في عودة الراديكالية اليسارية وهشاشة إسهامها الفكري: كيف تعيش الماركسية اليوم

حجم الخط
0

الطاهر الأسود

في الرابع عشر من آذار/مارس، في الساعة الثالثة إلا الربع من الظهيرة، توقف أعظم مفكر علي قيد الحياة عن التفكير. بموت هذا الرجل تعرضت كل من البروليتاريا المناضلة في أوروبا وأمريكا والعلم التاريخي الي خسارة لا تقاس.

من خطاب تأبين فريديريك أنجلز لرفيقه كارل ماركس مقبرة الهايغايت في لندن يوم 17 آذار/مارس 1883يتعلق هذا المقال بتطورات ميدانية تعيد الماركسية أو طيفها الي مسرح الصراع الدولي ولو في كواليسه الأقل جذبا للاهتمام، حتي الآن علي الأقل. ولكنه يطمح الي إعادة طرح أسئلة ضرورية في علاقة بالجدوي التاريخية للفكر الماركسي ومغزي حيويته. إن السؤال الأساس هنا هو التالي: هل كان ماركس مفكرا أم ثوريا؟ أو بشكل آخر: ألم يكن ثوريا فقط بشكل عرضي في حين كانت علامته المميزة التي فرضته علي بقية الثوريين هي ابداعه الفكري؟ ومن ثمة، أي معني للماركسية إن كان الطامح للانتساب اليها مجرد ثوري؟

يجب أولا تعريف الراديكالية اليسارية. بداية لا يتعلق الأمر بالمجموعات السياسية القومية بالأساس المتقدمة نحو السلطة السياسية في أقطار أمريكا اللاتينية، حيث لا هي حصرا يسارية ولا هي بالتأكيد راديكالية. كما لا يتعلق الأمر هنا ضرورة بمن يسمي نفسه راديكاليا وهو يساري في الآن ذاته، حيث توجد أحزاب عديدة تسمي راديكالية وذات برنامج يساري أيضا. بل يتعلق الأمر تحديدا بمن يعمل فعلا علي قلب جذري أو ثوري للأنظمة القائمة علي أساس أجندة يسارية. وفي الواقع وخلال أواخر القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كان الحامل الرئيسي للواء الراديكالية اليسارية التيارات التي تنسب نفسها للماركسية وذلك رغم الحضور الدائم ولكن حتما الفضفاض لتيارات أخري خاصة الفوضوية. ولكن ليس كل من ينتسب الي الماركسية هو ضرورة راديكالي يساري. فلا يدخل ضمن الراديكالية اليسارية مجموع الأحزاب الشيوعية التي قبلت الاندماج في الأنظمة القائمة خاصة ضمن مجال أوروبا الغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين أي تلك التي تخلت عمليا عن برنامج العنف الثوري وفرض دكتاتورية البروليتاريا. فبالرغم من كون هذه الأحزاب خلال أطوار نشأتها وطفولتها كانت القاطرة الرئيسية للراديكالية اليسارية فإنها اقتنعت سواء ضمن حركيتها المحلية أو الاستراتيجيا السوفييتية المتموقعة ضمنها بأن المشاركة في العملية السياسية البورجوازية هي السبيل الوحيد للاستمرار. وهكذا فِإن تواصل وجود تيارات راديكالية يسارية طيلة تلك الفترة لم يكن يعني عدم تخلي بعضها عن راديكاليتها وبروز أخري جديدة تعرض نفسها كأطراف أكثر طهارة ووفاء لأجندة الثورة ومن ثمة حسب تحليلها للماركسية ذاتها. وهكذا جاءت حركات اليسار الجديد (The New Left) والتي اكتسحت الساحات السياسية اليسارية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. ورغم النمو المطرد للحركات الفوضوية فإن الراديكالية اليسارية الراهنة لا زالت بالأساس ماركسية لأنها لا زالت تعيش علي ما تبقي من طفرة اليسار الجديد. غير أنها تنقسم الي راديكالية يسارية كلامية وأخري مسلحة بالفعل. الغيفارية الممشوقة: عندما تصبح الماركسية موضةلم يكن تشي غيفارا ربما أكثر الثوريين نجاحا بالرغم من أنه كان بالتأكيد الأكثر ارتحالا. وذلك تحديدا، أي ارتحاله ومطاردته للثورة أينما كانت، هو سر الغرام الراهن بالغيفارية وليس نجاحه الثوري أو برنامجه وأساليبه بأي حال من الأحوال ما يتذكره محبوه الكثر عبر العالم والذين يتجولون بكل فخر بصورته علي صدورهم بما في ذلك مهندسو السيليكون فالاي وعارضات أزياء إيف سان لوران وطلبة جامعة هارفارد وفرق الروك أند رول. ربما كان هذا الانتشار الفائض ناتجا أيضا عن ملامحه الساحرة كما التقطها المصور الكوبي في احدي قيلولات هافانا بذلك السيجار الطويل في فمه كأنه أرستقراطي مسلح. في جميع الحالات فإن غيفارا القمصان الوردية والسوداء في جلسات الحشيش لمراهقين أطرياء، غيفارا البادي علي أعلام مشجعي فريق الآ أس روما، وغيفارا الوسيم الرحالة الفالت من القوالب الايديولوجية، ليس إلا غيفارا مركب ووهمي ليس له إلا علاقة صورية بغيفارا كما كان أو كما كان ممكنا. طبعا لا يعرف أو لا يهم كثيرا محبو غيفارا الجدد أن غيفارا ينتسب للماركسية. وتلك تحديدا مأساته حيث لم يعلق في الأذهان من غيفارا سوي صورة روبن هود متجول بدون عقل. فقط ما يهمهم أنه يمكن أن تكون وسيما وتنصر في الآن ذاته المظلومين الجوعي عبر جبال وغابات العالم. ولكن غيفارا هذا مقلم الأظافر ورقيق القلب ولا يقوي إلا علي الابتسام وتدخين السجائر الطويلة. كما أن غيفارا المدخن هذا يبدو كثير الكلام، يستفيق متأخرا، متسخا بعض الشيء، يكره إطاعة الأوامر، ربما يشارك في الاحتجاج علي استعمال أحد ماركات الملابس المعروفة لعمال دون السن القانونية في تايلند، ولكنه في النهاية يتناول وجبة الإفطار في الماكدونالد، والعشاء في مطعم إيطالي فاخر، ولا يمانع في تمضية سهرة السبت في أكثر حانات المدينة غلاء. هناك شريط ألماني جديد يذهب الي أقصي مدي كاريكاتوري في التعبير عن غيفارا اليوم: المربون (The Edukators) يروي قصة شبان غيفاريين ضجرين يقتحمون منازل الأثرياء خلال غيابهم لـ قلب الاثاث علي أنه إعلان ممكن للثورة. ربما توجد غيفارية مسلحة اليوم كما هو حال تنظيم القوات المسلحة الثورية الكولومبية، ولكن اليسارية الراديكالية المسلحة في العالم الراهن ترتوي أساسا من منبع آخر. مفارقات الماوية: صين ماو الرأسمالية وانبعاث الماوية الجديدة في آسيافي مقال ظهر في الهيرالد تريبيون بتاريخ 18 نيسان/أبريل 2006 كتب فيليب بوورينغ (Philip Bowring) عن أمر بدا لي مفاجئا للوهلة الأولي. في هذه الأيام تبدو العاصمة النيبالية كاتمندو علي وشك السقوط في أيدي مسلحي الحزب الشيوعي في نيبال الزاحفين من الأرياف ومن ثمة يبدو أن نيبال ستتحول قريبا الي حكم ليس فقط يساريا بل ماويا بالأساس. لم تكن تلك المفاجأة. من المعروف أن ماويي نيبال أصبحوا أقوياء بشكل متصاعد خلال العشر سنوات الأخيرة. وأخيرا صنعوا منعرجا هاما في تاريخ نيبال وتاريخهم في اللحظة التي تبنوا فيها خطة سياسية تدمجهم في تحالف شامل ضد الملك الحالي علي قاعدة انهاء الملكية. ما كان مفاجئا، إذا، كان أمرا آخر: يقول بوورينغ ان السيطرة الماوية في نيبال امتد تأثيرها بشكل خافت ولكن متسارع في السنين الأخيرة الي اثنتي عشرة مقاطعة في شمال ووسط الهند المجاورة. حسب التقرير يسيطر عشرات الآلاف من قوات النكساليين (Naxalists)، وهي التسمية المحلية الهندية لمقاتلي الحزب الشيوعي الموحد في الهند ـ الماوي، علي مقاطعات تحوي حوالي 20% من سكان الهند حاليا أي أكثر من 200 مليون ساكن. موازين القوي تميل بشكل متسارع لصالح النكساليين الي الحد الذي أدي الي اجتماع رسمي لرئيس الوزراء الهندي بعدد من حاكمي المقاطعات المعنية تلته حملة إعلامية كبيرة تتحدث بشكل معلن ولأول مرة في الهند عن الخطر الماوي الداهم في الوقت الذي كان فيه الكثير من الهنود يعتقدون أن الخطر الأمني الرئيسي ينبع من مسلمي مقاطعة كشمير. يحدث هذا ليس في نيبال، أحد أفقر بلدان العالم حيث لن يؤثر صعود الماويين علي كل حال علي التوازن الدولي مثلما من الصعب أن يطلق ذلك حركة ثورية عالمية. يحدث هذا في الهند أكبر ديمقراطيات العالم وحيث معدلات النمو الاقتصادي هي الأعلي في العالم بعد الصين. طبعا ما زال أكثر من 800 مليون هندي خارج سيطرة النكساليين ولكن أليس من المثير للانتباه أن تنظيما ماويا يحظي بكل هذا النفوذ في وقت دفن فيه الكثيرون ليس الماوية فحسب بل الماركسية ذاتها بشــــكل يشير بأنها أصبحت مخلفا أثريا لا غير؟ أليس من المثير للانتــــباه أن ذلك يحدث تحديدا في أحد النماذج التي تحظي باحتفال المحللـــين الاقتصاديين الليبراليين كنموذج رأسمالي صاعد يثبت أن الرأسمالية نظام اقتصادي قادر علي الارتحال والتفوق في مجالات غير غربية؟ لكن ما يحتاج أيضا التأمل هو المفارقة الناشئة عن صعود الماوية في الهند في وقت تتجه فيه وبخطوات حثيثة الصين، التي صنعتها الماوية تحديدا، نحو الرأسمالية. يلاحظ بوورينغ أن الماوية لديها أتباع الآن في الهند أكثر من الصين نفسها. أعتقد أن تلك ملاحظة تستدعي اهتماما جديا. ولكن ليس لأنها تشير الي انبعاث ظافر للماوية، بل علي العكس: لأنها تشير ربما الي أن ماوية اليوم تكرار كاريكاتوري لماوية الماضي. بداية من الضروري الاقرار بالجدوي التاريخية الممكنة للتجربة الماوية في الصين وذلك بالرجوع الي النموذج الصيني ومحاولة التساؤل عن بعض المسائل الصعبة. هل كان يمكن للصين أن تحظي بكل هذه الامكانات العالية للنمو الاقتصادي الرأسمالي تحديدا لولا الثورة الماوية؟ ألم يكن لمرحلة تنظيم الانتاج وانشاء جيش شديد الانضباط من العمال المنظمين الطيعين شرطا أساسيا للبنية الراهنة لقوي الانتاج في الصين والتي تجعلها الأقل كلفة ونجاعة في نفس الوقت؟ هل كانت الدولة القومية المركزية الصينية، والتي تقود راهنا وبشكل فوقي مثل إدارة بيروقراطية لمصنع كبير النمو الاقتصادي الرأسمالي القياسي، هل كانت هذه الدولة المركزية ممكنة لولا الثورة الماوية تحديدا؟ وأخيرا، هل سيكون من الشطط التفكير بجدية في أنه لولا ماوية الصين لما كان من الممكن للصين الرأسمالية الراهنة الظهور والتألق؟ ولكن ذلك تحديدا يطرح علينا مسألة في غاية الأهمية: في الوقت الذي كانت فيه الثورة الماوية في الصين وحدها القادرة علي تحقيق مهام الدولة البورجوازية، تلك المرحلة المهيمنة غربيا، ألم تفعل ذلك إلا لتلغي نفسها في النهاية؟ ألم تكن الماوية الصينية في النهاية الطريق الضروري لإلغاء البرنامج الماوي في الصين؟ حيث حققت الماوية في الصين تحديدا الدولة التي لم تكن تقوم إلا بمحاربتها. طبعا لدي ماويي اللحظة الراهنة أجوبة جاهزة علي ذلك: حيث يقع اختزال التجربة الصينية وتطوراتها في أن انقلابا سياسيا و طبقيا حدث بوفاة ماو تسي تونغ وصعود التحريفيين بقيادة دينغ سياو بينغ للسلطة. وبالنسبة لهذا التحليل، ليس ذلك إلا الانقلاب النهائي في سلسلة انقلابات تحريفية بدأت خاصة مع الانقلاب التحريفي لخروتشيف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. وعموما يقع اختزال المسألة في أن القوي البورجوازية، علينا أن نذكر هنا أنها قوي شيوعية أي تلك التي لم تستطع الامساك بالسلطة إلا لأنها كانت في الأساس جزءا من السلطة، أزاحت العقبة الشخصية لزعيم استثنائي من جهاز السلطة السياسية لكي تتراجع الي الوراء أي نحو النظام الرأسمالي. طبعا وبعد هذا الصعود الصاروخي للصين عالميا يصعب علي أي ماوي جاد ألا يتساءل: هل كان يمكن للصين الاستمرار في النمو الاقتصادي لو لم تتجه نحو الرأسمالية؟ هل كان يمكن بنويا وتاريخيا للصين أن تصبح شيوعية؟ أليس من التسطيح اختزال تحولات بهذه الضخامة في موت شخص واختفائه مهما كانت أهميته التاريخية؟ أليس تفكيرا تآمريا تبسيطيا للغاية لا يليق بأناس ينتسبون للماركسية توصيف مآل التجربة الشيوعية بأنه مجرد خطوة مؤقتة الي الوراء بتأثير طغمة تحريفية؟ ألا تذكر هذه التوصـــيفات بالرؤي الجامدة لأي فرقة دينية من القرون الوسطي؟

ربمـــــا كان الســــــيد بوشــــــبا كمــــال داحال (Pushpa Kamal Dahal) المعروف بـ براشاندا (Prachanda)، زعيم الماويين النيباليين، زعيما ثوريا كبيرا في اللحظة التاريخية الراهنة. ولكن ذلك ممكن إلا لأنه يعاود طرح الراديكالية اليسارية بنسبها الماركسي ـ اللينيني ـ الماوي الي مسرح الحدث السياسي. عدا ذلك فإن أي قارئ جدي للسيد براشاندا لن يستطيع تحمل التكرار والشعاراتية التي تهيمن علي خطابه. فما يسميه السيد براشاندا تحليلا ايديولوجيا ليس إلا مقولات مكررة ومهترئة لا تحمل أي تقييم جدي للتجربة الشيوعية ولا تحمل أي مساهمة حقيقية للفكر البشري. ينطبق ذلك أيضا علي بقية زعماء الماوية الراهنة. علينا أن نذكر هنا بأكثرهم ذيوعا: الرئيس قونزالو (Presidente Gonzalo) أو أبيمائيل قوزمان، زعيم الحزب الشيوعي في بيرو والتنظيم الشهير خاصة مع نهاية الثمانينات الدرب المضيئ والذي يقبع منذ سنة 1992 في أحد السجون المعزولة. لم تعد قوات الدرب المضيئ بنفس وزن ما كانت عليه قبل اعتقال الأخير ولو أنها بقيت تحافظ علي بعض الأنصار في بعض المناطق الجبلية وسط البيرو. الرئيس قونزالو، الأستاذ الجامعي في الفلسفة سابقا، والذي يمكن اعتباره الأكثر تأثيرا سياسيا وفكريا من الأحياء في الماوية الراهنة، كتب كثيرا. غير أنه من الصعب إيجاد أي تحليل جدي له بما في ذلك تركيزه الخاص علي مصطلح الماوية الي جانب الماركسية ـ اللينينية حيث اعتبر أن مساهمة ماو تسي تونغ الفكرية تستحق أن تكون في نفس منزلة المساهمات التي حققها كل من ماركس أو لينين، وهو ما عكس ايمانه المتزايد بأن مركز الثورة البروليتارية أصبح في مجال الأمم المضطهدة (بفتح الهاء) وليس في مجال الامم المضطهدة (بكسر الهاء). أتي ذلك في إطار صراع ايديولوجي مرير في ثمانينات القرن الماضي بين الأطراف الماوية والتي كان بعضها يكتفي بمصطلح فكر ماو تسي تونغ عوض الماوية. المثير للانتباه الآن أن الخط الرسمي للماويين البيروفيين، والذين يشقهم صراع سياسي وتنظيمي كبير منذ دخول زعيمهم السجن، أصبح يتبني رؤية تري أن مساهمة الرئيس قونزالو الفكرية هي بقدر الأهمية التي تستدعي وضعه بدوره مرشحا مستقبليا لمنزلة مماثلة لماركس ولينين وماو، حيث يقترحون الآن الدفاع عن الماركسية ـ اللينينية ـ الماوية ـ فكر الرئيس قونزالو أو، في شكل أكثر ظفرا، يسمون قوزمان السيف الرابع للشيوعية. وعموما أصبح معني المساهمة الفكرية بالنسبة للماوية الراهنة يتخذ شرعيته بشكل شخصاني وتحديدا من خلال التجربة الثورية التي حققها هذا الزعيم أو ذاك وليس علي أساس عمق المساهمة الفكرية التي أنتجها. حيث من المتوقع أن نسمع في المستقبل القريب في نيبال شيئا مثل الماركسية ـ اللينينية ـ الماوية ـ فكر براشاندا… وهكذا دواليك. لا يمكن الالتجاء الي الصدفة لتفسير انتشار الماوية الجديدة في أكثر البقاع أمية وفقرا وحيث تنتشر رغبة هائلة في الانتقام جراء الاهمال الاقتصادي والثقافي الطويل. لا ينطبق ذلك علي أرياف نيبال فحسب حيث توجد أكبر معدلات الفقر عالميا، بل ينطبق أيضا علي تلك المقاطعات الهندية حيث يسيطر الناكساليون مثلما ينطبق علي جبال وسط البيرو حيث يقبع ما تبقي من قبائل الهنود الحمر المهمشين طيلة قرون تحت الهيمنة الاسبانية. تثبت دراسات ميدانية قام بها بعض الاتنوغرافيين خلال الثمانينات أن قوات الدرب المضيئ كانت تعتمد علي قواعد من الفلاحين الأميين الذين لا يفقهون من برنامج الرئيس قونزالو، والذي بالمناسبة كان الكثير منهم يعتقدون أنه روح أحد الآلهة المحلية وليس شخصا حقيقيا، إلا أنه دعوة للقتل الممنهج تجاه التجار والفلاحين الأغنياء. وكان الدرب المضيء يقوم عند تطبيق أحكام الاعدام باستعمال أساليب تراثية هندية حيث يقع قطع الساقين والرأس وإعادة خياطتهما في الاتجاه المعاكس حتي لا تسعي روح الميت الي التعرف علي هوية قاتليه. إن نموذج ثورة العمال والفلاحين في هذه الحالة ليس تجسيدا للـ وعي الطبقي الذاتي بل توجيه أقلية من المثقفين النزقين المغرمين بالثورة لمجموعات من الفقراء الأميين والمفعمين بالرغبة في الانتقام حتي أنهم لا يدركون بالتحديد ماذا يريدون تحقيقه. وفي النهاية فإن هذا النموذج تميز عن سابقيه بأنه رسخ عبادة شخص النبي ـ الثوري ـ القائد حتي قبل الامساك بالسلطة حيث أصبح الرئيس قونزالو نفسه الضامن الأساسي للثورة ونجاحها. وهكذا عندما تدهورت الاستراتيجيا العسكرية لـ الدرب المضيئ وحاولت القفز علي المراحل و محاصرة المدن بالأرياف حتي قبل السيطرة علي الأرياف واتجهت لحملة من التفجيرات العشوائية للسيارات المفخخة في العاصمة ليما بتوجيه من الرئيس قونزالو، لم يكن اعتقال الأخير سوي القطرة الأخيرة في الرقصة البهلوانية لماويي البيرو. حيث كان علي حرب الشعب أن تنتهي في ظرف وجيز لأن السيف الرابع للشيوعية كان يدخن سجائر أجنبية معينة ويستعمل مرهما جلديا مميزا تم العثور عليها في قمامات حي فخم في ليما وهو ما قاد ضباط الأمن البيروفيين والمخابرات الأمريكية الي التعرف علي مكانه وإيقافه. الايمان الماركسي؟ الإيمان عوض التفكير النقدي هو السمة المميزة لقادة الماوية الراهنة وغيرهم ممن تبقي من أنصار الرمق الأخير للـ الفكر الماركسي اللينيني. وبمعني آخر فإذا كان هناك تفكير فذلك لا يوجد إلا علي أساس التوافق علي أساس مصادرات غير مبرهن عليها أو تحتاج في أقل الأحوال إلي إعادة التفكير والبرهنة بفعل ما حدث علي مدار التجربة الشيوعية. التفكير بالنسبة لهؤلاء يحتاج، أولا، إيمانا بمسلمات لا يوجد جهد حقيقي للتعمق فيها. ينتهي التفكير هنا الي مأزق السياسوية. حيث تصبح المهام السياسية هي المجال الوحيد للتفكير في حين تكون المسلمات الكبري التي علي أساسها تم وضع المهام السياسية مسائل غير قابلة للمجادلة. ولكن لم يكن ماركس مؤمنا بل كان مفكرا نقديا. أو كان مؤمنا بما توصل اليه عبر التفكير النقدي وليس عبر اعتماد بديهيات غير قابلة للتبرير أو البرهنة. وهو نفسه لم يسوق تلك المصادرات الكبري علي أنها ديانة بل قدمها في نظام فكري جهد كثيرا في البرهنة عليه. ولا يوجد شيء يجعلنا نعتقد أن ذلك النظام الفكري قدر محتوم يعكس بشكل نهائي الواقع. بل انه ليس من الماركسية أساسا أن يوجد فكر بشري مقدس لا يقبل المراجعة: الواقع وحده مقدس. ظاهرة الساب ـ كوماندنتي ماركوس الفريدةتحديدا عندما بدأ الكثيرون ينسون ذلك النموذج الأمريكي اللاتيني في الثورات الراديكالية اليسارية، تحديدا عندما بدأ نجمها يأفل، بزغ نجم الساب ـ كومندنتي ماركوس (Sub ـ Commandante Marcos) الناطق باسم الجيش الزاباتي للتحرير الوطني. تم ذلك بشكل استعراضي بالغ في الأول من كانون الثاني (يناير) 1994. كان حفل بداية العام في جبال وغابات الجنوب الشرقي المكسيكي بالنسبة لبقايا قبائل المايا إعلانا للثورة واحياء للتراث الزاباتستي. ولكن منذ البداية وحتي الآن قام ماركوس ورفاقه بكل شيء للتمايز عن الحركات الراديكالية اليسارية الأخري الي الحد الذي يصعب فيه تعريفهم بأنهم راديكاليون يساريون. أولا، والأهم من كل شيء، فإن ماركوس كاتب ومفكر بارع، لا يمكن لأي قارئ جدي أن يفلت من سحره. ولأن ماركوس لا يكذب علي نفسه ويعرف أن أزمة الخطاب الماركسي تحتاج أكثر من بعض التلفيقات التبريرية فقد اختار، وهو ذو التكوين الفلسفي، خطابا يغلب عليه الطابع الروائي السوريالي القريب جدا أحيانا من أسلوب الكوميديا السوداء في كتابات قابريال قارسيا ماركيز مع عمق ورهافة حس فكرية كبيرة. ولا يلتــــزم ماركوس بشكل نهائي وشامل بالماركسية حتي أن البعـــــض وصل الي حــــد نعته بالفوضوية بالرغم من أنه يمقت بشكل علني الأساليب العسكرية الفوضوية كما أنه كان ماويا في شبابه ولا يخفي تأثره بالفكر الماركسي. من الضروري في النهاية وضع هذا الانبعاث ضمن إطاره التاريخي أي تحديدا الصعوبات الكبيرة للنظام الدولي الراهن وتحديدا في ظل قيادة قطبه الأوحد حتي الساعة في خلق سلام أمريكي وتفادي صعود التيارات الراديكالية بمختلف أنواعها سواء بأجندة طبقية ـ اجتماعية أو ثقافية ـ دينية والمنادية بتدمير النظام القائم وتعويضه كلية. طبعا جانب من هذه الصعوبات ليس ناشئا فقط عن عجز بنيوي علي خلق سلام امبراطوري بل أيضا بسبب الراديكالية الامبراطورية و عنفها الثوري الذي لا يمكن أن يترك الكثير من المحايدين. غير أن راديكالية مضادة عنيفة هي خطوة غير كافية. والأهم من ذلك فقد وقع تجريبها، بل بعقول كبيرة وأجندات ذكية. غير أنها لم تدفع إلا لوعي النظام القائم بذاته وتعديل نفسه تدريجيا حتي أصبح الفعل الراديكالي غير ذي جدوي. هذه المرة تبدو الراديكاليات الصاعدة محدودة التفكير الي الحد الذي يمكن وصفها بأنها حركات حسية لا غير. وذلك لا يبشر في أقل الأحوال بصراع ممتع مثل ذلك الذي شهدناه طيلة القرن العشرين حين كان تحمل الدماء ممكنا ما دام الفكر البشري يبدو كأنه يخطو خطوات غير مسبوقة. يقف ماركوس علي النقيض من الانجذاب الجارف راهنا نحو عنف حسي بالغ القسوة بدون آفاق جدية. ربما لا يماثله في هذه الفرادة كونيا سوي منظمة حزب الله اللبنانية ولكن تلك لا تندرج ضمن موضوعنا الراهن المتعلق تحديدا بالحركات الراديكالية اليسارية ذات الخلفية الماركسية. ولأنه يقف في مفترق الطرق الصعب بين ضرورة الشروع في ثورة والحاجة البالغة في التفكر في ماضي الثورة وأسسها الماركسية فإن ماركوس بالغ الحذر عند تقييم آفاق ثورته الزاباتية ويحاول ببالغ الرهافة تجنب منح أي أهمية تاريخية فريدة أو أممية لثورته. فهو يراها ضمن إطار شديد الخصوصية والمحلية لا يتعلق حتي بالمكسيك ككل بل بجزئها الجنوبي الشرقي فحسب. هذا التواضع الأممي يعكس تحديدا تذمره الشديد من أي نسق تاريخي شامل. والي جانب فعله المسلح الي جانب فقراء ما تبقي من شعب المايا، وهو الذي لا ينتسب حتي اليهم، يكتب الساب ـ كوماندانتي نصوص الكوميديا السوداء السوريالية والتي تخرج في شكل بيانات رسمية أحيانا وبعناوين مثيرة (مثل أتبرز علي جميع الثوريين في العالم الذي كتبه وهو في المرحاض) ولكن المغمسة بعناية في عمق فكري يمتاز بالرغبة الجامحة في الانطباعات النسبية، ليعكس بالتحديد نظرته الشذرة للاعتقاد المجاني في المسلمات. صحيح أنه مثل غيفارا رسم لنفسه صورة شديدة الاتقان، قناع أسود يفرض صفة المجهول الثوري علي شخصه، ولكن هنا يتدلي من فمه المقنع غليون عتيق يستبدل سيجار التشي. وهكذا، وعلي خلاف غيفارا، يحرص ماركوس أن يرمز الي أنه يتقن التفكير وليس العربدة الثورية، تعقل الغليون بدل التبرج الفارغ للسيجار. ربما هذه هي الموازنة الوحيدة الممكنة راهنا بين التعقل الماركسي والحاجة المستلزمة للثورة: بالتأكيد الغليون عوض السيجار، ولكن لم لا قطعة سلاح وقناع… إن لزم الأمرفحسب! ، هذه هي الحالة الأقرب للماركسية في الوقت الراهن، علي ما أعتقد. لم يكن كارل ماركس جوهريا ومهما لأنه كان ثائرا. كان جوهريا ومهما لأنه كان مفكرا غير عادي. في التفكير غير العادي والجديد والعميق تكمن مصادر فرادته. كان ماركس ملهما للثوار لأنه قبل ذلك كان مفكرا جديا. اكتشف ماركس الثورة كقانون نظري قبل أن يحاول ممارستها أو ينصح بممارستها ولم يمارس الثورة ليبحث عن قوانينها. كان ماركس ثوريا بالصدفة. هذا هو الإرث المنسي لكارل ماركس اتفقنا حول رؤاه أم لم نتفق. في بقية تأبينه لرفيقه الراحل لم يجد انجلز أن يخلد ماركس إلا بأفضل انجازاته الفكرية وليس السياسية: ليس تأسيس الأممية بل اكتشاف قوانين أساسية تحرك المجتمع البشري. يضيف أنجلز في تأبينه لرفيقه: مثلما اكتشف داروين قانون التطور أو الطبيعة العضوية، فإن ماركس اكتشف قانون تطور التاريخ البشري… ولكن ليس ذلك كل شيء. فماركس اكتشف أيضا قانونا خاصا يحكم نمط الانتاج الرأسمالي الراهن والمجتمع البورجوازي الذي خلقه هذا النمط. فقانون القيمة المضافة سلط وبشكل مفاجئ الضوء علي هذه المسألة… مثل هذين الاكتشافين سيكونان وحدهما كافيين في حياة أي كان. كما سيكون أي انسان سعيدا بتحقيق اكتشاف واحد منهما. ولكن أكثر من ذلك حقق ماركس في أي مجال بحثا تصدي له اكتشافات جديدة بما في ذلك في الرياضيات… وسأتجرأ علي القول بأنه حتي لو كان له كثير من الخصوم فإن ماركس لم يترك عدوا شخصيا واحدا. أما اسمه فسيستمر عبر العصور وكذلك عمله. أنجلز نفسه كان مفكرا كبيرا. وحتي ممارسو الثورة المحنكون من طينة لينين أو ماو تسي تونغ لم يكونوا مفكرين تافهين. ففي كل الحالات وبالرغم من سياسوية الكثير من أطروحاتهما النظرية لم ينزع أي منهما الي التكرار البليد والساذج. وفي الحقيقة… لا يمكن أن أقول نفس الشيئ مثلا عن القادة الراهنين للماوية الجديدة في آسيا أو غيرها. ہ باحث تونسي يقيم في أمريكا الشماليةhttp://[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية