عودة النازحين من الجنوب فاجأت حتي الاسرائيليين:
بيروت ـ “القدس العربي” ـ من زهرة مرعي: رغم الدمار الذي استمرت آلة الحرب الصهيونية في توزيعه علي الأراضي اللبنانية كافة حتي الربع الساعة الأخير من سريان قرار وقف اطلاق النار، فان الصورة التي حملتها أقنية التلفزيون التي رافقت ذلك العدوان تبدلت كلياً بين الثامنة الا ربعاً والثامنة والربع. في هذا الوقت السابق واللاحق لساعة الصفر بدأت قوافل السيارات تهدر باتجاه الجنوب. لقد رتب النازحون حوائجهم منتظرين ساعة الصفر وما أن تلاقت عقارب الساعة حتي بدأ التسابق نحو الجنوب. في لحظات غصت الطرقات بين سورية ولبنان من مختلف المعابر بالعائدين، وفي لحظات خلت بعض أماكن النزوح في الشمال وجبل لبنان وبيروت من سكانها. هذا الدفق البشري سابق رجال الاعلام وكاميراتهم، سابق الجرافات التي يفترض أن تمهد بعضاً من الخنادق التي خلفتها الغارات الحاقدة في الطرقات، في حين أنها غيرت معالم طرقات أخري، في لحظات كان رتل السيارات العائدة يتصل بين بيروت والجنوب، وبين جبل لبنان والجنوب من جهة جزين.
صورة العودة كانت هي الحدث في يوم 14 آب، وصورة الانسحابات الاسرائيلية من بعض المواقع التي فاجأهم الناس بها هي الحدث أيضاً. طالبت قوات العدو من قوات الطواريء منع هذا التدفق البشري والحد منه فكان الجواب لقد تأخرتم في الطلب. وهكذا ساهم المواطنون في تشكيل صورة ذلك اليوم التلفزيونية، وفي تثبيت وقف اطلاق النار، وفي تسريع انسحاب العدو من بعض المواقع الحساسة. هذه كانت الصورة العامة، أما الدخول في التفاصيل فيقودنا الي الكثير من الدلالات التي ظهرت في تصريحات العائدين لوسائل الاعلام. هؤلاء العائدون لم يبالوا بالتحذيرات من وجود قنابل غير منفجرة علي أطلال المنازل، كما لم يبالوا بوجود القنابل العنقودية التي نقلت الكاميرات أعداداً كبيرة منها. لم ينتظروا قرار مسؤول أو انتشاراً للجيش اللبناني أو قوات الطواريء. بل دخلوا في سباق بعضهم مع الآخر في من يكون أول الواصلين الي مسقط رأسه. في تفاصيل الصورة التي وصلتنا أن الجميع يحتفل بالنصر، والجميع غير آسف لدمار منزله، لكن كانت غصة في القلوب ظاهرة علي كل من فقد عزيزاً.
الي أرض الشهادة والكرامة الوطنية تسارعت الخطي، تشابكت الأيدي في سبيل تمهيد ما أمكن من الطرق. تضافرت الجهود في سبيل تأمين حركة سير مقبولة ومعقولة لسيل بشري سيطر علي طرقات الذهاب والاياب وحولهما معا صوب الجنوب. فكيف يمكن أن يهزم شعب له كل هذه الصلة بأرضه؟
قبيل الساعة الثامنة من يوم 14 آب (اغسطس) رفعت الأقنية التلفزيونية العربية درجة التأهب في استديوهاتها وبين مراسليها علي مختلف الجبهات في لبنان وفلسطين الي الدرجة القصوي. الكل في حال من الاستنفار ينتظر ماذا سيحدث في هذا الوقت الفاصل بين زمنين هما الحرب وتوقف الحرب. في جولة سريعة علي القنوات التي جندت نفسها لنقل وقائع الحرب طيلة الـ34 يوماً، اذ بالتقارير تتشابه بين كافة القنوات المحلية والعربية. الجميع أعلن أن قرار وقف اطلاق النار دخل حيز التنفيذ، وبدأت الجولة علي المراسلين في مختلف المناطق ليقولوا جميعاً أن العدوان توقف، وأن الهدوء هو سيد الموقف بعد أكثر من 24 ساعة دامية جداً سجلها اليوم الأخير للحقد الصهيوني الذي انصب علي لبنان وشعبه. لكن كان ملاحظاً أن قناة المستقبل وصفت الحركة باتجاه الجنوب بأنها محدودة، في حين وصفها مراسلا الجزيرة والعربية بأنها تشبه التدفق، ولسنا ندري لماذا وقعت تلك المراسلة في هذا الخطأ الجسيم؟
منذ لحظة دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ صار للقنوات العربية التي تابعت التهييص من دون أدني احساس بما يحدث في الجانب الآخر من الوطن العربي حقها في متابعة مسيرة فرحها التي لم تكن تعني أياً من الشعوب العربية التي كانت تتابع يومياً النصر الذي يسطره المقاومون علي الجيش الأكثر تسليحاً في العالم. استعدت قناة المنار في اليوم الأول لوقف العدوان للنزول الي الميدان. القائمون عليها كانوا يدركون أن المربع الأمني المدمر كلياً سيتحول الي محجة للمواطنين والرسميين والمتضامنين مع الوطن من الخارج. فمنذ ساعات الصباح الأولي كان استديو البث الخارجي يركب مقابل مبني المنار المدمر الذي بقيت منه بوابته الحديدية شاهداً علي أنه كان هنا في يوم مضي. مذيعتان صبيتان تولتا استقبال الضيوف والحوار معهم في هذا الاستديو الميداني الذي لم يسبق أن شاهدنا مثيلاً له. مدير قناة المستقبل النائب السابق عبدالله قصير كان من بين الضيوف، والمدير السابق النائب الحالي حسن فضل الله كان من بين الضيوف أيضاً. قصير وعد بأن المبني المهدم سيقوم في مكانه مبني أجمل مما كان وقريباً جدا وذلك كي يبقي رمزاً للحقيقة.
وطيلة هذه الحرب المدمرة كان استمرار المنار محيراً وطارحاً للسؤال من قبل الأصدقاء والأعداء. اذ كيف توقفت القناة لثلاث دقائق ونصف فقط اثر ضرب عمود الارسال الذي يرتفع علي مبناها، قبل تدمير المبني بالكامل في وقت لاحق؟ والسؤال الآخر المحير كان من أين تبث قناة المنار؟ وكيف يصل الضيوف اليها والذين كانوا كثراً طيلة أيام الحرب؟ ربما تكون أسئلة تستجيب لحشرية الانسان الطبيعية، لكن يبقي أن المنار استمرت، وتجددت، وابتكرت برامج حتي في ظل العدوان. ومن الجديد الذي تبثه تلك الأغنيات المصورة علي أنقاض الضاحية الجنوبية والتي تحتفل من خلالها بالصمود والانتصار.
الزميل عباس ناصر كان من الوجوه الاعلامية التي رافقت المواطنين طيلة أيام الحرب أولاً من قرب الضاحية الجنوبية، ولاحقاً مكث لفترة طويلة في الجنوب وتحديداً في مدينة صور. كان لعباس ناصر العديد من الاسبقيات الاعلامية، ومنها لقاؤه في اليوم الأول لوقف اطلاق النار مع مقاوم شارك في صد محاولات العدو التقدم نحو عيتا الشعب. قبل هذا الحوار الذي أجراه عباس ناصر وجهاً لوجه مع هذا المجاهد لم نكن قد شاهدنا مقاوماً يتحدث علي شاشة التلفزيون. كان جميلاً أن نتعرف الي مقاوم شارك في صناعة ما تمت تسميته بأسطورة عيتا الشعب التي أرعبت العدو. كان في اعتقادنا أن المقاومين هناك سيكونون في حالة يرثي لها لكثرة ما تكبدونه من عناء ومتاعب في صد العدوان، لكننا وجدنا عند اللقاء به علي شاشة التلفزيون أننا نحن المتعبون وهو المرتاح الي وضعه والي ضميره طبعاً. 2