د. واصف منصور
مع توالي المسيرات والوقفات التضامنية التي شهدتها مختلف المدن المغربية وفي مختلف الأقطار العربية والاسلامية، هذه المبادرات التي دعت اليها الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني أو خرجت بشكل تلقائي، تعبيرا عن وقوفها الي جانب الشعب اللبناني وادانة للعدوان الصهيوني والدعم الأمريكي والصمت الرسمي العربي، وهي مبادرات نضالية لا شك في نوايا الداعين لها والمشاركين فيها، ولا شك في أهميتها السياسية والمعنوية. مع توالي هذه المبادرات، تذكرت ثلاث حكايات كان لها وقع آخر ومعني آخر يستحق ان نوردها لعل ذلك يعطي اجابة علي سؤال تطرحه الجماهير في كل مكان، عما يمكـــن فعله تجاه العدوان الصهيوني الأمريكي ولنصرة المقاومة البطولية في لبنان وفلسطين. * الحكاية الأولي حدثت في مدينة سلا في شهر آذار (مارس) 1969 في احدي قاعات السينما، حيث كانت فرقة المسرح الوطني الفلسطيني تقدم مسرحية (شعب لن يموت)، واثناء الاستراحة بين فصلي المسرحية اقامت الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني مزادا علي كوفية فلسطينية، وكان الحضور يقدمون ما يحملون من نقود او خواتم او حلي. وفجأة انفتح باب السينما ودخل رجل موضوع في قفة جلدية ويزحف مستعينا بقباقيب خشبية، فأوقفنا المزاد وساد صمت رهيب في القاعة حتي وصل ذلك الرجل الي الخشبة فحملناه ووضعناه علي الخشبة، واخرج من القفة صرّة وقدمها لنا، ففتحناها واذا بها مجموعة من القطع النقدية الصغيرة كان قد جمعها (كمتسول) في ذلك النهار، وجاء ليقدمها كمساهمة منه في دعم المجاهدين الفلسطينيين، مما أثار حمية الحضور وجعلهم يقدمون كل ما معهم من نقود وحلي. * الحكاية الثانية حدثت في المعرض الدولي بمدينة الدار البيضاء اواسط السبعينات، حيث حضرت امرأة متقدمة في السن وقدمت لي الف درهم قائلة: ان هذا مساهمة مني في دعم المجاهدين. ولما أخبرتها أنني لا أتوفر علي دفتر تبرعات لأعطيها توصيلا بالمبلغ، قالت: اذن اعطني بقيمته اشياء من التي تبيعونها. * الحكاية الثالثة حدثت في معرض للكتاب بمدينة الرباط اواخر السبعينات، حيث حضر رجل كبير في السن وأعطاني مئة درهم قائلا: أعطني بهذا المبلغ كتبا تتحدث عن فلسطين. فقلت له: اختر ما تشاء من الكتب، فقال. انا أمي لا أعرف القراءة والكتابة، فارجو ان تختار انت بنفسك الكتب التي تراها ضرورية لابنائي واحفادي كي يعرفوا ما يجري في فلسطين. هذه الحكايات الثلاث تصبّ في نفس ما قصده الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما مر باعرابية عندها جمل أجرب وتقف أمام خيمتها رافعة يديها الي السماء متضرعة الي الله عز وجل ان يشفي جملها الأجرب، فقال لها: اجعلي مع دعائك قليلا من القطران، أي ضعي أولا القطران علي الجمل ثم ادعي الله ان يشفيه. وهذه الحكايات كلها تتوافق مع ما قاله رسول الله صلي الله عليه وسلم (من جهّز غازيا أو خلف غازيا في أهله بخير، فقد غزا)، وقوله صلي الله عليه وسلم (مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاة ستين عاما خاليا، الا تحبون ان يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنّة). وتتوافق مع قوله تعالي مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء وقوله تعالي لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وفضّل الله المجاهدين علي القاعدين أجرا عظيما. صدق الله العظيم وصدق رسوله الكريم.
ہ كاتب من فلسطين8