب الادبية حتي ينتاب مرضاه شك في هوية المكان الذي هم فيه. كانت الزرقاء، التي عشت فيها طفولتي ومراهقتي، تنفذ الي، رغم اجواء الحرب الضاغطة، من غير مكان، ومن حيث لم احتسب.
كل اجازاتي الصيفية التي اقضيها في الاردن تتراوح بين مكانين: عمان والمفرق، من دون ان امر بالزرقاء، فقد انهي (الاتوستراد) الذي يربط العاصمة بالحدود الدولية الشمالية والمدن الواقعة بينهما، تلك الرحلة الاجبارية عبر مدن وبلدات (من بينها الزرقاء). تطل من (الاتوستراد) علي الزرقاء ولكنك لا تمر من قلبها الغاص بالمحال التجارية والمطاعم والبسطات وحركة السابلة وثياب الجيش المعلقة امام حوانيت خاصة بما كان يعتبر ابرز ملمح من ملامح الزرقاء القديمة.
مضي زمن طويل علي اخر مرة غادرت فيها الزرقاء الي عمان، ومن الاخيرة الي اغتراب طويل في مدن بعيدة لم اعد منه الي الآن، ففكرت، تحت الحاح نوبة من الحنين، ان اذهب الي الزرقاء، وابحث عن البيت الذي عشت فيه الخمس عشرة سنة الاولي في حياتي.
دليلي المعتاد في رحلات كهذه هو اخي احمد، وكانت رحلة البحث عن (بيتنا) القديم بسيارته الكورية (كيا) وليس في سيارة والدي المرسيدس القديمة.
بعد تنطعي الفاشل في تسمية المواقع والاماكن التي عبرناها اخلدت الي الصمت تاركا هذه المهمة العسيرة لأخي احمد، فلم يعد اي شيء في موقعه وما كنت اعتبرها (نقاط ارتكاز) لمدينة طفولتي في ذاكرتي زحف عليها الاسمنت والتكاثر، ولكنني استطعت ان اعرف الطريق الذي يؤدي الي (بيتنا) مهتديا بحافة (السيل) الذي لا تجري فيه قطرة ماء واحدة.
عرفت (الدخلة) التي تقود الي (بيتنا) ووصلت مبهور الانفاس الي العتبة التي تؤدي اليه، لكن اسما اخر طالعني علي الباب: منزل هويمل الحجايا.
بدوت للاطفال الذين يلعبون امام البيوت وفي متاهة الازقة شخصا قادما من الفضاء، انا الذي كنت قبل سنين لا اريد احصاءها طفلا مثلهم العب، تقريبا، نفس العابهم في هذه المتاهة اللامتناهية من الازقة، ولما وقفت امام باب (بيتنا) طويلا استغربت فتاة صغيرة هذا الشخص الغريب الواقف امام بيت ذويها فقلت لها: انني كنت اسكن ذات يوم هنا، وان هذا البيت كان ذات يوم بيتنا، فنادت جدتها التي عرفت بفراستها البدوية انني (ابن ابو يحيي) صاحب البيت السابق.
شربت قهوة عربية في (بيتنا) القديم الذي اضاف اليه اللاحقون غرفا ومنافع لا تحصي وجعلوا سطحه سقيفة للماعز، عددت للمرأة البدوية الجنوبية اسماء جيراننا القدامي ولكنها راحت تحدثني عن مصائرهم المبعثرة.
لم يعد (بستان محمود) موجودا، ولا بستان (اليمني) ولا السيل الذي كان ينفث في العصاري انفاسا ندية في صدر الحي الذي يسوطه الحر والغبار.
لا شيء بقي.
لا الجبلولا الواديولا الاشجار. اترك لذاكرتي ان تتداعي: كان (السيل)، لاطفال مثلنا، نهرا يمكن ان يجرف من هم في سننا، وقد شهدت تلك الايام اكثر من حادثة غرق، لكنه في الشتاء يستعيد حياته كنهر فعلي فتراه يهدر بتغطرس وتطوف مياهه علي ضفتيه اللتين يعبرهما الناس من خلال مخاضات تتوسطها حجارة كبيرة يتقافزون عليها تفاديا للبلل. فمن الجهة التي نسكن فيها لم يكن هناك جسر يؤدي الي ضفة السيل الغربية حيث يربض (نادي الضباط) كصرح اجتماعي متعال مخصص للنخبة في سفح (الجبل الابيض) ذي البيوت القليلة المتناثرة، فالجسر الاساسي المقام عليه هو الذي تمر منه طريق الزرقاء – عمان حيث تلوح (مطاحن التلهوني) الشهيرة التي توفر لسكان المدينة طحينا يكفيهم مواصلة حياة الحد الأدني المدشنة، مع ذلك، بالبسملات يعقبها الحمد والشكر وتمسيد البطون. لسيل الزرقاء مجري نهر فعلي.
وقد اخبرني جدي ان السيل كان، عند تشكل الامارة، نهرا هادرا يحيط ضفتيه (دغل) من الاشجار والقصب تسرح فيه الوحوش، بحيث كان الخيّال ينتضي سلاحه عندما يضطر الي الشرب، او سقي حصانه، من مياهه الصافية التي لم تعكرها، آنذاك، نفايات الاجتماع البشري واندفاع رأس المال الي التصنيع العشوائي. وقبل ذلك بنحو عشرين سنة (اي في مطلع القرن العشرين) توقفت اول موجة من المهاجرين الشيشان الذين فروا من قياصرة روسيا الي الشرق الاسلامي بين (النهر) وسكة حديد الحجاز التي كانت تُشق للتو فأقاموا اول تجمع لهم هناك، ثم ما لبث ان جذب التجمع البشري الجديد انظار عشائر من قبيلة بني حسن الكبيرة التي كانت تقطن غربه فتوطنت بجوار اولئك القوقازين الأشداء ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرق والقبعات الصوفية الغريبة المصنوعة من الفراء. وقد لاحظ البدو، بشيء من الطرافة، ان هؤلاء القادمين من بلاد لا يعرفون اين تقع ولا يصدقون ان الاسلام بلغها، يرتدون (الفروات) عكس ما يألفون: الجلد الي الداخل والفرو الي الخارج، ولم يفهموا معني هذا التدبير الغريب الذي تنتفي معه الحاجة الي ارتداء (الفروة) ما دام صوفها الي الخارج! والطريف ان الشيشان الذين تحدروا من تلك الجبال المعممة بالثلج وجدوا (النهر) سيلا متواضعا تحيطه ارض قفر اين منه تلك الخضرة والمياه والثلوج التي عهدوها في بلادهم فبكي بعضهم من المصير القاحل الذي آلوا اليه، وهو ما يتناقض مع رواية جدي، وغيره من البدو، الذين رأوا في السيل نهرا حقيقيا ومحيطه (دغلا) ملتفا تسرح الوحوش، بطلاقة، علي جنباته. هكذا نشأت الزرقاء الحديثة التي ساهم النهر وسكة حديد الحجاز، ثم معسكر الجيش، علي بعثها من رقادها التاريخي، فدبت الحياة بين النهر وسكة الحديد، ثم راحت، مع موجات النزوح الفلسطيني وتمركز بعض الصناعات الثقيلة في محيطها، تكتظ وتمتد من دون توقف. لكن للزرقاء نشأة اقدم. يدل علي ذلك (قصر شبيب) الذي يعتبر الاثر التاريخي الابرز داخل المدينة. وهذا القصر المجاور للمدرسة الثانوية الوحيدة التابعة لوزارة التربية والتعليم، يومذاك، يكتسي هالة من الغموض: فهو ينسب، في المرويات الاردنية، الي شبيب التبع الحميري (اليمني) الذي