هناك روايتان تطورتا منذ انتهاء الحرب: الرواية الاسرائيلية ورواية حزب الله. الرواية الاسرائيلية تقول ان اسرائيل قد انتصرت في الحرب. هذا الامر تكرس في الوعي الجماهيري من دون أي نقاش جدي حول نتائج الحرب وقد تم استيعابه بسبب الصحافة بصورة اساسية. كل المؤشرات التي ميزت النقاش الجماهيري في السنوات الاخيرة موجودة في هذه الرواية. الرواية الاسرائيلية بطبيعتها متمركزة حول ذاتها لدرجة انها لا تري ما يحدث خارج حدودنا. وهذه خسارة. ذلك لان الاحاديث التي تتصاعد من لبنان في الايام الاخيرة يمكنها أن تسهم في النقاش الدائر في اسرائيل وان تظهر أن هذه الحرب قد حققت انجازات محترمة.
حسن نصرالله قال في مقابلة بثت بالامس انه لو كان يعرف بشدة الرد الاسرائيلي مسبقا لما أمر باختطاف الجنديين. نصرالله قال ايضا انه لا يتوقع جولة ثانية وان حزبه لن يرد علي الاستفزازات الاسرائيلية. وسائل الاعلام الاسرائيلية رسمت حتي الحرب وخلالها لحسن نصرالله صورة الزعيم الصادق الذي يجب التعامل مع ما يقوله بجدية وخصوصا مع تهديداته. ان كان الامر كذلك فيجب ان نصدق الان انه قد فوجيء من رد اسرائيل. هذه الاقوال تخالف الرواية الاسرائيلية. ان كان حزب الله لم يعد يدعي انه قد انتصر فان اسرائيل لم تهزم في واقع الامر ونظرتها للامور هي نتاج للكآبة والحالة المزاجية المتدنية وتعبر عن الواقع الحقيقي.
الحرب كشفت بالفعل عن نواقص خطيرة خصوصا علي المستوي التكتيكي والتفعيل الخاطيء لجزء من القوات البرية وسوء اتصال بين القيادة العليا والوحدات الميدانية وفشل طويل لاستخبارات قيادة المنطقة الشمالية لدرجة عدم ملاحظة ان حزب الله قد انشأ خط تحصينات كبيراً قرب الحدود هذا بالاضافة الي الخطأ الاكبر من كل الاخطاء: اهمال الجبهة الداخلية من قبل الحكومات طوال سنين متلاحقة. كل هذه الامور يجب ان تخضع للتحقيق وليس من خلال لجنة تحقيق رسمية ومن الممكن الاكتفاء بمهنيين غير منتمين لانجاز المهمة. ولكن الي جانب ذلك كانت لهذه الحرب مكاسبها. سلاح الجو عبر عن قدرة مذهلة والاستخبارات خاصة في فترة هاليفي وفرت معلومات حول مخازن الصواريخ بعيدة المدي وسمحت بابادتها. التدمير التام لقيادة حزب الله في الضاحية الجنوبية شوش قدرته علي السيطرة والرقابة ومس باعتزاز نصرالله. وحول وحدات الكوماندو المختارة لخطوط العدو الخلفية زرعت الخوف في صفوف الحزب وفي حالات غير قليلة فر مقاتلو الحزب تاركين عتادهم من ورائهم خشية التصادم المباشر مع الجنود الاسرائيليين.
الامر الاكثر اثارة للاعجاب هو ثمار الحرب علي المستوي الاستراتيجي. ولو كانت قد عرضت علي اسرائيل قبل الحرب من خلال تسوية سياسية لقبلتها اية حكومة بكل رضي وطيب خاطر. الجيش اللبناني سينتشر علي الحدود مع قوة دولية داعمة وحزب الله لن يكون علي الحدود واتباعه لن يحملوا السلاح علانية. خط التحصينات الحدودي دمر ونصف صواريخ خاصة بعيدة المدي قد ابيدت والدعم الجماهيري تقلص حيث ينظر له كسبب لدمار لبنان واضطرار حسن نصرالله لتبرير نفسه ما هو الا دليل علي ذلك. كما تبرهن ايضا ان الادعاء بان ايران قد بادرت للازمة بهدف حرف الانظار الدولية عن مشروعها النووي ـ بلا اساس. دعم ايران لحزب الله لا يفعل الا ان يزيد من العداء لها ومن الصعب التصديق بانها قد اعطت حسن نصرالله مثل هذا الدعم الهائل (بقيمة عدة مليارات من الدولارات) فقط من اجل اهداره علي اختطاف الجنود. من المعتقد إذن ان حزب الله قد اعد كاحتياطي للدفاع عن ايران في حالة تعرضها للهجوم.
اثر الحرب تناقصت هذه القوة الاحتياطية وحقيقة ان نصرالله يعترف بانه قد تفاجأ برد فعل اسرائيل هي برهان اكيد علي ان الردع الاسرائيلي لم يضعف بل علي العكس قد تعزز. استطلاع الرأي الذي نشر في بيروت في هذا الاسبوع يقول ان ثلثي الجمهور غير الشيعي في لبنان يعتقدون ان حزب الله قد هزم في الحرب. ولكن حتي لو لم يكن هناك حسم ساحق فقد بلورت الحرب فرصة لاحياء العملية السياسية. انتصارات اسرائيل العسكرية علي العرب في السابق لم تترجم دائما الي انجازات سياسية لا بل أدت الي الجمود. أما حرب مثل حرب الغفران التي انتهت من دون حسم فقد أدت الي تحريك العملية السياسية التي تمخضت عن تسويات مع مصر وسورية. حرب لبنان الثانية قادرة علي تحقيق تسوية مع لبنان واستئناف المفاوضات مع سورية. الرئيس بشار الاسد قد أوضح في عدة مناسبات انه مستعد لذلك. ويجب ان نأمل أن تعرف الحكومة كيف تستغل هذه الفرصة.
يوسي ملمانكاتب في الصحيفة(هآرتس) 29/8/2006