سقف الحرية المنهار في التلفزيون المصري!

حجم الخط
0

سقف الحرية المنهار في التلفزيون المصري!

سليم عزوزسقف الحرية المنهار في التلفزيون المصري! أصبح التلفزيون المصري ـ بفضل قيادته الرشيدة ـ في حكم المريض الميئوس من شفائه، وأي أمل في ان يتحول الي تلفزيون (عليه القيمة)، بشكل يليق ببلد في حجم مصر، هو كسراب يحسبه الظمآن ماء، حتي إذا جاءه لم يجده شيئا، وبات من يحلم بأن يدخل سيادته في حلبة المنافسة، مع القنوات الجديدة، هو كالجائع الذي يحلم بسوق الخبز.فقيادات هذا التلفزيون قوم يعيشون خارج الزمن، دعك من وزير الإعلام، فالواقع ان هذا المنصب شاغر، علي الرغم من ان شخصا اسمه انس الفقي يشغله، ويبدو ان جماعتنا لم يستقر في وجدانهم اننا في زمن السماوات المفتوحة، وان الأطباق اللاقطة أصبحت تغطي أسطح البنايات في مصر، ولم يعد احد مجبرا علي ان يشاهد تلفزيونا، يصر أصحابه بلا مبرر علي ان يتربع علي عرش الريادة الإعلامية، من قديم الأزل، وحتي قيام الساعة، واضح انهم لا يشاهدون الفضائيات التي ولدت عملاقة، ومن المؤكد أنهم لا يشاهدون إلا تلفزيونهم، او علي الأكثر التلفزيون السعودي، والليبي، فينتابهم إحساس جارف بالتفوق. ولهذا فهم لا يزالون يتعاملون علي ان الناس مجبرة علي رؤية تلفزيونهم الشائخ، ومن لا يعجبه فليشرب من البحر، او يلق بنفسه فيه، او فليشاهد فضائية الإخبارية الجبارة، التي من يشاهدها ساعة، يقل معدل ذكائه إلي النصف، ومن يشاهدها يوما بطوله، فانه يستنزف المخزون الاستراتيجي من الذكاء، لدي قبيلة من البشر. ولان الأمر كذلك، فان جماعتنا لا يزالون يتعمدون سياسة دفن الرؤوس في الرمال، ولم يأتهم بعد نبأ (الجزيرة)، و(الحرة)، و(المنار)، وعشرات الفضائيات الاخري، التي تبث إرسالها، او في طريقها لذلك، والمشاهد لها سوف يقيم سرادق بمسجد عمرو مكرم لتقبل العزاء في المأسوف علي شبابه تلفزيون الريادة الإعلامية.في تغطيته للحرب علي لبنان، عمل هذا التلفزيون المستحيل من اجل التستر علي انتصارات حزب الله، ظنا من القائمين عليه، ان هذه الانتصارات مادام تلفزيونهم لم يبثها، فإنها لم تحدث، وكأن الناس لا تشاهد غيره، وكأن (الجزيرة) التي أدت أداء مهنيا رائعا، ليست موجودة في البيوت، وفي المقاهي، وفي المنتديات. وإذا كان هذا يتسق مع الموقف الرسمي للبلاد، الذي كان يتمني هزيمة ساحقة ماحقة لحزب الله (الشيعي)، علي أيدي القوات المناصرة لأهل السنة والجماعة، واعني بها القوات الإسرائيلية، فان المشكلة في ألا يتصور القوم ان ارض الله واسعة، وسماءه كذلك، وبالتالي كان عليهم ان يقدموا الأمر بموضوعية، حتي لا يسقطوا من نظر المشاهدين، بشكل يحولهم إلي (مسخرة) من العيار الثقيل. وإذا كان تلفزيون الريادة الجبار، قد تورط في هذه التغطية، ولم ينتبه الي ما جري، إلا بعد ان أعلن الإعلام الإسرائيلي ان الجيش الذي لا يقهر، قد قهره حزب الله، فان نقد هذا الأداء علي شاشات التلفزيون المذكور، كان سيرد جانبا من الاعتبار المفقود، وربما جعل من هذه التغطية (وجهة نظر)، علي أساس ان القوم قد اجتهدوا، ولم يكونوا مدفوعين بسوء النية، وسوء القصد. لكن عندما سنحت لهم هذه الفرصة لم يستغلوها، بل ارتكبوا جريمة العبث، بشكل ترتب عليه، ان جعلونا علي يقين من ان عقارب الساعة عندهم قد توقفت منذ زمن (المنافلة)، او الأداء اليدوي.