يستعد العالم الاسلامي الى استقبال عيد الفطر فيما غزة الغارقة في دمائها وقد تحولت الى قطعة من الجحيم تتابع المساجلات والمكايدات والمزايدات السياسية، التي تزيد الازمة تعقيدا. صور الاطفال المحروقة اجسادهم او المقطعة اطرافهم اصبحت فوق طاقة الاحتمال عبر الاثير، فما بالنا بامهاتهم وابائهم؟ وهل هناك من يأبه بهؤلاء حقا؟
انه مشهد سوريالي معقد، تتجاوز ابعاده حدود غزة وفلسطين، ويرتبط بصراعات ايديولوجية واقليمية، ويبدو انه ازداد تعقيدا بعد التطورات الاخيرة.
اولا- اوصدت حركة حماس الباب تماما مع الادارة المصرية بعد تصريحات زعيمها الاخيرة التي اتهم فيها القاهرة بـ»المتاجرة بدماء الفلسطينيين»، وطعن في مبادرتها باعتبار انها اتت لقطع الطريق على اتصالات كيري مع قطر وتركيا، لاقناع حماس بوقف النار. لكن الواقع هو ان الادارة المصرية ربما تكون المستفيد الاول من تصريحات حماس، اذ ستعمل على استخدامها لتبرير استمرار القطيعة السياسية مع الحركة في ظل العدوان الاسرائيلي، والرد على ما تواجهه من انتقادات وضغوط من الرأي العام في مصر للتحرك لوقف شلال الدم في غزة. وفي الوقت نفسه ستعزز علاقاتها بباقي فصائل المقاومة التي ترفض المبادرة، لكنها تعتبر ان مصر وحدها مؤهلة للتوصل الى تسوية قابلة للتنفيذ على الارض وليست للاستهلاك الاعلامي، وتحقق اهداف المقاومة، وهو ما سيؤدي الى عزل حماس.
ومن وجهة نظر القاهرة فان حماس بافتعالها للجدل حول مطلب وهمي بـ»نزع سلاح المقاومة»، واشتراط «نزع سلاح اسرائيل»، اثبتت انها غير جادة في البحث عن حل، بل معنية بتحقيق اجندة سياسية تتصدرها اعادة تأهيل جماعة الاخوان شعبيا وسياسيا، وبالتالي فانها هي وليست مصر من يتاجر بدماء الفلسطينيين. وبكلمات اخرى فان القاهرة ترفض ان يستخدم احد دماء اهل غزة لتحقيق مكاسب حزبية او التكفيرعن اخطاء وخطايا ارتكبها من قبل. ومع ذلك ستعمل مصر على فتح معبر رفح بشكل دائم امام الجرحى والطلاب والحالات الانسانية والمساعدات العربية والدولية.
ثانيا- ان القاهرة التي اقدمت على تفتيش وزير الخارجية الامريكي جون كيري امام الكاميرات، في اهانة مقصودة وغير مسبوقة، ارادت ان تبعث برسالة لمن يعنيه الامر، مفادها ان عهدا جديدا قد بدأ في مصر وانه يختلف عن عهدي مبارك ومرسي. في هذا الاطار يمكن فهم الاعلان عن المباردة المصرية اثناء اجتماع وزاري عربي الاسبوع الماضي من دون انتظار وصول كيري، الذي كان مقررا بعد ساعات قليلة، وهو ما دعاه لالغاء زيارته في اللحظات الاخيرة. ومن هنا ايضا يمكن فهم رفض الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة اوباما لحضور القمة الافريقية الامريكية في واشنطن. وبغض النظر عما اذا كانت محقة أم لا، فان هذه الادارة المصرية تدرك جيدا ان هذا التوتر مع واشنطن يدعم شعبيتها، وانها لن تسمح لنفسها ان تظهر في صورة التابع لاحد. واستنادا الى هذا الرصيد من الدعم الداخلي تمكنت هذه الادارة اخيرا من رفع جزئي للدعم على الطاقة، وهو القرار الذي كاد يطيح نظام السادات عام 1977، ولم يجرؤ مبارك على اتخاذه طوال ثلاثين عاما، واتخذه مرسي لكنه اضطر للتراجع عنه بعد ساعات من صدوره. فاذا كانت مصر الجديدة قادرة على تحدي واشنطن بل واهانة وزير خارجيتها وخفض الدعم، فلابد انها لا تنوي ان تقبل اتهامات او اهانات من اي طرف اقليمي، خاصة في ظل رأي عام مشحون ضد جماعة الاخوان وحلفائها في الداخل او الخارج.
ثالثا – ثمة جوقة من المحسوبين على مهنة الاعلام في مصر استغلوا العدوان الاسرائيلي لتحقيق اهداف واجندات تتعلق بمصالح ضيقة في علاقتهم بالعهد الجديد. وهو ما لا يفهمه من سارعوا الى الاستدلال بما صدر عن هؤلاء من «خزعبلات» لتشويه صورة مصر وموقف شعبها من القضية الفلسطينية. الحقيقة ان اولئك المنتفعين المتسلقين الذين قبلوا كل الايادي وأكلوا على كل الموائد، وجدوا الفرصة للصيد في المياه العكرة، حيث يعملون على الاستفادة من الموقف الشعبي المنتقد لحركة حماس بسبب ما يعتبره كثيرون تدخلها في شؤون مصر، لبث سمومهم والضغط على الادارة الجديدة التي تحفظت عن بعضهم بسبب كونهم ابواقا للفلول المكروهين في الشارع المصري. ومن الغريب ان يعتبر «خبراء مزعومون» في الشأن المصري، ان ما يقوله شخص كتوفيق عكاشة «تعبير عن الرأي العام المصري»، رغم ان اي متابع عام للشأن المصري يعرف ان السيد عكاشة قدم الى محكمة جنح القاهرة العام الماضي شهادة طبية بانه مختل عقليا، وهو ما اعفاه من تنفيذ حكم بالحبس لستة شهور في احدى قضايا السب. وحيث ان ما قاله من اشادة باسرائيل، وهو دليل كاف على سوء حالته العقلية، كان مهينا لمصر وشهدائها اكثر ما كان مهينا لغزة والشعب الفلسطيني، فقد طالبت اتحادات ثورية بحرمانه من الجنسية المصرية، وهذا شيء نادر في الحياة السياسية المصرية، رغم شدة الخلافات والصراعات. ومع ذلك يتوجب على كل اعلامي مصري مهني وشريف ان يعتذر للشعب الفلسطيني عما صدر من اولئك السفهاء من اهانات وترهات. وينبغي على الحكومة المصرية في الوقت نفسه ان تتدخل لوقف هذه المهازل الـ»لا اعلامية» التي تضر علاقات مصر التاريخية، وتشوه صورتها، بل وتضر أمنها القومي.
واخيرا ووسط كل هذه التعقيدات، يجب ان يستمر صوت غزة اعلى مما سواه حتى يتوقف نزيفها الذي هو نزيفنا ايضا، على امل ان ينتصر الضمير في النهاية على شهوة البعض في تحقيق الانتصارات والبطولات السهلة، طالما انها على حساب دماء الاخرين واطفالهم.
٭ كاتب مصري من أسرة»القدس العربي»
خالد الشامي