مجلد يوثق أعمال الفنان العراقي إبراهيم العبدلي ويعكس خصائص أسلوبه الواقعي

حجم الخط
0

أقيم له حفل توقيع في غاليري الأورفلي بعمان:

عمان ـ “القدس العربي” ـ من يحيي القيسي: إبراهيم العبدلي: واقعية الأسلوب وشفافيته مجلد يضم لوحات الفنان العراقي المقيم في عمان إبراهيم العبدلي صدرمؤخرا عن دارالأديب للصحافة والنشر في بغداد، وقد أقيم له حفل توقيع في غاليري الأورفلي حضره جمع غفير من المثقفين والفنانين الأردنيين والعراقيين، والكتاب المجلد ضم صورا لمختارات من اللوحات التي أنجزها الفنان العبدلي عبر مسيرته التي ابتدأت منذ ستينيات القرن الماضي، إضافة إلي مقدمة نقدية وتعريفية لتجربة الفنان العبدلي كتبها الناقد عادل كامل. في مجال البورتريه الشخصي أنجز العبدلي لوحات للملك فيصل الثاني ملك العراق للأعوام 1952 ـ 1958 وموادها زيت علي قماش، وأبعادها 85 في 113 سم، كما أنجز البورتريهات التالية للشعراء والأدباء العرب: محمد مهدي الجواهري، نزار قباني، عبدالوهاب البياتي، فدوي طوقان، عرار، يمني العيد، د. محمود السمرة، د. ناصر الدين الأسد، زكريا تامر، فاروق عبدالقادر، سلمان شكر، علي السوداني، اسماعيل الشيخلي، فخري قعوار، وداد الأورفلي وغيرهم إضافة إلي عشرات البورتريهات لشخصيات أخري معروفة أو من العامة، ومن الملاحظ أن العبدلي يجيد الاشتغال علي الألوان المائية، والزيت علي القماش أيضا بنفس الحرفية العالية، فهو لا يكتفي بنقل ملامح الوجوه من الواقع أو الصور الفوتوغرافية بل يضفي عليها لمحة خاصة تظهر بعضا من الملامح الداخلية للشخص، وهذا يتضح من التدقيق في الأعمال وقسمات الوجوه والألوان واللمعات التي تظهر في أماكن من هذه الوجوه لتدل عليها. في القسم الثاني للعمل الذي تم تخصيصه للخيول والطيور، لوحات تعبيرية تقترب من الواقعية ترصد بعض الحركات وجمالياتها لهذه الطيور قرب إناء ماء أو مرفرفة بالقرب من الشبابيك أو الشناشيل العراقية الطابع، كما خصص العبدلي لوحات في كتابه للأمكنة مثل شارع الرشيد ببغداد خلال الأربعينيات، وسوق قديم في السعودية، وزقاق قديم في القدس، والسلط من الأعلي، ولوحات أخري للأقصي وقبة الصخرة، والكعبة، ومقاه وبيوت في الدمام وجدة وبغداد وعمان وطليطلة ولشواطيء دجلة، ولا سيما المراكب وصيادي الأسماك، هناك لوحة تعبيرية جميلة لنساء يملأن جرارهن بالماء، ومن الواضح في هذه اللوحات قدرة العبدلي علي الاشتغال علي الأمكنة والتقاط زوايا خاصة بها، تنقل للمشاهد حميميتها ويتفاعل معها وكأنها تنبض بالحياة.. الكتاب ضم أيضا قسما خاصا فيه للطبيعة الصامتة مثل المزهريات والجرار والصحون بما تمتليء من فاكهة، ولعله هنا يحاكي الواقع تماما، لكنه مع ذلك يؤلف بين عناصر العمل بطريقة شاعرية ليكون المنتج عملا فنيا رغم طبيعته الساكنة.. يمكن أن نجد في كتاب العبدلي أيضا اهتماما خاصا بالعربات ولا سيما تلك التي تنتمي إلي مرحلة الأربعينيات وما تعكسه من جماليات، وقد بدا واضحا في بعض اللوحات اقتراب الفنان من التجريد ثم التعبيرية وأخيرا الواقعية أي إن هذه العربات قد اتضحت فيها قدرات الفنان علي الولوج إلي هذه المدارس التشكيلية المختلفة، ولكنه آثر كما يبدو في أعماله المتأخرة أن يعمق تجربته في ما يمكن تسميته الواقعية الفوتوغرافية. لم ينس العبدلي أن يضم إلي كتابه الذي أشرف علي إنجازه الفنان هيثم فتح الله مجموعة من الصور التي تعكس تجربته الحياتية ودراسته وعائلته وصداقاته مع رموز الفن والثقافة العراقيين والعرب وملامح من تجربته في التدريس والعيش في الأردن. واقعية الأسلوب وشفافيته يقول الفنان والناقد عادل كامل في مقدمته لمجلد العبدلي: في الرسم العراقي المعاصرهناك علاقة جد خاصة بين الرسام وأسلوبه وبين شخصيته الداخلية وأفكاره وعالمه وبين إنجازه الفني وموضوعاته وتكنيكه أيضا: وهي علاقة تطابق لدرجة الوحدة، وبالمفهوم النقدي الحديث فهناك بنية متماسكة تتمسك بكلاسيكية العلاقة بين الفنان وأهدافه الإبداعية، نجد ذلك عند فائق حسن ومحمد عارف ومحمد علي شاكر وعند إبراهيم العبدلي، في سياق اتجاه شكل تيارا واقعيا في الرسم المعاصر في العراق، فالفنان العبدلي المولود في 1940 في هذا الاتجاه تلقي دروسه المبكرة في الرسم علي يد فائق حسن شيخ الرسامين والموجه الأول للواقعية في تنويعاتها الحديثة. كان اختيار العبدلي لهذا التيار في فترة إبان نزعات الحداثة الأوروبية – الغربية، وهي عملية اختيار تنم عن صلتها برؤيته وأفكاره الفنية. كان هذا التطابق له صلة بالأصالة والمهارة فقانون النقد لا يحدد مسبقا الشكل الأخير للفن، إنه يقف في الغالب إلي جانب المهارة وهي لا تتقاطع مع عالم الفنان الداخلي، والعبدلي هو واحد من الفنانين الذين تمسكوا بالمكان والمرئيات والأسلوب المجسد لمنطق سائد في الرسم العالمي، فقد انشغل بأثر البصريات وامتزجت – المرئيات – بذاكرته: هذا العالم خبره، وأحبه فالمكان له سيكولوجيته وصلته برؤية الفنان من جهة، وبأسلوبه وتكنيكه من جهة ثانية، وقد جاءت تجارب إبراهيم العبدلي منذ الستينيات حتي بداية القرن الحادي والعشرين باختيار متوازن مع شخصيته. وفي جانب آخر لم يظهر رغبة في القفز إلي أسلوب آخر، فالإصابة عنده حددت اختياره لإعادة بناء المشهد الواقعي بحساسية تبلغ درجة الرصانة الشعرية، والأداء الموسيقي داخل بنية اللوحة، ولم يكن هذا الاختيار في أواسط الستينيات – وما بعد ذلك – إلا موقفا نادرا إزاء موضة التحديث والتجريب والمحاكاة للأساليب الوافدة، فاختار الموضوعات اليومية، الاجتماعية، والتراثية ولم يختر تقليد ما هو غريب عن شخصيته والتقاليد ذات الصلة بواقعية الفن، هذا الاختيار بعد سنوات طويلة نسبيا سيغدو ظاهرة في الرسم العراقي، و قد رسخ العبدلي مع فائق حسن وزملاء له مدي أهمية الواقعية في أصولها وتطورها كـــعلاقة جدلية مع المحيط والبشر ومع إرســـاء التقاليد الأكثر توازنا بين التجارب الفنية والحديثة وبالمنظور الحديث للواقعية. ويتابع كامل مقدمته بالقول: لا تفصح موضوعات الفنان الواقعية إلا عندما نتأمل خفايا أسلوبه: مهارته كعازف بالفرشاة، ونقل البعد السمعي إلي حساسية الألوان وتمثل المكان بتصاميم حديثة وتفحص البشر بمنظور تعبيري، بعيدا عن الاغترار الذي يحول الأشكال إلي أشياء، أن تفحص موضوعات: الطبيعة الساكنة، الصور الشخصية، ورسومات مستمدة من مواقع العمل المختلفة، والطيور ولقطات إنسانية خاصة، عربات وخيول وأزقة كلها في هذا السياق تكتسب بعدا شفافا بالرسم، فالمهارة عنده ليست استعراضية، أو ثمرة خبرة مجردة بل هي عبارة عن نشيد لوني راقص يتوازن وبالغ الرهافة. فالحساسية التي تمتع بها الفنان أتاحت له أن يحول الأشكال الساكنة لضرب من الموسيقي، ويمنح الصور الشخصية ملامحها التعبيرية الداخلية، ويضع لحظات العمل كتحد لقسوة الخارج، ويجعل من الطيور حركة غير قابلة للسكون فضلا عن المواقف الإنسانية بمختلف أبعادها النفسية والروحية من تنويعات تعكس تمتعه بشمولية الرؤية: فخامة المعمار، وتناغمات الأضواء مع الظلال… الأشكال القديمة بما تحمل من ذكري تجاه متغيرات المكان، هذه العلاقة بين الموضوعات والرسم منحت الواقعية قدرة علي أن تجمع بين الإتقان ورهافة التعبير بالرسم. شهادتان في تجربته فائق حسن ( 1989): برهن الفنان الزميل إبراهيم العبدلي علي إمكانياته الفنية المعروفة، ونلمس ذلك بمجمل أعماله الفنية زيادة علي تقنيته الحساسة ولمساته بمضمون أعماله، ونشعر بهذا بانتاجاته المستمرة التي أثبتت عن تجربة وخبرة لسنين عديدة. اسماعيل الشيخلي: الزميل العبدلي من أبرز فناني جيله بما قدمه من أعمال رائعة فهو فنان بغدادي تراثي شعبي أصيل بأسلوبه الواقعي الانطباعي المعاصر، رسام بطريقته الشاعرية وألوانه المتميزة ذات التأثير الموسيقي، ستبقي أعماله متميزة في هذه الفترة من تاريخ الفن العراقي المعاصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية