لمن جوائز الموت والدمار… وأين الأصيل والدخيل بالحرب كما بالسلم؟

حجم الخط
0

لمن جوائز الموت والدمار… وأين الأصيل والدخيل بالحرب كما بالسلم؟

مطاع صفديلمن جوائز الموت والدمار… وأين الأصيل والدخيل بالحرب كما بالسلم؟علي ضفاف حرب التدمير الإسرائيلية الأمريكية للبنان تتلامح الأبعاد الأشمل للتداعيات الإقليمية التي كانت وراء الحرب وصاحبتها، ثم برزت كواحدة من أكثر نتائجها الفائضة عن فظائعها. إنها المحاولة المدروسة في نزع كل صفة إيجابية وذاتية تخص الحدث الإستثنائي المتمثل في إبداع ذلك النوع من الصمود غير المسبوق الذي يجرد أحد رموز العدوان الكلي في هذا العصر من صلاحيته لتحقيق هدفه الشيطاني. إذ يغدو الفعل البطولي فجأة من شأن الآخرين. يمَّحي إسم المقاومة لتحل مكانه أسماء الآخرين. فالتحليلات السياسوية المتداولة تصر علي إعطاء إيران ليس مجرد دور مساعد، بل تجعلها المحور الأساسي الإقليمي مقابل المحور الإسرائيلي الأمريكي. هنالك جهد إعلامي وتكتيكي مركز يهدف إلي تثبيت خارطة أخري علي سطح الواقع، لإعادة توزيع الأدوار، وتحديد المسؤوليات، وطمس الجبهة الأصلية بأشباه جبهات بديلة. همها أن تطلق الصراع السياسي، بعد الحرب، وتوجيهه خارج محصلاته الدموية والتدميرية المفتوحة سياسياً ولا تزال ملء تضاريس الواقع اللبناني وإطاره الإقليمي. فهل هي حقاً حرب إيرانية أمريكية بالواسطة. ولكن هل يمكن فهم الحرب البربرية بمنأي عن هذين القطبين. أم أن الإستثمار السياسوي الإعلامي هو الساعي بكل قصدية وتصميم إلي طمس هوية الحرب، والتعتيم علي مكانها الذي باتت تشغله من مسلسل الصراع العربي، وليس الفلسطيني فحسب، ضد الصهيونية. كأنما تتطفل إيران علي خصوصية هذا الصراع وتختطف منه بعض هويته الملازمة له منذ البداية، في كونه عربياً أولاً. وقد يأتي الجواب سريعاً أن كلاً من أمريكا وإيران كان لهما مصلحة معينة من إشعال هذه الحرب، ثم في محاولة احتكار خصائصها الإيجابية وطمس ماعداها، بالنسبة لكل منهما. إنه القول بأن أمريكا تريد تحييد سلاح حزب الله كيما لا يضرب إسرائيل خلال العدوان الأكبر الذي تدبره ضد إيران. كما يقال كذلك إن إيران اعتبرت جبهة لبنان خط دفاع أول عنها قد يقرر نتيجة العدوان الأمريكي عليها قبل أن يقع. أي أن الخصمين هما اللاعبان الرئيسيان في المنطقة. وكل ما عداهما مجرد وسائل وأدوات. ولم تكن الحرب إذن سوي (بروفة) اقتتال بينهما، وإن وقعت بغير رجالهما، وأوقعت آلاف الضحايا من غير شعبيهما، ودمرت وطناً كاملاً لشعبٍ مسالم، لكنه هو المدافع عن السلام بأشجع شراسةٍ إنسانية ذكية ممكنة. فقد وقعت الحرب المشؤومة لكن لم يكسب المنازلة فيها إلا ذلك الطرف، المخطّط له أن يكون هو ضحيتها المحتومة.تلك هي صدمة الواقع والحقيقة معاً. هذا بالرغم من أن التحول التاريخي قد يتحقق مادياً علي الأرض، أما الاعتراف به، ومن ثم البناء عليه بدون تشويهٍ أو تحريف لمقدماته، فذلك هو المستبعد أو المؤجل دائماً. ومن هنا، وعبر هذه المسافة بين الواقع والاعتراف به، تبرع عادةً ألعاب التأويلات المدسوسة، وتسويق تسميات ونعوت للوقائع حتي تكاد تبهت الدلالات الواضحة، وربما تُطوي معالمها نهائياً، ويحل مكانها كل ما يضادها. واليوم هناك من يعيب علي أكثرية الأمة فرحها بالنصر اللبناني أو التغني بمآثر أبطاله وصمودهم في وجه أخطر آلة تدميرية مضاعفة بهمجية التخطيط والتنفيذ، بأخبث حقد إنساني وكراهية متأصلة دينياً وتاريخياً ضد كل آخر. وفي الوقت عينه ينبغي نزع الصفة العربية واللبنانية عن الحرب. وجعلها ملحقة بالمنازلة الأمريكية الإيرانية التي لا تزال في مرحلتها الدبلوماسية، حول المشروع النووي لطهران. ما عجزت عن تحقيقه إسرائيل وسيدتها أمريكا، أصبح المجتمع الدولي كله ملزماً بفرضه. لقد صدر الأمر اليومي الأمريكي الأعلي باعتقال لبنان (الإرهابي) ووضعه في قفص وصاية عسكرية دولية، كيما يجري تنظيفه داخلياً من (وبائه) الإيراني. ومن ثَمَّ تجريده من نصره المزعوم. ذلك الاستثناء العارض المرفوض، علي قاعدة الهزيمة المستديمة التي يستنفع فيها كل المحيط العربي من حوله، منذ عقود سحيقة. إن ذلك الاستثناء الممنوع من السفور عن وجهه، والمحظور علي كل الآخرين مناداته بإسمه الحقيقي. إنه مجرد شذوذ (الصحة) في الجسد العليل. فكيف يُسمح لها أن تشفيه قبل أن تعتلَّ به وتغرق في بحـــــران صديده. الأمر اليومي العاجل الموجه إلي القوات الدولية ليس حماية التخوم مع العدو الإسرائيلي، بقدر ما هو تعقيم الإنجاز العسكري المقاوم وتعطيله عن إنتاج تداعياته السياسية المحتومة والمرتقبة، داخل لبنان وخارجه. فالمهمة السياسية لهذه القوات طاغية ومعلن عنها صراحة لدي الجهات المسؤولة عنها حتي قبل وصولها. غير أن مضمونها وأهدافها الفعلية ستظل محاطة بالغموض وعلامات الإستفهام ولقد تم الإتفاق بين الدول الرئيسية المشاركة وكوفي أنان علي أن هذه القوات لن تتدخل في حال وقوع اشتباكات مسلحة علي الحدود، أي أنها لن تقوم بردع هجوم إسرائيلي جديد، لا تكفّ تل أبيب عن التلويح به يومياً في صحافتها وعلي ألسنة قادتها. فإذا لم تمنع قوات دولية، سيصل تعدادها إلي خمسة عشر ألف جندي، عدواناً إسرائيلياً آخر، ربما أمسي قادماً لا محالة، إذا لم تحقق هذا الردع الذي من المفترض أنه يشكل علة وجودها أساساً، والمهمة الأولي والأعلي، المشرعة لباقي مهماتها الأخري في فترات السلم، فهل إذن ستقتصر فعاليتها علي نزع أسلحة حزب الله ولو بصورة غير مباشرة، وإحباط حقه في الدفاع عن أرضه وشعبه. تلك هي الإشكالية المريبة الأشد غموضاً ومدعاةً للالتباس المثارة حول الأسئلة الكثيرة عن ذلك الدور الحقيقي وغير المخفي تماماً الموكول إلي الإتحاد الأوروبي بما له من المشاركة الكثيفة والأقوي في عداد القوات. هذا بالرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة يعود إلي التذكير بأن نزع سلاح حزب الله ليس من مهمة هذه القوات. ولكن كيف التدبّر مع الإشعاع السياسي الذي ستبثه هذه القوات ملء الأجواء اللبنانية، وتعكسه علي مختلف قواها المتحركة، إذ سوف يغدو تدخلها شبه اليومي تحصيل حاصل بحيث يولد نفوذها عاملاً جديداً قادراً علي التلاعب بالتوازنات الشعبية الهشة، ودعم جبهات سياسية ضد أخري، سواء في صفوف السلطة أو المعارضة. هذا في الوقت الذي ينبغي التنبه كذلك إلي أن أمريكا ومعها إسرائيل لا ترحبان بعودة جذرية للنفوذ الفرنسي خاصة والأوروبي عامة، وفي صورة التواجد العسكري هذه المرة، إلي الساحات الحارة في المشرق. هذا التطور قد يحرر فرنسا من دائرة التأثير المعنوي عن بعد، ويفتح لها سُبُل العمل المباشر من داخل المنطقة، ويجدّد لها دوراً في إعادة طرح مختلفة لما يسمي بالتسويات السلمية بين إسرائيل وفلسطين وربما سورية أخيراً. يعود منطق التسويات ليسير محاذياً لمنطق الحروب والكوارث. كلاهما يرسمان معاً خارطة جيو سياسية للمشرق العربي ومعه محيطه الإسلامي من إيران إلي تركيا. كأنما حادثة الحرب الشريرة علي لبنان لن تغلق دارتها النارية إلا عبر مشاريع حروب أخري لا تزال عناوينها مسجلة في الأجندة الأمريكية الإسرائيلية. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية