محمود محمد الناكوع
القي المهندس سيف الاسلام القذافي بيانا مهما مساء الأحد 20 اب (اغسطس) 2006 بمدينة سرت امام جمع كبير من الشباب الليبي الذين دعوا الي ملتقي ضم شرائح من منظمات وروابط شبابية، وهو امتداد او تتويج لنحو عشرين لقاء جري تنظيمها علي امتداد سنة ماضية، وكلها تهدف الي شرح تصور: (لليبيا الغد) كما يحلم بها سيف الاسلام وغيره من الليبيين. وفي البيان الذي جاء قبيل ايام من الاحتفال بالذكري السنوية لثورة اول ايلول (سبتمبر) 1969 شن حملة قوية وواضحة علي مجموعة من الفئات الرسمية التي ساهمت في الفساد المالي والاداري، كما توقف عند الفشــــل الذي ادي الي تخلف ليبيا في جميع المجالات وذكر ان ليبيـــا بلد بدون دستور، وبدون مرجعية معروفـــــة، والعاصمة غير معروفة هل هي طرابلس ام سرت، وطرح تساؤلات حول ما يجري في البلاد من انتهاكات لحقوق الناس وبهدلة لهم، وقال ايضا انه لا توجد صحافة في ليبيا، وانتقد اداء جميع المؤسسات الخدمية وما تعانيه من ضعف وانحطاط، وقال ليس هناك ديمقراطية مباشرة، وقد تم الالتفاف علي كل شيء. وتحدث عن القوي المعوقة، والتي حاولت ان تعرقل وان تفسد مبادراته الاصلاحية السابقة. ثم طرح مجموعة من الأفكار والتصورات لتحديث ليبيا الغد التي ستنفتح علي العالم الغربي المتقدم بحيث تصبح اجهزة الحاسوب متيسرة لمليون طفل ليبي، وتطوير التعليم تطويرا شاملا وربط المستشفيات الرئيسة بمستشفيات اجنبية للاستفادة من قدراتها الادارية والفنية، وعلي ان يتم كل ذلك خلال مدد زمنية قصيرة تتناسب مع طموحات الشباب الليبي، وضرب مثلا بنجاح حزب الله وتجرد قادته واخلاصهم ودفع اولادهم الي ميادين العمل والقتال. ان البيان الذي طرحه سيف الاسلام يعبر عن ما يتمناه كل ليبي، وقد نقلته االفضائية نقلا مباشرا رغم انه يتعارض تماما مع سياسات السلطة القائمة، وهـــــنا تاتي حيرة المواطن الليبي، وحيرة المراقب لما يجري في ليبيا من تغـــيرات، وتبرز عدة تساؤلات: هل هناك ازدواجية في الخطاب السياسي؟ احدها يحكم وينفذ في داخل البلاد؟ وآخر يكتفي برسم ملامح المستقبل؟ هل هناك اصرار من قوي تحكم ان تظل شعاراتها وافكارها مسيطرة الي نهاية المشوار؟ وان يبقي سيف الاسلام يطــــرح تصوراته لليبيا الغد مبشرا باحلام يريدها الجميع الي وقت الحصاد الفعلي؟ لا شك ان هذا التناقض بين ما يتم فعله علي ارض الواقع في ليبيا وما يطرحه سيف الاسلام من سياسات مستقبلية لا يساعد علي طمأنة الشعب الليبي ازاء مستقبل بلاده، وكلما طالت مدة هذا التجاذب، وهذا التناقض بين خطابين سياسيين داخل الساحة السياسية الليبية كلما زادت مشاعر الإحباط واليأس داخل شرائح الشباب بالذات لأن الشباب بطبعه يستعجل الأمور ويريد ان يحصل علي مكاسب مادية في اسرع وقت ممكن، الشاب يريد العمل، يريد سيارة، يريد منزلا، يريد زوجة، يريد السفر، يريد الخدمات الجيدة، يريد تعليما جيدا. وبيان سيف الاسلام زاده طمعا واملا بان مطالبه سوف تنجز في اقرب الاوقات بعضها في ايام وبعضها في شهور وبعضها في سنوات. اذن الزمن هو الذي سوف يحسم هذا الرهان الشبابي. فاما ان يستلم سيف الاسلام موقعا قياديا يمكنه من تنفيذ ما تحدث عنه، واما ان يظل كلاما لا يطعم الأفواه الجائعة ولا يفتح الطرق المسدودة امام التقدم والخروج من حال الاحتقان والدوران في المربع الأول. ان بيان المهندس سيف الاسلام يعتبر تحولا مهما في التعبير عما يجري داخل ليبيا الوطــــن من تخلف وانحطاط، وهو بيان يستحق بجدارة القراءة الجادة والتأمل في مفرداته والدفع به نحو التنفيذ مع التذكير بالملفـــات العالقة مثل بوسليم وحالات الاختفاء القسري، وتعــــويض كل الأسر التي فقــــدت اولادها في ظروف وحالات وانتهاكات صارخة ومؤلمــــة، ثم الاتجاه نحو تحقيق مصالحة اجتماعية سياســـــية حقيقية هدفها بناء دولة دستورية، يكون فيــها القانون ومؤسساته الحـــــكم في حل الخـــلافات والنزاعات بين المواطنين، او بين المواطنين ومؤسسات الدولة. ان المراجعة الحقيقية لمسيرة الحكم، ثم الانطلاق لتحديث البلاد تتطلب شجاعة قلبية وتراضيا منصفا مع اصحاب الحقوق الضائعة. ان ليبيا وطن الجميع ولا يمكن ان تنهض من كبوتها وتخلفها وفوضاها الا بازاحة كل المفسدين والمرتشين والسارقين بعيدا عن مواقع المسؤولية ثم البدء في اتخاذ الخطوات المدروسة لتنفيذ بيان التحديث الذي يتبناه المهندس سيف الاسلام، والتحدي الكبير هو تحويل الافكار والتصورات الي فعل وواقع عملي يحس به المواطن العادي في داخل البلاد. ہ كاتب من ليبيا8