خليل السّواحري.. القرويّ الأخير.. الجميل
حزامة حبايبخليل السّواحري.. القرويّ الأخير.. الجميل وإذاً خذلكَ قلبك يا خليل، والقلوب إنّما تخذلها الأيام إذ لا تعود تستطيع أن تكنس المزيد من المرارات، أو تُعيد تدوير الحسرات. بعد كلّ هذا العمر، الذي ناكفتَ فيه المرض والقهر وخذلان الأرض، أتفقد القدرة علي الحياة؟ بعد كل الحزن، والليالي الكثيرة التي تراكمت فوق بعضها، العتمة علي العتمة، طبقات من الظلمة، تقرر أخيراً أن تتوقّف عن انتظار الضياء؟ نُصحتُ يا صديقي بألا أراك علي فراش المرض والألم والآهة، التي تتعربش موتاً متلكئاً، كي لا أحْزَن وأُحْزِن من معي ومن معك. لكنّني قلتُ إنك حين تراني لن تُُزعلني، فما بيننا أكبر بكل تأكيد من مجرّد عضلة قلب تنبض علي مزاجها وترهنه لإرادتها. الرجل العجوز، قليلاً ، ذو العينين الطفلتين كثيراً ، سوف يناضل، كما اعتقدتُ لغروري، أو لـ هبلي مستنداً إلي خبرته في الحياة القائمة علي شروط الترحال وامتصاص الصدمات واعتياد الهزيمة اليومية، ليفزّ من علي سريره، وقد يكتسب إلي جانب دهشة القروي الجميل، القروي الفلسطيني الأخير ، كما اصطلحنا نحن حفنة أصدقاء علي تسميته، كيلوغراماته التي فقدها، في أيام المرض، ليقارع مشاكستي التي عهدها يوم كنت أزوره في مكتبه في دار الكرمل في الشميساني، ويطارد فوضاي المتجدّدة في المكان، يجمع ما سقط من صياحي وضحكي وإزعاجي، الذي يلكز تململ موظفيه القلائل وتفلّتهم، دون أن يشكو (أو علي الأقل ليس أمامي)، من غزارة وجودي ومساحة انتشاره العريضة، مستمعاً إلي حكاياتي، التي لم تخلُ من مبالغة وشيء من كذب لا ضير فيه، بدهشة أصيلة، طازجة، كأنه طفل لم يبارح ولعه بقصص الجدة المعادة، أو فلاح مغامر يتجرأ علي أن يتلصص علي ثمار أخري في حاكورة غير حاكورته، لكنه يحاذر أن يقطفها. وإذ تنعقد وتيرة الدهشة في وجهه، متصاعدةً، متلونةً؛ متفاجئاً جداً، عن جدّ ، يضرب في النهاية كفاً بكفّ. يا الله! تتساءل أنت الحكّاء الذي لم تفسدك صنعة الحكايات وفذلكتها، معقول؟! كأنك بعد كل هذه الحياة، لم تعش يا خليل الحياة؟ لقد جئتك يا خليل بحكايات جديدة، وكذب حقيقي أخاذ وجميل، وقد تلاحظ أن كذبي، هذه المرة قابل أكثر للتصديق، ذلك أني كبرتُ ولم تزل أنت الطفل الذي لا تغادره الدهشة. أمعقول بعد كل هذا الشغب والشغف أنك لم تعرفني؟ أنا التي لم أغب عنك كثيراً؟ حتي ما قبل عام، أو أقل، بلغني صوتك علي الهاتف، خارجاً من نقاهة المرض المتكرّر، وقد أهديتني مطر آخر الليل ، فكان مطراً شفافاً، ينساب علي زجاج نوافذ حكايات الأمس، ليس جردة عُمْر.. بل هو صورة العمر، الذي لا نريد أن نغفل عنه، فيهرب منا. أتذكر يوم جئتك بتفاحاتي البعيدة؟ لقد قضمتها بفرح. كانت مجموعتي القصصية الثانية. صدّقتني، أنا الكذابة التي لا ألحق ضرراً بالناس كما قد ألحق بهم نفعاً، يوم قلت لك إن العالم كله يريد تفاحاتي. أعترف: كنت أنتَ العالم الوحيد المتاح لي، آنذاك، بيأس، ولا أعتقد أن أحداً آخر، كان علي استعداد لأن يتحمل كلفة نشر كتاب، لحكّاءة بالكاد تملك في جيبها أجرة السرفيس وثمن أساسيات الحياة والعيش بكرامة، ونعم.. رفاهية شراء سندويشة فلافل من عند فؤاد ، وأوقية كنافة نابلسية من حبيبة في وسط البلد. ثم انضممتَ إلي الأصدقاء الجميلين الأثيرين، الذين صنعوا أيامي في شقتي الصغيرة في طبربور . تأتيني بكتاب للترجمة، أو بمبلغ، شبه منسيّ، من المال عن ترجمة كتيِّب، فيملأ صوبات الكاز والغاز شبه الفارغة، في برد الشقة، الذي لا تنفع معه كل الاحتياطات والإجراءات التقشفية، لكن الحياة مع ذلك كانت محتملة، دافئة وجميلة بحق، وتدفأ أكثر مع بخار الشاي الذي يختلط بحكاياتنا، والضحك الصافي الذي يظل عالقاً في الفضاء.علي السرير، تمدّدتَ لحماً هزيلاً، موصولاً بأجهزة جافة وشاشة ذات قراءة مربكة، أخاطب ارتجافتك، فتردّ عليّ بارتجافة أكبر. أمسح ذراعك، التي كستْها الزرقة والكدمات الحمراء الداكنة، أمرّ براحتي علي وجهك، أحاول أن أستعيد معك طرائفي، التي لطالما أوقعت هيئتك الطويلة الضخمة من الضحك، لكنك تظل ناحلاً، ماشياً نحو ليلك، دون مطر، تعانق زوالاً يتأبّي عليك.ها أنت تدير وجهك لي، تعرض ببصرك عني، وتمسك وجعك في جسمك غصباً عنك. معك الحق، كل الحق، أن تختار أن تودع الأيام دون أن تنال نظرة إشفاق مني، أو من أي أحد، قطعاً لا تريدها. فبعد كل هذه الحياة، لا يليق بك أن تترك الحياة مهزوماً. أليس كذلك؟ أنا أفهم تماماً وأتفهّم. مع السلامة يا خليل.. مع السلامة يا طيّب .ہ كاتبة من فلسطين0