أول القصيدة برنامج (كلام والسلام) هو ضمن مجموعة من البرامج، يتعامل معها من بيدهم مقاليد الأمور في مبني التلفزيون المصري (ماسبيرو)، علي انهم سيعملون بها الهوايل، وسيدخلون بها الألفية الجديدة، وسيدشنون بها لمرحلة الفكر الجديد الذي يتبناه الحزب الحاكم، وهو ضمن سلسلة من البرامج تم منحها للذين وقفوا مع مرشح هذا الحزب في الانتخابات الرئاسية الماضية، في حملة الدعاية التي اشرف عليها السيد جمال مبارك. وكل من ساهم في ذلك، ولو بشطر كلمة، او تجاهل المنافس الحقيقي في هذه الانتخابات الموجود الآن في السجن الدكتور ايمن نور، او شارك في عملية تشويهه، تم دفع اتعابهم من (جيب) هذا التلفزيون، فعبد اللطيف المناوي، او عبلاتيف مناوي، بحسب نطق المستشرقة سلمي الشماع، تم تنصيبه رئيسا لقطاع الأخبار، ولميس الحديدي تم منحها برنامج (اتكلم)، وعمرو عبد السميع تم منحه برنامج (حالة حوار) وهو مرشح لان يكون وزيرا للإعلام او رئيسا لمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ونيرفانا إدريس تم جلبها من قناة (الاوربيت)، وتعاملوا معها علي أنها خبير أجنبي، ولم يتم الاستغناء عن خدماتها إلا بعد ان اكتشفوا انهم اشتروا (الترام)، ثم كان البرنامج سالف الذكر هبة لصاحبه علي دوره في هذه الانتخابات، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. المهم ففي أولي حلقات هذا البرنامج تمت استضافة الكاتب المرموق محمود عوض، والذي قال انه حاول ان يعتذر في البداية، لولا ان معد البرنامج ومقدمه تكرر إلحاحهما، واتصالاتهما الهاتفية حتي وصلت إلي 12 مرة في اليوم الواحد، وقد أكدا له ان سقف الحرية أصبح السماء، وذهب الرجل الي هناك، وهو يظن ان الحداية يمكن ان تلقي كتاكيت ، وانتقد إدارة الإعلام المصري للأزمة اللبنانية، والنقطة المتعلقة بشرح إبعاد حزب الله والمقاومة، وفوجئ بالتعدي علي كلامه، بالحذف والتشويه، الأمر الذي أصابه ـ حسب قوله ـ بالاكتئاب والتوتر، وداهمته علي اثر ذلك أزمة صحية، دخل علي أثرها المستشفي، وقد حمل المسؤولين عن البرنامج سبب مرضه. والغريب انه لم يتم فقط استخدام أسلوب الحذف والقص واللصق مع كلام محمود عوض، ولكنهم استخدموا بالإضافة الي ذلك أسلوبا آخر، لا يتم استخدامه في زمن التطور التكنولوجي، وهو خفض الصوت، حتي لا يسمعه المشاهدون، علي حد قوله. فأنا لم أتشرف بمشاهدة هذه الحلقة من البرنامج، وكان أول القصيدة كفر كما يقولون.سقف الحرية المنهار كان من المفروض ان أقول ان ذنب كاتبنا الكبير علي جنبه، لأنه صدق أصحاب البرنامج عندما حدثوه عن سقف الحرية، لولا ان كلنا هذا الرجل، لكن قضاء ألطف من قضاء، فأحيانا يكون القائمون علي البرامج هم ضحايا مثل الضيوف لوهم الفكر الجديد في التلفزيون، والي درجة ان الضيف يتصور ان القوم تغيروا فعلا، ولا يجدون من يصدقهم، ويساعدهم في توسيع هامش الحرية، ولأن الاعتذار قد يمثل نوعا من التعالي البغيض، فان المرء تتلبسه حالة من الإحساس بأنه سيحرر عكا، بمجرد ظهوره علي شاشاتهم.منذ عدة شهور دعاني صديق يعد احد البرامج للمشاركة فيه، وقد أحطته علما بأنه يمكن ان يتم نفيه الي (سيلان) بسبب ذلك، حيث نفي الاحتلال الإنكليزي الزعيم الوطني سعد زغلول إلي نفس الجزيرة، وقال لي ان هذا (كان زمان)، وان الدنيا تغيرت، والحرية ترفرف علي ربوع الوطن. وقد طمأنني علي وضعه الوظيفي، وعلي انه في كامل قواه العقلية عندما اخبرني ان مجدي احمد حسين رئيس تحرير جريدة الشعب المغلقة بقرار حكومي، والأمين العام لحزب العمل المجمد بقرار من نفس الجهة سيكون معي. وقلت في عقل بالي ربما ان الدنيا تغيرت فعلا، إلي درجة ان تتم استضافة اثنين (مسجلين خطر) معا، وفي حلقة واحدة، ولأنني عرفت فكرة الحلقة ولم اهتم بالتفاصيل، فقد وقفت علي الهدف ونحن علي الهواء مباشرة، والهدف اننا تغيرنا فلا توجد قائمة سوداء، كما هو شائع بالنسبة لمن يظهرون علي الشاشة، فنحن في زمن الإصلاحات النابعة من الداخل، وفي نفس الوقت فان القضية المطروحة للمناقشة قد تنال من المعارضة، لتبدو الحكومة شامخة، بالمقارنة بوضع المعارضة. القضية كانت تدور حول مستقبل (الصحافة الحزبية) علي خلفية ما جري في حزب (الوفد)، من صراع علي رئاسته تسبب في إغلاق صحيفته بضعة ايام، وقلت وقتها ان المشكلة تكمن في التعددية المنقوصة التي تأخذ بها مصر، فالحكومة تتحكم في منح التراخيص الجديدة للأحزاب، والتراخيص الجديدة للصحف، والأمر لا تحكمه قواعد قانونية، لكنه استلطاف سياسي في الأول والآخر، وهو ما يدفع كثيرين للتنازع علي الرخصة، لإيمانهم ان صعود جبال الهملايا، أسهل من الحصول علي رخصة لمشروع حزبي جاد، وهذا التعسف هو المسؤول الحقيقي عما جري، عندها فوجئت بأحد المذيعين يقاطعني ليسألني، وعندما أقول كلمة، يقاطعني ليسألني سؤالا جديدا، وهكذا، دواليك، وكأن البرنامج تقوم فكرته علي توجيه اكبر قدر من الأسئلة بغض النظر عن الإجابة، ولأنني عندما أقاطع انسي ما أريد قوله، فقد أحرجت المذيع عندما قلت له بحدة: انتظر حتي أجيب، لأعلم ان تنبيها وصله من (الكنترول) بضرورة السيطرة علي بصفتي مفلوت العيار .الرئيس صدام ذات مرة دعاني احد المعدين ببرنامج (شارع الكلام)، الذي تقدمه القناة الثقافية للحديث في قضية سرقة وتدمير الآثار العراقية بعد الاحتلال، وقال لي نفس ما قاله المعد السابق، وكذلك نفس ما قاله معد ومقدم برنامج (كلام والسلام) لمحمود عوض، واكتشفت ان رفع سقف الحرية هو مجرد أمنية من القائمين علي البرنامج، تصوروا من إلحاحهم عليها انها رغبة من القائمين علي أمر الإعلام المصري، وفي الواقع ان هذا السقف لم يرتفع ولكنه انهار ليلامس الأرض. لقد أغراني وأنا أدلف من باب القناة ان احمد فؤاد نجم خارج منه بعد مشاركته في احد البرامج، وكان قد ألف منذ قليل قصيدته (العريس) ليجعلني أقول في سري: نحن في حلم ام في علم. كان الضيف الآخر في البرنامج خبيرا في القانون الدولي، وكانت المذيعة التي لم أتذكر اسمها تستمع أكثر مما تتكلم، وتستوعب أكثر مما تقاطع، وأغرانا الأمر فقلنا في الاحتلال ما قال مالك في الخمر، وكنت لا اذكر اسم صدام حسين الا مسبوقا بالرئيس العراقي، وقال زميلي انه لا يزال هو الرئيس الفعلي للعراق، بحسب القانون الدولي، وظننت ان الأمر لن يغضب القوم عندنا، فالمفروض، ومن حيث الشكل، انهم ضد الاحتلال، والمفروض كذلك ان أمريكا لن تؤاخذهم لان صحافيا وقانونيا ظهرا علي شاشة احدي قنواتهم التلفزيونية وقالا ان صدام حسين هو رئيس العراق، ولكن مسؤولة كبري عن القناة تحركت منذ شهور، وطالبت بإلغاء البرنامج، لأنه بات يهدد السلم والأمن الدوليين. لكن قضاء اخف من قضاء، فقد كنت علي الهواء مباشرة، في حين ان محمود عوض تم تسجيل وجهة نظرة ليتسني العبث بها وتشويهها حتي لا تغضب الآلهة، ومن عجب ان مقدم البرنامج خرج ليقول ان مرض صاحبنا هو محاولة لعمل شو او دعاية لنفسه علي حسابه. ففي الواقع ان العيب ليس علي (المقدم)، ولكن علي من يصدق ان الحداية يمكن ان تلقي كتاكيت ! أرأيتم الي اعلام الفكر الجديد في زمن السماوات المفتوحة؟!ہ كاتب وصحافي من مصر [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية