بيت النخيل لطارق الطيب: العالم لم يعد بخير!
عدنان الاحمدي بيت النخيل لطارق الطيب: العالم لم يعد بخير! للكلام علي هذه الرواية لا بد من الكلام علي اختها مدن بلا نخيل للكاتب نفسه وذلك لأن بطليهما واحد، هو حمزة، صاحب التجربتين الحياتيتين المكملتين لبعضهما. ولوحدة الموضوع والاجواء المكونة لهما.عندما قرأت رواية مدن بلا نخيل قبل اكثر من عشر سنين، تقمصني حمزة، الذي عاش حالة خراب ودمار وفقدان وخسران وانقطاع صلة الانسان برموز الحياة الجميلة الحبيبة الي روحه ونفسه وخياله ليجد نفسه وحيدا في هذا العالم، طفح الشعر في وفاض فكتبت قصيدة اسمها قصة الواحات مهداة الي طارق (نشرت في ديوان صوت اللون ـ عن الحضارة للنشر) اي الي حمزة السوداني اي اليّ انا، حمزة العراقي الذي فقد خمسين مليون نخلة، قتلت عمدا مع سبق الاصرار، حرقا وتجريفاً. انا العراقي الذي فقد الاعزاء من الاهل والبيت والوطن ولعقود اربعة، اي هي مهداة الي كل انسان عاش الغربة والفقدان والخسران. فأنا والحالة هذه انتمي الي شريحة المهزومين الخائبين من البشر. هذه الشريحة التي تضم الطيبين الذين تكون علاقتهم بذاتهم وبالاخرين وبالرموز الحياتية علاقة اساسها وجوهرها النقاء والصدق والحب والتعشق لذا فهم في حالة صراع دائم مع الشريحة الاخري القوية الجبارة المستحوذة القهارة الساحقة للشريحة الاولي. اما اذا حالفتهم الطبيعة بقساوتها فستتم عملية التدمير والتحطيم الشامل. مثلما حصل لحمزة وقريته (ودّ النار)، فنحن اذا ازاء معادلة تكوّن اطرافها هاتان الشريحتان، لكنها غير متساوية. وبما ان هذا هو واقع الحال فوجود انسان مثل حمزة ضروري جدا لوخز ضمير البشر من اصحاب طرف المعادلة من الجبابرة المدمرين للانسان الطيب الضعيف المسحوق المقهور. وبما ان العجلة التدميرية دائرة بهذا الشكل سيواصل حمزة رحلته الحياتية كبطل لرواية طارق الثانية (بيت النخيل).فحمزة بطل مدن بلا نخيل الذي هاجر مغادرا قريته ودّ النار، باحثاً عن مصدر عيش ورزق في مدن اخري كي يساعد امه واختيه الصغيرتين اللواتي يعشن وحيدات بلا معين ومعيل منذ ان تركهن الاب الي مكان مجهول ليتزوج من امرأة اخري، قاطعا كل صلة بهن وبولده حمزة وبالقرية واهلها. غادر حمزة قريته محملا بذكريات مرة عن نخيل يابس وبقايا قرية صحراوية اسمها ودّ النار، جدبت بعد ان كانت واحة خضراء، يبست حتي رمالها وشواهد القبور، فصارت رمزا حقيقيا للموت والموات، وذلك بسبب التصحر والجفاف. هاجر حاملا شنطة من سعف النخيل تحتوي علي أحجار وتمائم وشبح الاب والشيخ المتدين القاسي علي الفكي وسعير آلام الشعور بالفقدان والخسارة ونفسه الطيبة القروية الريفية التي تضفي عليه البساطة والذكاء الفطري.رحل تاركا وراءه فضاء صحراويا شاسعا وعلائق اجتماعية لها خصائصها المغايرة لعلائق المدن الكبيرة في السودان ومصر، ثم في مدن اوروبية ليعيش عوالم تعمق علاقته الضدية لشريحة اصحاب طرف المعادلة الاخر، وكذلك تعمق لديه الحنين والشوق لقرية الموت والموات حيث يطير فرحا عندما يلتقي الشيخ علي الفكي الذي لم يكن له الود يوما بسبب قسوته عليه وعلي اقرانه الصغار. عاد الي ودّ النار بعد خيبة كبيرة تصيبه من عالم اوروبا والمدن الكبري ولكن:(ودّ النار، اصبحت كلها مقبرة. كنا ندفن في الايام الاخيرة كل يوم ثمانية الي عشرة موتي. رحل من رحل، وبقي من بقي، ليلفظ نفسه الاخير، لقد ماتت اختك كريمه وبعدها حليمة، بسبب اصابتهما بمرض الكوليرا، ثم تبعتهما امك ولقد دفنتهن بنفسي في القرية).هذا ما قاله علي الفكي لحمزة الذي كبرت واكتملت في روحه الفجيعة فقال واصفا: واسير والغبار يعلو ويثير في عيني الدموع. اختفت معالم قريتي تماما. اجد حطاما. احجار مرصوصة في لا نظام لتمييز المقابر. عظام حيوانات ميتة تملأ المكان. القبور القديمة قد استوت علي الارض وغطتها الرمال. افشل في معرفة مكان درانا. شيء وحيد اجده، النخلة نخلتي القديمة، اراها ملقاة علي جانبها يظهر نصفها والنصف الاخر مدفون في الرمال والتراب، اجلس عليها ووجهي الي حطام القرية .هذا ما نطق به حمزة خاتما هذه التجربة المأساوية برحيل جديد وتجربة حياتية في النمسا ـ فيينا، ابطالها النخيل وقطة اسمها حكيمة وامرأة اسمها ساندرا واشخاص غير واضحي المعالم يظهرون له في احلامه.هذه الاحلام التي تشكل الجزء الاكبر من هيكل الرواية الثانية (بيت النخيل) مع احلام يقظة يخفق في تحقيقها بسبب الموت والفقر وفقدان من يحب كساندرا وحكيمة.لقد لعب اكتشاف حمزة لبيت النخيل في مدينة فيينا دوراً مؤثراً في حياة حمزة وخياله. حيث اختزل العالم وفيينا ليصيرا هذا البيت الذي سيطل منه علي وطنه الام وقريته الميتة وفضائها الصحراوي الشاسع وشمسها الاخاذة التي سحرت فيما مضي اخناتون عظيم الفراعنة. لقد صار بيت النخيل ملاذا لحمزة وحكيمة وساندرا، يأوون اليه كلما عاود الحنين حمزة الي ودّ النار. كما وانه صار الدينامو الذي يدفعه الي حب الحياة واجتراع مآسي الدمار الذي حلّ بأهله وقريته.كما وانه احتل الحيز الاكبر من حجم الرواية كبطل رئيسي اشبه بالتوتم المعبود. لقد نجح الكاتب في هاتين الروايتين في جعل القاريء بطلا لهما، معايشاً مناخهما واجواءهما. كما وانه نجح في نقل حمزة وقريته الي قلب مدنية فيينا. وهذا في رأيي يعود لاسلوبه ولغته البسيطة الموصلة للفكرة والموحية بقدوم الكوارث. كما وانه يخلو من المبالغة الغثيثة والكلفة والاسراف في ايعاز اسباب الدمار الحاصل الي الدين وبعض رجاله الذين يمارسون الدجل باسم الدين لتحقيق مآربهم الخاصة، بل انه يوعزها ولو بصورة غير مباشرة الي التفاوت الطبقي القائم علي الاستغلال والاستحواذ، فهو لم يخلق للشيخ علي الفكي صورة البطل المتدين الذي احتل في الربع الاخير من القرن الماضي بطولة اكثر الروايات العربية ومنها السودانية والعراقية.صحيح ان الوسط الديني لا يخلو من وعاظ السلاطين الذين يكبرون ويهللون لاصحاب طرف المعادلة الجبابرة لكن ارجاع اسباب الدمار فقط لهذا العامل واغفال الاسباب الاخري المسببة لدمار الطبيعة والانسان هو خيانة كبري يرتكبها بعض كتاب الرواية، اما عن قصد او جهل لا سيما ونحن نري شعوبا تقتل ومدنا وبلدانا تمحي من الخارطة لاسباب اخري غير الدين، كالهيمنة والاستحواذ وسرقة جهود الانسان وحضارته.يجوز لي القول ان الكاتب كتب هاتين الروايتين بواقعية مقبولة تتخللها صور هي اقرب الي الخيال السوريالي القاتم الذي يشكل احلام المنام برموزها المبهمة شكلا ولونا.نلمس الواقعية في علاقة الكاتب بالنخلة والنخيل. فهي علاقة صميمية، حقيقية بين الانسان الشرقي وخصوصا العربي بالنخيل. فالنخلة لا تعني مثلا للاوروبيين مثلما تعني للشرقيين وخصوصا العرب. فهي ذات منزلة كبيرة لديهم كونها مصدر طعام لذيذ مشبع يسد رمق الجوع بالنسبة للفقراء. فالتمر او الرطب غذاء كامل غني بالسكريات والفيتامينات ولا يستغني عنه الاغنياء. كما وان النخلة جميلة الصورة في الطبيعة، عملاقة شامخة. ولقد شغلت حيزا لا بأس به من فنون وآداب وتشريعات قانونية وديانات الحضارات القديمة واهلها كما في وادي الرافدين ووادي النيل، وكذلك وردت في القرآن الكريم في وصف رائع بهي في سورة مريم (وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جليا فكلي واشربي وقري عينا) ويروي حديث للرسول الكريم ما معناه (أحسنوا الي عمتكم النخلة).هذا يعني ان علاقة الكاتب بالنخيل علاقة صميمية واقعية لا مبالغة فيها وهذا ما اضفي علي العمل جمالية خاصة.هناك في عالم الفن والادب ما يدهش ويبهر فيما يخص عملية الابداع وكيفية تفجر الطاقة الجبارة بسبب حافز قد لا يخطر علي البال فيتم الخلق والجمال. مثلما فجرت زيارة حمزة الطيب لبيت النخيل حنينه وشرفه وخياله والاحلام ليطل الكاتب من نافذة هذا البيت النمساوي علي عالم الشرق وريف السودان ومصر وقرية ودّ النار. ولم يكن الدينامو المفجر لهذه الطاقة سوي النخلة.لقد انضج هذا البيت وعي وخيال حمزة وصير من شخصيته القروية البسيطة الطيبة شخصية معقدة نلمس خصائصها في احلامه المعقدة التي لا يعرفها بن ودّ النار حين هجرها في روايته الاولي. كما وانضج هذا البيت وعيه الطبقي الذي نلمسه في مقارنته (اي حمزة) بين طبقات المجتمع وتفاوتها في الثراء والفقر. كما وانه (اي بيت النخيل) هذب عواطفه ورغباته تجاه المرأة وانضجها فارتقي به الي مستوي من التعامل الذي لا يعرفه رجل القرية الشرقية صحراوية كانت ام ريفية.من الجدير بالذكر هو اتصاف رواية بيت النخيل بكثرة الاحلام المشوقة بأسلوب سردها ومضامينها. ولقد جاءت بعضها كقصص قصيرة متكاملة البناء فنيا. كذلك ما يجدر ذكره هو ان الكاتب ينهي روايتيه بدون نهاية بل نراه يلجأ الي الإيحاء بأن التجربة الحياتية ستستمر وبأن احداثا مستقبلية قادمة سيعيشها حمزة. ويظهر هذا الايحاء جليا في نهاية رواية بيت النخيل عندما يهم بمغادرة فيينا والعودة الي قريته تظهر قطة جديدة وامرأة جديدة ليحلا مكان حكيمة وساندرا. اي ان قصة جديدة بدأت فوق ارض المطار. اي ان قصة حمزة لن تنتهي ما دام الحطام والدمار والفقدان والخسران هي هيكل العالم الذي يحيا فيه.واخيرا يمكنني القول ان طارق الطيب يعلن في كتاباته عن انتهاء حفلة التفاؤل المستقبلي بعالم اجمل، تسوده العدالة في التوزيع والدفء والحنان البشري المفقود تماما، مثلما اعلن انـــا، حــمزة العراقي الذي فقد خمسين مليون نخلة حكم عليها بالاعدام حرقا وتجريفا وقتلا بالعمد مع سبق الاصرار.اعلن هذا وانا اضع يدي بيد شقيقي في المحنة حمزة السوداني ولان العالم ليس بخير ونحن اهل هذه الاوطان المصابة في اكبادها، والتي تنكب يوميا بأيدي الاستحواذيين، فنحن بحاجة الي مثل رائعة طارق الطيب (بيت النخيل واختها مدن بلا نخيل) ونصيحتي للعرب قراءتهما.ہ كاتب من العراقي يقيم في المانيا 0