رياض بيدس
لو كانت الانتصارات تقاس بحجم التخريب والدمار وعدد القتلي الذي يوقع بطرف من الاطراف المتحاربة، لكان النصر عندئذ سيكون من نصيب الاكثر تدميرا وقتلا وقسوة ووحشية. لكن بما ان الامور ليست كذلك، فـــــان مراجعة قصيرة لاحداث الحرب الاخيرة علي لبنان تشير بوضوح الي هزيمة اسرائيلية، والي انتصار للمقاومة في لبنان علي الرغم من الدمار والقتل اللذين كانا من نصيبه. ثمة اصوات اسرائيلية قليلة جدا علت اثناء هذه الحرب كانت تحذر من مغبة هذه الحرب، فداعية السلام اوري افنيري الصحافي المخضرم كتب اكثر من مقال حول هذه الحرب وغطرسة الداعين اليها، كما اشار في مقاله الاخير عن الجيش وما الذي اصابه قائلا ان كل قوة الجيش لن تكون حلا للمشاكل. فالمشكلة مع لبنان يجب ان يكون حلها سياسيا كذلك مع سورية. اما المفكر زئيف شطرنهيل فلقد كتب مقالا في جريدة هآرتس خلال الحرب اشار فيه الي ان حربا يقودها جيش نظامي ضد محاربي حرب عصابات لن يكون فيها النصر حليف الجيش النظامي او الدولة التي تقف وراء هذا الجيش، مهما بلغت عدة وعتاد هذا الجيش وقوته وانتصاراته السابقة. ولقد عدّد شطرنهيل في مقاله الجيوش النظامية التي منيت بالهزيمة الساحقة في حروبها مع محاربين لا يندرجون تحت خانة جيش نظامي. والحقيقة ان شطرنهيل وافنيري توقعا الهزيمة مبكرا. وفي سلسلة من مقالات كتبها الكاتب والصحافي بيني تسيفر ونشرها خلال الحرب وبعدها في جريدة هآرتس تناول هذه الحرب من زوايا مختلفة واشار الي لا جدوي هذه الحرب والي ضرورة التفاوض حتي مع حزب الله وليس مع سورية فقط. اما ابرز الحلقات، فكانت تصب في الصميم حيث اشار تسيفر الي ان الماتشويزم الاسرائيلي هو سبب من اسباب البلاء التي ابتليت به الدولة هنا والتي ما زالت تدفع ثمنا باهظا للحفاظ عليه، واقترح بديلا لهذا الماتشويزم ان تتنازل اسرائيل عن الكثير من الحلول العسكرية وان تسعي الي السلام، وذهب في المقال اياه الي ان الهزيمة او الضعف ليسا سيئين كما يبدوان. وبما ان تسيفر فرنسيّ الثقافة فانه اشار الي الانجازات الثقافية الهائلة التي كانت من حظ ونصيب فرنسا ومن انتاجها عند اصابتها بهزائم عسكرية. وذهبت اصوات اخري خافتة بعض الشيء الي ان اسرائيل لا يجب ان تظل حامية للمصالح الغربية في المنطقة، وان امريكا هي التي تدفع وتحث اسرائيل الي هذه الحرب، وانه يتوجب علي اسرائيل ان تتوقف عن الدخول في حروب من اجل بوش أو من اجل المصالح الامريكية السياسية في المنطقة المتمثلة بمحاولة تطبيق مخطط الشرق الاوسط الجديد، والتي تسعي اليه اميركا سعيا حثيثا والذي سقط بسبب الفشل في القضاء علي المقاومة اللبنانية. اما احد الاصوات التي ضلّلت كثيرا والتي بدا عليها التحوّل يمينا، فكان الكاتب يورام كانيوك. ففي اكثر من مقال اشار الي انه نادم علي توقيعه في السابق علي اكثر من عريضة من عرائض اليسار الاسرائيلي الصهيوني، وكان شديد التباكي والاسف علي المواقف التي ساندها ووقف وراءها ذات يوم، وانه يجد ان هذه الحرب ضرورية جدا. وفي كل مقالاته كان هناك تبرير لهذه الحرب الوحشية وشجب حاد جدا لماضيه اليساري الصهيوني. لقد انتهت هذه الحرب مؤقتا. لكن كل ما في الجو سياسيا وعسكريا يبدو ملبّدا بغيوم الحرب القادمة. فمجرد صمود المقاومة اللبنانية الي ما يزيد عن الشهر لوحده لهو الدليل علي تسجيل انتصار كبير. ففي السابق كانت الحروب لا تستغرق وقتا كهذا. الوقت. ولا شك ان كل المؤسسة الاسرائيلية تعاني من هذه الحرب التي دخلتها بغطرسة حالوتس الكبيرة وخرجت منها دون تسجيل اي انتصار يذكر. السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وبما ان كل الاشارات والدلائل تشير الي ان اسرائيل تستعد لحرب قادمة: هل تكون هذه الحرب درسا الي فشل الحلول العسكرية والقوة والغطرسة؟ وهل يكون الجرح النرجسي الكبير العميق الغائر الذي اصيبت به اسرائيل وجيشها سببا جيدا ووجيها لاحداث تحوّل في السياسة الاسرائيلية، اي انه بدلا من الاستعداد لحرب جديدة يكون هناك ميل الي حلول سياسية سلمية مع لبنان وحزب الله وسورية وفلسطين؟ الدلائل تشير الي ان الجرح النرجسي الذي كان من نصيب الاسرائيليين اثر هذه الحرب يدل علي ان هناك جوا من الاستعداد لحرب جديدة لكي تعيد التوازن الي من خسر هذه الحرب. والي زمن ليس قصيرا سيبقي سؤال عميق معلّق يتردد في الاجواء الاسرائيلية كلها، السياسية والعسكرية والاجتماعية منها: هل ستجد اسرائيل توازنها الطبيعي في المنطقة من خلال السلام الشامل العادل ام من خلال الحرب؟ لقد اثبتت التجارب ان لا القنابل الذكية ولا العنقودية ولا كل الاسلحة قادرة علي وأد حق ولا حل مشكلة سياسية. وفي كل هذا المخاض العسير تبقي ضرورة ولادة وعي اسرائيلي جديد يعمل ويسعي من اجل الحل السياسي وليس العسكري. ہ كاتب من فلسطين8