الفرس الذهبي
د. محمد غرناطالفرس الذهبي نكس رأسه واستغرقه التفكير لحظات. ثم رفع بصره وجعل ينظر في وجه والده. كان صامتا. عيناه جامدتان وانفاسه تعلو وتهبط برتابة. تنهد بقوة وسأله عما قرر ان يفعل. دار الحداوي برأسه يمينا وشمالا ونهض من مكانه متجها نحو الزريبة الواسعة. تبعه ابنه ووقفا معا تحت شمس بيضاء دافئة، ومن حولهما تفوح رائحة الأغنام. شبك يديه خلف ظهره ولوي عنقه مثل طائر بري ومكث يرنو الي الأرض. ثم نط فجأة كمن اشتعلت النار بين قدميه ونظر الي ابنه قائلا في حسرة:ـ تخيل يا انيس.. شيخ القبيلة الأعور يركب هذا الفرس. انظر إليه جيدا. انه ذهب خالص. فلو كان جدك رحمه الله ما يزال حيا ورأي الأعور يمتطي هذا الكنز لكان قتله وقتلني. وأردف وقد بدا كمن فقد صوابه:ـ ألا تري انه من خيل العرب الأصيلة؟ انظر الي وجهه، وشعره، وقامته. حول انيس عينيه وتطلع الي الفرس وهو مشدود بحبل طويل الي وتد مرتفع. عيناه واسعتان مضيئتان، شعره ناعم يلمع تحت أشعة الشمس. كان ينظر بثبات وحكمة، ومن حين لآخر يمد عنقه ويحرك رأسه وخياشيمه حركات بطيئة موزونة. بعد لحظة التفت نحو والده وقال:ـ لا تندم علي شيء. أدع معي وسأعوضك عن كل ما ضاع منك. ونادي علي أمه بصوت عال.كانت منشغلة بالمطبخ. هرعت نحوهما وهي تجفف يديها في طرف ثوبها. قال لها انيس وهي تحدق فيه بعينين مستطلعتين:ـ يظهر ان والدي وافق. فالتفتت نحو الحداوي وقالت:ـ لا تتردد.. القرية صارت مهجورة وما عاد لابنك عمل يقوم به هنا. توكل علي الله ودعه يلتحق بأقرانه. ألا تري انهم يحملون من تلك البلاد أموالا طائلة؟ إفعل وستري ان شاء الله..رد الحداوي وعلامات الحيرة ما تزال بادية عليه:ـ هذا الفرس جزء من حياتي، ولا أحب ان يركبه الأعور او يضمه الي خيله. قالت تواسيه: ـ ما علينا، تشجع وسيكون لك في المستقبل مائة من أمثاله. هز رأسه وصمت.ہہہ نبحت الكلاب بأصوات عالية مقززة. خرجت غنو لتري وعادت بسرعة. أخبرت زوجها ان الشيخ حضر علي العربة، وقد غادرها وترك بها السائق. اختفي انيس بإحدي الغرف ومضي الحداوي لاستقبال الشيخ. طرد الكلاب فابتعدت عن طريق الشيخ. حياه في ارتباك وقاده نحو قبة الضيوف. قعدا في مقابل بعضهما. سوي الشيخ السلهام علي كتفيه ومسح علي وجهه الذميم وسأل الحدواي بصوت جاف ان كان تهيأ لما اتفقا عليه. أحني رأسه قليلا ثم رفعه، وبدا مترددا وهو يقول:ـ أجل.. وأملي ان تتم الأمور كلها في أمان الله. ابتسم الشيخ فلاحت انيابه مثل تمساح عجوز وقال:ـ كن مطمئنا، منذ الغد سيأخذ الجواز والاوراق الأخري اللازمة ويستعد للسفر. تنهد الحداوي وقال:ـ الآن يا شيخ.. خذ الفرس. انه لك منذ اليوم. نظر إليه نظرة جانبية وقال:ـ أتمني ألا تندم. ان ما فعلت فيه خير لك ولابنك. أمال رأسه وقال بنبرة آسفة:ـ هذا الفرس له مكانة عظيمة بنفسي. انني أري فيه كل شيء وقد ضحيت كثيرا من أجله، ولكن لا بأس، خذه، انه لك منذ اليوم. أما المبلغ المالي فسأعطيك الآن نصفه، أما النصف الآخر فأمهلني مدة قليلة. وافق بإيماءة من رأسه، وأخذ نصف المبلغ وقام من مكانه. طلب منه الحداوي ان يتناول كأس شاي فاعتذر قائلا ان أشغالا كثيرة تنتظره وغادر القبة. اتجه صوب الفرس باسما منشرحا. غطي ظهره الأملس وامتطاه. مكث الحداوي واقفا يرقب الفرس وهو يخطو باتجاه الباب الخارجي وقد امتقع لونه وخبا نور عينيه. توقف الشيخ فجأة ودار بوجهه ونادي علي الحداوي. مضي نحوه بصعوبة. كان يدب مثل مقعد. انحني عليه وقال:- نسيت ان أقول لك ان أربعة من وجوه الخير سيأتون معي غدا، فلا تقصر في حقهم.بلع ريقه ونطق في عسر:- مرحبا بهم.. فرفع الشيخ رأسه ولكز الفرس بقدمه ومضي. عاد الحداوي عند زوجته ووقف بجانبها وقد صار لوجهه لون معدن صديء بارد. مرّ سرب من الطيور من فوق رأسه فهز عينيه ولبث يرقبه حتي اختفي. ثم التفت نحو غنو، ودنا من وجهها، واستغرق يحدثها بصوت غير مسموع.ہ كلية الآداب. عين الشق. الدارالبيضاءالمغرب0