المسرح السوري جيد شكلانيا، أنقذوا المضمون!
ينوس ما بين الحاجة الاجتماعية والحاجة الثقافية:المسرح السوري جيد شكلانيا، أنقذوا المضمون!دمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: ضمن إطار فعاليات مهرجان الهواة المسرحي الأول في سورية، أقيمت الندوة الفكرية الأولي تحت عنوان: المسرح في سورية، تجربة وآفاق ، ألقاها الأستاذ فرحان بلبل في قاعة المحاضرات التابعة لمدينة الشباب الرياضية.والأستاذ فرحان من الأسماء السورية الهامة علي الصعيد المسرحي، كمؤلف مسرحي (صدرت أعماله الكاملة في ستة أجزاء سنة 2005)، إلي جانب كونه مخرجاً مسرحياً، وأستاذ متخصص في الإلقاء المسرحي، درّس لعدّة سنوات في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كما تفضل د. نبيل حفار وعرّف به. هذا إلي جانب حضور كل من الأساتذة والفنانين غنام غنام، حميد صابر، زيناتي قدسية، وراعي المهرجان الفنان نضال صوّاف مدير شركة العين الثالثة للإنتاج الفني. ابتدأ الأستاذ فرحان حديثه بتنويه سياسي انطلاقاً من الأوضاع الأمنية المضطربة حالياً في لبنان، مؤكداً علي تكامل السلم والحرب، القتال العسكري والمسرح كشكل من أشكال القتال الفكري في سبيل التواصل البنّاء.ثمّ أوجز قليلاً عن حياة ومسيرة المسرح العربي، متوقفاً عند ثلاث نقاط بارزة، هي البدايات حين نشأ المسرح كحاجة اجتماعية وطنية قبل أن يكون حاجة ثقافية، فهو أتي كشكل ثقافي فني مُعبّر عن أفكار وطموحات الطبقة الجديدة الصاعدة فيما عرف بالبرجوازية الصغيرة، والتي قامت بدورها بتأثير من الحملة الفرنسية علي مصر (1798) والتحوّل الاجتماعي الذي كان قد بدأ يطرأ علي بُنية الدولة العثمانية كنتيجة لعدة عوامل داخلية وخارجية. بناءً علي هذه المنطلقات التي ذكرناها بني الأستاذ فرحان رأيه بأنّ المسرح في بداياته لم يكن حالة ثقافية علي الإطلاق، وإنما مارون النقاش ـ الذي قدّم أول مسرحية عربية (1848) وباقي الروّاد أبو خليل القباني ـ يعقوب صنّوع أكدوا علي ضرورة المسرح في طرح إشكالات الأمة التي نشأ فيها، وهكذا تكاملت هذه الحالة الثقافية الجديدة الناشئة المسرح في ظل ارتباطها بالحالة الاجتماعية المعبرة عنها.ثاني المراحل البارزة التي توقف معها الأستاذ فرحان كانت مرحلة الازدهار، وهي بدورها تؤكد علي الفكرة السابقة، ففي مرحلة السبعينات والمشروع القومي في أوج انطلاقته إلي جانب مشاريع النهضة التي بدأت منذ فترة مابين الحربين، فعلي صعيد المسرح ذكر الأستاذ فرحان أسماء عبد الوهاب سعود و توفيق العطري الذي مات علي خشبة المسرح سنة (1954)، وهذان أسسا مع صديق ثالث لهما ما عرف بـ النادي المسرحي في دمشق ، وقاتلوا لنشر هذا المسرح وتطويره. كان المسرح خطهم النضالي الخاص، وهم المحاربون العسكريون القدماء. أتت السبعينات لتوسّع ما عُرف بالأهداف الكبري الأهداف القومية ، فقدمت نصوصاً عظيمة وكتاباً كبار، وفيها كتبت أهم النصوص المسرحية العربية، تقريباً. فلا بد لنا أن نذكر أنّ نصوص سعد الله ونوس المسرحي السوري الكبير كتب أجملها في مرحلته الأخيرة في التسعينات!!ويكمل الأستاذ فرحان أنّ سورية في السبعينات لم تعرف سورية المسارح بالمعني الكلاسيكي للبناء المسرحي، بل كانت مجهزة بالمنصات، ويقول الأستاذ فرحان: لقد كان الجمهور معنا للدفاع عن قضايانا العربية في مختلف الاتجاهات، وكنا نختلف ونتناقش حتي حدود الحدّة والاصطدام أحياناً .وأحد ابرز مظاهر هذه المرحلة هو مهرجان الهواة الأول (1971)، حيث كانت سورية خاضعة علي الصعيد الفني لتقنية شبه واحدة من حيث الأداء والانتقاء والإخراج، تحكمها عقلية تنظر إلي الأمور بطريقة واحدة، وهنا أتي الهواة من مختلف المحافظات ليكسروا السائد، ويغيرّوا في طريق المسرح آنذاك. لقد كان مسرح الهواة الجانب الثوري في المسرح السوري.لقد جمعت مرحلة الازدهار ثورية وتجديد مسرح الهواة إلي جانب حرفيّة ودقة المسرح التقليدي، وهنا أكدّ الأستاذ فرحان: يجب أن لا نغفل عن أنّ الحركة المسرحية في سورية حتي الآن تقوم علي أكتاف الهواة ، حيث يغدو المحترف هو الدارس الأكاديمي، الذي يتقاضي مقابلاً مادياً لعمله الفني. والمسرح القومي في بداياته أحضر ممثليه من الأندية الفنية، ليغدوا الهواة موظفين محترفين. وعلي الرغم من احترافية خريجي المعهد العالي للفنون المسرحي، قسم التمثيل، إلا أنّ أغلب الممثلين في سورية حتي اليوم هم من الهواة. ولكن التساؤل الذي أكدّ عليه الأستاذ فرحان: هل يتسلح هواة المسرح اليوم بالعلم والثقافة كما تسلح الهواة من ثلاثين سنة ماضية؟! .المرحلة الثالثة التي توقف عندها الأستاذ فرحان هي المرحلة التي بدأت في الثمانينات وأفرزت الحالة المسرحية التي نعيشها اليوم.ففي منتصف الثمانينات فقدت الأمة العربية أحلامها، هذا الذي نعرفه بسقوط المشروع النهضوي، أو فشل المشاريع القومية الكبري. سقطت هذه المشاريع حتي إذا العرض الذي يتحدث عن مثل هذه الأمور خاسرا لجمهوره، هذا الجمهور الذي فقدَ مسرحه بدوره حين أدار ظهره لمثل هذه القضايا التي شكلت لفترة طويلة جوهر العرض المسرحي العربي- السوري، كما يري الأستاذ فرحان. وهكذا حاول المسرحيون في هذه المرحلة تحويل المسرح إلي حالة ثقافية قبل أن يكون حالة اجتماعية!المشكلة التي وجدت في أساس هذا المشروع التحوّلي، هي أنّ المسرح لدينا ـ نحن العرب ـ ليس موروثاً ثقافياً كالموسيقي أو الشعر، اللذين عرفهما العرب طوال تاريخ حضاري، وليس هو كما لدي الأوروبيين جزءا حيويا وهاما من موروثهم الفكري والثقافي والاجتماعي. هنا يُقبل الجمهور علي المسرح عندما يكون هذا الشكل الفني إطاراً معبراً عن حاجة اجتماعية، ويَنصرف عنه بكثافة حين يكون شكلاً ثقافياً جمالياً مُجرّداً، ومن هذه البداية يصل الأستاذ فرحان إلي النتيجة: لقد تراجع المسرح لدينا لأنه فقد الاهتمام بقضايا الأمة العربية، فلم يعد يستطيع أن يُناقش، وبالتالي وعلي الرغم من وجود من يكتب إلا أننا افتقدنا الكتاب المسرحيين ، لقد تراجعنا عن بناء موروثنا الثقافي المسرح أساسه النص الذي يفرض الشكل الجمالي علي هذا الأسلوب الفني، وحسب ميرخولد ومن بعده كوكو فإنّ الذي يطوّر المخرج هو الكاتب ، وافتقادنا للكتاب المسرحيين قاد إلي غياب المخرجين، فغدونا نري مخرجاً مؤلفاً لنصّه دون أن يكون مالكاً لناصية أيّ منهما.وفي سورية نقوم نحن المسرحيين بعملية عكسية في البناء المسرحي، ففي حين يَفرض النص شكل العرض الفني، فإنّ المخطط الشكلي في سورية يأتي في المرتبة الأولي، وبعدها يؤسس نص مسرحي يتناسب ومقاييس المخطط الشكلي. هذه العملية العكسية هي التي قادت المسرح العربي عامة والمسرح السوري بشكل خاص إلي الشكلانية.الشكلانية هنا هي افتقاد المضمون الإنساني والاجتماعي، وافتقاد حالة التواصل مع الجمهور، ففرغت الصالة وأصبح المسرحيون يَعرضون أمام رفاقهم المسرحيين. وأنا اعترف أنّ المسرح السوري اليوم يقدّم أشكالاً جميلة لم يكن جيل السبعينات قادراً علي تقديم مثلها. إنها عملية مُبدعة في الأشكال، ولكنها تفتقد المضمون. اليوم يخلو المسرح العربي من المضمون .بعد هذا يعود الأستاذ فرحان ليتطرّق لقضية الهواة، التي عمل الكثيرون وعلي رأسهم نضال صوّاف ـ زيناتي قدسية ـ د. نبيل حفار بحضوره الهام علي محاولة إنقاذه، فالأستاذ فرحان يري أنّ خسارة الكتاب والمخرجين قادت إلي خسارة مهرجان الهواة (وليس وقف دعم وزارة الثقافة المادي للمهرجان، لينطوي تحت مظلة شبيبة الثورة ؟!).ويكمل: مسرح الهواة هو اختراق السائد. هذه هي سمة مسرح الهواة في العالم، وليس فقط في سورية. ومسرح الهواة هو كل عرض لا ينطوي تحت أجنحة مؤسسة رسمية تفرض شروطها عليه. ومن هنا لا شرط علي مسرح الهواة سوي الإبداع .يري الأستاذ فرحان أنّ هذا الشكل المسرحي الحرّ قد انتهي، والفشل المسرحي عموماً عائد إلي الظروف القائمة في الوطن العربي والتي قادت الإنسان في هذه البلاد إلي افتقاد كل إيمان سوي بالهزيمة. فالناس اليوم، وخاصة الشباب يبدون منصرفين عن وطنهم إلا أن السبب، نحن الكبار الذين لم نأخذ بيدهم، ولم نقدم لهم مسرحاً يربطهم بنا. فالقلائل الذين قاوموا الإغراءات الخارجية، وخاصة الشاشة الصغيرة، وبقوا مرتبطين بالمسرح ضعفت إمكاناتهم، وانجرفت جهودهم مع تيار اليأس، فابتعد الشباب بعد هذه القطيعة.. .بعد هذا العرض الذي حاول الأستاذ فرحان بلبل أن يكون موجزاً، انهي حديثه ببعض التوصيات وهي:1 ـ المسرح أداة جمالية كما هو أداة اجتماعية، وعلي المسرحيين أنفسهم أن يؤمنوا بهذا. والحديث هنا للشباب الهواة.2 ـ من المهم جداً العودة إلي النص المسرحي مهما كانت جنسيته، فافتقادنا للنص المسرحي علي الخشبة أدي الي افتقادنا لتدريب الممثل، فالممثل يتعلم بناء الدور المسرحي من خلال الشخصية المسرحية التي يقدمها النص.3 ـ عودة مسرح الهواة، بالشروط التي ذكرها وهي تسلح الهواة بالعلم والثقافة إلي جانب البحث الدائم عن أشكال اختراق السائد، وامتلاك الحرية والوعي اللازمين لهذا.4 ـ يجب العمل علي تطوير الحركة النقدية المسرحية التي نفتقدها في سورية، فالذي نراه الآن هو متابعات وليس دراسات نقدية حقيقية، وهذا عائد من ناحية إلي ضعف نقادنا، ومن ناحية أخري إلي ضعف عروضنا. 5 ـ ميثاق جمعية المسرحيين السوريين تكون كجبهة لهم.هذه الكلمات ألقاها الأستاذ فرحان أمام عشرين شخصاً كان الحضور، أربعة عشر شاباً وشابة وستة رجال مسرحيين كبار، وكالعادة كان التعليق للمسرحيين بين بعضهم البعض، في حين اكتفي الشباب بالمراقبة مع الشكر الكبير لحضورهم ولو أتي قليلاً.والبداية كانت مع الأستاذ حميد صابر الذي نوّه إلي انعقاد ندوة بحلب دعا فيها الفنان عمر حجو إنشاء جمعية أصدقاء حلب للمسرحيين، وقع فيها ما يشبه الميثاق علي هذا، بحضور الأستاذ عبد الفتاح قلعجي ، وهذا كان منذ الشهر تقريباً.لاحقاً علق الفنان المسرحي الأردني غنام غنام أنّ ما تحدث به الأستاذ فرحان عن مسيرة المسرح السوري مُشابهة لمسيرة المسرح الأردني، وبالتالي الحديث يشمل المسرح العربي بشكل عام. فالأردن لم تعرف تؤرخ للمسرح الحديث إلا في عام (1918) مع عرض صلاح الدين ، الذي أتي رداً عربياً قومياً علي وعد بلفور ـ 1917 . والأردن في ذلك التاريخ لم تكن تملك كيانها السياسي المستقل بعد، بل كانت جزءاً مما يعرف بـ سورية الكبري: الأردن ـ فلسطين ـ سورية ـ لبنان . ومن هنا أكدّ الأستاذ غنام علي مقولة الأستاذ فرحان بأنّ منطلق المسرح هو الحاجة السياسية الاجتماعية. لاحقاً غدا شكل توسل سياسي للمثقفين المسرحيين، وخاصة مع النهوض الحقيقي السياسي والاجتماعي حيث توحّد المثقفون مع الهم القومي. ولكن بعد فشل المشروع النهضوي القومي حدث الانفصال، وفي الثمانينات أصبح البناء الثقافي للمسرح منفصلاً عن المهمة الاجتماعية السياسية للمسرح.وختم الأستاذ غنام حديثه بالقول انّ مرحلة السبعينات شهدت اهتماماً بالمضمون المسرحي علي حساب الشكل الفني، لتشهد الثمانينات سيطرة العملية العكسية، وهنا دعا غنام إلي خلق التوازن اللازم لتنمية الذائقة الجمالية وتدريبها كسلاح أنظم في صياغة الوجدان العربي للجماهير التي تواجه التحديات.الملاحظة الختامية كانت حول رؤية المسرحيين للنقد بشكل ينأي بهم عن الحالة السياسية والاجتماعية، فالمسرحيون أنفسهم يتحملون المسؤولية في انفضاض الجمهور عن المسرح عبر نقد الآخر دون نقد الذات!!وفي ختام حديثنا نتساءل، هل عبّر المسرح عن حاجة اجتماعية سياسية أم أنه خلق هذه الحاجة أولاً وعبر عنها لاحقاً؟! كما نتساءل إلي أية درجة لعب مشروع التأصيل للمسرح العربي، بما شهده من عودة مندفعة بلا أية موضوعية للتراث العربي دوراً في التراجع المسرحي الذي نشهده، كما نتساءل عن دور المؤسسات الرسمية والإعلام السوري في هذا التراجع؟!فمع كل الممنوعات التي ترزح البلاد تحت وطأتها، ومع اهتمام الإعلام بأنواع العلكة والمنظفات وأخبار علي الديك ، ومع الرعاية المالية من المؤسسات الرسمية لنوعية عروض لا تقترب من الجسد والمرأة أو الدين أو السياسة حفاظاً منها علي الأمن والأخلاق العامة، ومنعاً من نشر البلبلة، ولضمان الوعي الفكري العربي، ضمن كل هذه المنظومة من الشروط الاستثنائية إلي أية درجة يستطيع الهواة أن يقدموا شيئاً مغايراً ؟!أما النص، فأظن أنه يكفي أن نري نصاً جديداً مغايراً لحلم ليلة صيف و هاملت أو المعطف ، فقط دعونا نخرج عن نصوصنا المحددة، التي تؤمن بحدودها مجمل الشروط الأمنية والأخلاقية السابقة، إلي جانب ميزاتها الفنية. دعونا نبحث عن التغريب أبعد من اللافتة والأغنية، ونذهب عميقاً في مدرسة ستانسلافسكي . ليس الخطأ من المسرحيين فقط، بل هو من الترجمة حتي الإخراج ودفع الأجور… وللتأكيد علي هذا نتساءل إلي أي مدي اهتمّ إعلامنا الرسمي أو الخاص بدعم وتأمين الدعاية اللازمة لمشروع هام كمهرجان الهواة المسرحي الأول بدمشق؟!0