لا احد، علي ما اظن، يعرف من هو وكيف وصل الي هذه المنطقة المحاذية لسهل حوران التاريخي، لكن المعلومات الرسمية الاردنية تشير الي انه بني عام 64 قبل الميلاد، وهذا يعني انه يرقي الي الحقبة الرومانية التي تركت في الاردن مئات الشواهد التاريخية علي وجود حضاري مميز، وتشير المعلومات القليلة التي تقدمها الجهات الرسمية الاردنية عن تاريخ هذه المدينة الي ورود ذكرها في (رسائل تل العمارنة) باسم (ساركي) او (صارقي) من دون اية تفسيرات لمعني هذا الاسم. وفي طور لاحق مر به صلاح الدين في طريقه الي قتال الصليبيين في فلسطين، ومن شبه المؤكد ان اخر تعديلات اجريت عليه كانت عثمانية. المدهش في الامر انني قرأت تحقيقا عن جبل الشيخ الذي يشرف علي اقطار سورية الكبري الاربعة تضمن حديثا عن بناء اثري في احد سفوحه يدعي (قصر شبيب) حيث تقول احدي الروايات المتداولة عنه انه سمي بهذا الاسم نسبة الي الامير اليمني شبيب الذي قتله ابو زيد الهلالي في احدي غرف القصر! فهناك الان قصران في الاردن وسورية وكل واحد منهما يدعي (شبيب)، تنسب الذاكرة الشعبية القصر الاردني الي امير يمني بناه، فيما تقول عن الثاني انه قتل فيه علي يد ابي زيد الهلالي. فهل الشبيبان شبيب واحد؟ ام ان لا وجود، اصلا، للشبيبين؟ لا اعلم. لكن ما اعلمه هو ان ياقوت الحموي صاحب (معجم البلدان) يصف سيل الزرقاء بـ (النهر العظيم) ويقول عن محيطه انه ملك لشبيب التبع الحميري، وليس من المستغرب ان الحموي اعاد انتاج المرويات الشعبية عنه علي جاري مؤرخي تلك الايام. لا اظن ان (قصر شبيب) طلع، هكذا، في العراء، فالأرجح ان يكون جزءا من منظومة حضرية اكبر، وهذا ما يؤكده محيط مدينة الزرقاء الحالية الحافل بعشرات الشواهد الاثرية التي تعكس اهمية المكان الاستراتيجية علي طريق التجارة القديم، ولم يكن ذلك ممكنا، قطعا، من دون وجود (السيل) او النهر والينابيع التي ترفده. وفي ايامنا (ستينات القرن الماضي) صار النهر سيلا، ولكن، مع ذلك، كنا نسبح فيه ونصطاد منه السمك. كان السيل شريان حياة الزرقاء المفتوحة شرقا علي صحراء تمتد الي الحدين (السعودي) والعراقي من دون ان يقطعها مصدر دائم للمياه سوي في واحة (الازرق) التي عرفتها، لحسن الحظ، عندما كانت واحة حقيقية تصنع منها المياه والخضرة والطيور جنة حقيقية وسط صفرة وجفاف مريعين خصوصا في فصل الصيف الذي يبدو بلا نهاية، ولا عجب ان تجتذب الواحة بعضا من شيشان الزرقاء بعد ان اقطعهم حديثة الخريشة، احد مشايخ بني صخر، ارضا فيها شريطة ان يبنوا مطحنة للحبوب هناك، فنقلوا اليها ابقارهم وجواميسهم ومطحنتهم وبثوا فيها اساليبهم الفلاحية وانماط عيشهم المتقدمة. للسيل ضفتان ومخاضات في مناطقه الضحلة، وعلي جانبيه اشجار حور وكينا وصفصاف ودفلي وقصب وبساتين صغيرة مزروعة بخضر الموسم، اشهرها، في منطقتنا، بستان (اليمني) الذي لم نكن نعرف له اسما سوي هذا اللقب الذي يدل علي اصله. وهو، علي ما نعرف، هاجر الي الاردن في الخمسينات ولم يكن من احفاد شبيب التبع الحميري! و(اليمني) في الاربعينات من عمره (كان يبدو لنا عجوزا!) يلف رأسه بشماغ (ازرق) اسمر البشرة، قصير القامة، نحيلها، دؤوب الحركة بين احواض بستانه المرتبة بدقة متناهية، المزروعة، غالبا، بالبقدونس والكزبرة والنعنع والسبانخ والخس. مزرعة صغيرة، منظمة، منتجة، يذود عنها بنظراته المديدة، المتفحصة التي تلاحق خطانا، فينهرنا عندما ندب في واحد من الاحواض، او يلاحقنا بعصا ان رآنا نقطف او نتلف شيئا منها. كان يخشي، بالأخص، علي خسه، عندما يأخذ بالتطاول والاكتناز، من ايدينا التي كانت اطول من قاماتنا. الخس هو الذي كان يسيل لعابنا ويثير فينا شهوة السطو أيا كانت العواقب، فماذا نفعل بالنعنع، او البقدونس، نحن الاطفال الطافشين من بيوت ذوينا ببطون تتضور جوعا؟ كان لـ (اليمني) بيت صغير من الطين علي طرف بستانه يجلس امامه في العصاري يدخن ويشرب الشاي من دون ان تسهو عيناه الصقريتان عن المتنزهين الذين يروحون عن انفسهم علي جانب السيل وخصوصا اطفالهم الملاعين. وغالبا ما كنا نراه، ونحن عائدون الي بيوتنا في المساءات، وقد (صفط) منتوجه اليومي بعناية في (بوكسات) خشبية، كلا حسب نوعه، بانتظار نقلها الي (الحسبة) التي تقع وراء (موتور) الجيش. كانت امي تعرف انني سبحت في السيل من نظرة واحدة الي جلدي الصقيل الذي تكاد ان تنعدم فيه المسامات ويكسوه شيء من (القشب)، مثلما كانت تعرف انني ذهبت الي السينما، التي لم تدخلها في حياتها، من رائحة السجائر العابقة في ثيابي. كان يكفي ان تكشف عن كتفي لتعرف انني كنت اسبح، او تتشمم قميصي لتعرف انني كنت في السينما، ومن نظرة واحدة الي عيني كانت تعرف انني اكذب حتي لو هززت بيدي استار الكعبة. كنت اظن انها قدرات خارقة تمتلكها امي من دون سائر النساء ثم عرفت، لاحقا، انها الحاسة الأولي للأم. افسر، الآن، التغير الذي كان يطرأ علي جلدي بعد السباحة بتلوث مياه السيل، فمن منبعه من (رأس العين) في عمان وصولا الي (جناعة) هناك العديد من المصانع التي تقذف عوادمها فيه، اقربها الينا مصنع البيرة. ولكن يبدو اننا كنا نتملك جلود التماسيح، فباستثناء (القشب) وانسداد المسام اللذين تعالجهما امي بحمام ساخن اجباري، لم يظهر علينا اي عارض مرضي، فماذا سيفعل (التلوث البيئي) بمن تدربوا في واحدة من اقسي اكاديميات الفقر والشقاء: جناعة؟ لا شيء. كانت لنا معد تطحن الحديد. ورؤوس تنطح الجدران وترتد سليمة. واجساد (تمسحت) من فرط تلقيها ضربا مبرحا بكل شيء: (القوايش)، (برابيش) الماء، المساطر، العصي علي انواعها، ناهيك عن الصفعات و(الشلاليط) التي تعتبر مداعبة اكثر منها ضربا! الكل له، في اكاديمية الشقاء هذه، حق معلوم بالضرب: الاب، الام، الاخ الاكبر، ابن العم، المدرس، آذن المدرسة، خادم الجامع، الدكنجي الخ.. وسيجد الذي يضرب (بضم الياء) من يضربه (بفتح الياء).. هكذا تتدحرج عجلة العنف هذه من عند (ابو احمد الحلاب) في رأس الشارع حتي (بستان اليمني) علي جانب (السيل) صعودا ونزولا من دون توقف. اتذكر انني طردت مرة من مدرسة هارون الرشيد بسبب مشاركتي في عراك داخلها فقادتني امي في اليوم التالي الي المدرسة وقالت للمدير بعد ان استسمحته كي يعيدني الي الصف: إلك اللحم وإلنا العظم!