خليل السواحري

حجم الخط
0

خليل السواحري

د. نبيه القاسمخليل السواحري خسرت الساحة الأدبية العربية قبل هذا الشهر ثلاثة من مُبدعيها هم: الشاعر اللبناني فؤاد الخشن الذي كان من أوائل الذين كتبوا القصيدة الحرّة في الشعر العربي الحديث بقصيدته أنا لولاكِ التي نشرها عام 1946 واعتبرتها الناقدة سلمي الخضراء الجيوسي القصيدة التي تمثل البداية الحقيقية للشعر العربي الحديث، وأن فؤاد الخشن أوّل شاعر عربي كتب شعر التفعيلة، وسبق بها بدر شاكر السياب بقصيدته هل كان حبّا عام 1947 ونازك الملائكة بقصيدتها الكوليرا عام 1947، والكاتبة السورية سلمي الكزبري، والكاتب الفلسطيني خليل السواحري.لقد ساهم خليل السواحري الذي ولد عام 1940 في مكان يدعي البرية بالقرب من مدينة القدس بالنشاطات الثقافية المختلفة، وكتب في مختلف المواضيع ونشر في معظم الصحف الفلسطينية والأردنية، وله العديد من الكتب الإبداعية. مجموعته القصصية الأولي عام 1975 كانت باسم مقهي الباشورة أثارت نقاشا وعاصفة من النقد، أمّا المجموعة القصصية الأخيرة فكانت زائر المساء عام 1985.ضمت مجموعة زائر المساء تسع قصص قصيرة تمحورت خمس منها في القضايا الاجتماعية أما الأربع الأخري فقد تناولت الهم الوطني، فَـ أحزان محمد الماحي تحكي قصة الرجل المرفوض من قبل أهل بلدته بسبب تعدياته المؤذية وتصرفاته المثيرة للشكوك، ورغم محاولاته العديدة لكسب ثقتهم وإقناعهم بطهارته من تهمة الوشاية والتعامل مع المحتل يفشل. والكاتب يُنَبّه القارئ إلي أنّ هذه القصة سقطت سهوا من مجموعة مقهي الباشورة التي صدرت طبعتها الأولي عام 1975. وفي قصة خماسيّة صغيرة لتشرين يُقَدّم مَشهدين متناقضين للواقع الذي عاشه الناس أثناء حرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973، فبينما كان البعضُ يخوض الحرب ويجاهد ليعودَ لأهله المنتظرين مُكلّلا بالنصر، كان البعضُ الآخر يتَشَكّك بنتيجة هذه الحرب وغير واثق بقدرة الجيوش العربية علي تحقيق النصر، فيقضي وقت فراغه بلعب الورق وشرب الكحول ومزاولة الحب.أمّا قصّة اليقظة المرعبة التي صدّر بها مجموعته فكانت علي صورة كابوس تملك الراوي الذي يتوجّه للناس جميعا يروي لهم مشاهدَ الموت الغريبة ومراسيم الدفن لأشلاء العشرات والمئات من الموتي في حفر جماعية حتي أنه هو كان واحدا من هؤلاء الموتي المدفونين في الحفر أيّها السادة: من أعماق الحفرة المليئة بالقطع البشرية أناشدكم! مَن يعثر علي قطعي الضائعة فليلقها هنا فوقي، وإذا حدث وأن أغلقت هذه الحفرة بعد فوات الأوان، فانّني أتوسّل إليكم أن تدفنوا كلّ أطرافي في حديقة تلك الغرفة التي كنت أسكنها، في الفناء الشرقي قرب النافذة تماما إلي أسفل جذع شجرة العنب . (ص8) لكنّ هذا الموت المستشرس لم يحل دون أمل القتيل فهو ينهي قصته بتأكيد عودته كما يعود الطائر الأخضر، فالشعب الفلسطيني الذي تَتَقَصّفُه آلاتُ القَتل من الأعداء والأشقاء يعرف كيف يتغلبُ علي جراحه وقاتليه ويعود ليستأنفَ حياته ونضاله وشموخه من جديد، وهذا ما صوّرته قصّة زائر المساء التي ختم بها قصص المجموعة، حيث يلتقي الراوي أثناء زيارة له لدمشق بأبي صالح ابن القدس الذي أراد أن يرسل بعض المال لزوجته التي تعيش في عمان. وكان أبو صالح قد فقَدَ ابنَه صالح أول أيام حرب حزيران (يونيو) مما دفعه إلي ترك بيته ومدينته ووطنه والرحيل إلي الضفة الشرقية حيث التحق بالعمل الفدائي. ويصارح أبو صالح الراوي بأنّ انشغاله بالعمل الفدائي جعله يتعامل مع القضية بآفاق أوسع ويتعالي عن القضايا الذاتية الصغيرة حتي أن أهل بيته الذين يعيشون في عمان لا يشغلون باله أكثر من لحظات عابرة ومقتل ابنه صالح لم يعد دافعه للقتال وإنما الوطن هو الأهم. ويستغرب أبو صالح كلام الراوي الذي يخبره أن الأيام لم تترك للناس شيئا يتذكرونه، فالركض الدائم وراء لقمة العيش هو شاغلهم، حتي المستقبل أصبح بالنسبة لهم وهما ما دام الحاضر هو الكابوس الدائم (ص66)، فأجابه باستنكار: أهذه هي حياتكم حقا؟ يا للعجب! نحن في الجنوب نواجه الموت في كل لحظة ولكننا مع ذلك نحيا حياتنا، حاضرنا كله امتلاء وعطاء، والمستقبل لا يشغلنا كثيرا ولا نعبأ به، لأننا علي يقين بأنّ ما نفعله هو الذي سيصنع لنا المستقبل (ص66)، وينهي أبو صالح لقاءه للراوي بكلمات حاسمة: قل لها (أي لزوجته) إنّ الثأر لصالح لم يعد يهمني كثيرا وليس هو الذي يدفعني لمواصلة القتال، فالشباب من أمثال صالح يسقطون كل يوم علي أرض الجنوب نُواريهم التراب ونواري معهم أحزاننا، لا وقت لدينا للحزن ما دام الوطن هو الماضي والحاضر والمستقبل . (ص67).عالجت باقي قصص المجموعة قضايا اجتماعية تُلقي الأضواء علي بعض العيوب الاجتماعية والفَردية، مثل استغلال الغني للفقير لاستعباده واهانته وحتي امتهان كرامته وعرضه، قصة اللعبة الأخري ، وتستّر رجل الدين بلباسه الديني لهتك الحرمات وتجنيد صاحب السلطة والمركز لجانبه بدعمه له وتقاسم الغنائم كما في قصة إعلان براءة ، وبساطة الموظف الصغير الذي يعيش مرعوبا خوفا من فقدانه لعمله فتكون نهايته الموت الذي خافه، قصة العبيط .قصص المجموعة عادية لم تتميّز عن قصص الفترة التي كُتِبَت فيها ـ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ـ لا بالمبني ولا بالمضمون ولا حتي بالمواضيع التي طرحتها، فقصص المجموعة تقليدية في مبناها من حيث التدرّج من البداية حتي النهاية، وعادية في لغتها البسيطة العادية والحوار الملتزم اللغة الفصيحة، والشخصيات التقليدية التي قدّمتها معظم قصص تلك الفترة: رجل الدين المستغل لزيّه، ورجل السلطة المتغطرس بمركزه وقوته، والانسان العادي المتحمّل لكل مَظالم الأقوي منه.لكن ما يلفت نظر القارئ لمجموعة قصص زائر المساء مسحة الحزن المسيطرة علي أجواء معظم القصص، ومشاعر فقدان الثقة بغد أفضل، فصابر لم يحزن فقط لأن والدته لم تجد ما تقدّمه له من طعام غير لقمة من الخبز وقليل من الأرز، أو لأنه يعلم أنّ أطفالا في أحياء أخري فقيرة قد لا يجدون تلك اللقمة من الخبز، وإنّما حزنه الكبير كان حين تبيّن له أنّ مدينته الكبيرة عجزت تماما عن الاحتفاظ ولو ليوم واحد صغير بتلك الفرحة الغامرة (قصة الثلج ـ ص 33).ہ كاتب من فلسطين 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية