المواجهة بين السودان والولايات المتحدة في اقليم دارفور

حجم الخط
0

المواجهة بين السودان والولايات المتحدة في اقليم دارفور

المواجهة بين السودان والولايات المتحدة في اقليم دارفورد. يوسف نور عوض ركز الرئيس السوداني عمر حسن البشير البشير معظم خطابه الذي ألقاه في مؤتمر الاعلاميين السودانيين العاملين في الخارج علي الوضع في دارفور ومشروع القرار الأمريكي البريطاني بارسال قوات أممية الي الاقليم لتحل محل قوات الاتحاد الأفريقي، وكان موقف الرئيس السوداني واضحا في أن الحكومة لن تسمح لقوات الامم المتحدة بالقدوم الي دارفور تحت الفصل السابع الذي يخولها سلطات تتجاوز بها سلطات الحكومة السودانية اعتقادا منها ان مجيء هذه القوات الي الاقليم يعني اقتطاعه بشكل كامل من سلطة الدولة، وقال الرئيس السوداني انه مطلع علي خطط لتقسيم العالم العربي الي دويلات وكنتونات صغيرة وذلك من وجهة نظره ما تخطط له الحكومة الأمريكية وتحاول تنفيذه من خلال هيئة الأمم المتحدة.ونستطيع في ضوء ما ذكره الرئيس البشير أن نري أن الولايات المتحدة تخطط لعودة الاستعمار العسكري الي منطقة الشرق الأوسط الذي اصبحت بعض أجزائه بالفعل تحت سيطرة عسكرية أمريكية كما هو الشأن في أفغانستان والعراق وما هو جار في لبنان وعلي الحدود السورية ناهيك بوجود قوات أممية في سيناء وجنوب السودان تحت نفوذ أمريكي بالاضافة الي تخطيط للسيطرة علي غرب السودان من خلال القوات الأممية تمهيدا لتجزئة البلاد الي مجموعة من الدويلات المتناحرة والمتصارعة عرقيا، وقد ركز الرئيس البشير علي أن الولايات المتحدة عملت بعد الحرب الباردة علي تحييد أوروبا وبسط نفوذها في الشرق الأقصي، ويفسر ذلك تركيزها المستمر علي كوريا الشمالية الخارجة علي نفوذها وأيضا تركيزها علي وضع الشرق الأوسط ضمن دائرة نفوذها المباشر او غير المباشر بواسطة الأمم المتحدة.ولا نريد أن نزعم ان الولايات المتحدة في وضع عسكري وسياسي يسمح لها بتنفيذ ما تريد ـ كما يدعي ـ الكثيرون ومن بينهم حكومات عربية تحاول اقناع شعوبها بأن الادارة الأمريكية لا راد لها. وذلك محض خيال وافتراء بكوننا نري الولايات المتحدة تقف عاجزة أمام المقاومة القوية التي تواجه بها من جيرانها في الجنوب حيث يقف بعض القادة ومنهم هوغو تشافيز وفيدل كاسترو مواقف التحدي من السياسات الأمريكية وتلك مواقف لا نجد لها نظيرا في الشرق الأوسط حيث توجد نظم سياسية غير راغبة في انتهاج سياسة التحدي والمواجهة ومستعدة لخدمة المصالح الأمريكية والاسرائيلية حتي لو كان ذلك علي حساب مصالح شعوبها دون ادراك لأن واشنطن لن تعمل علي تقويتها بكون أهدافها في المنطقة ترتكز علي اضعاف النفوذ العربي الاسلامي، وذلك هدف رئيسي عند الادارات الأمريكية المتعاقبة بعد الحرب الباردة.ولا نريد أن نرسم من خلال ذلك استراتيجية لمواجهة هذا الواقع لأن هذا ليس شأننا ولأن معظم الدول في المنطقة العربية لا تريد مواجهة وهي راضية بتحالفها مع النفوذ الأمريكي الاسرائيلي وعلي استعداد لأن تتحمل الخسائر اذا كان ذلك سيوفر عليها الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة، وقد ظهر ذلك جليا خلال حرب لبنان الأخيرة حيث وقفت الدول العربية تتفرج علي دولة عربية عضو في الجامعة العربية وهي تخضع لعملية تدمير شاملة يقوم بها الجيش الاسرائيلي، وعندما تصدي لبنان وانتصر في مواجهته معتمدا علي قدراته الخاصة بدأت بعض الدول تتظاهر بتغيير مواقفها كما عرضت اسرائيل رغبة في مواصلة المباحثات مع سورية والهدف في النهاية هو فك الارتباط بين سورية وايران. ولا شك أن المحاولة الاسرائيلية واحدة من المحاولات الخائبة التي تدل علي سذاجة سياسية بكونها تتفادي الاجابة علي الوضع السياسي المعقد في الشرق الأوسط وتغامر بأعمال تتطلب مجهودات كبيرة بينما يمكن حل المشكلات بوسائل أكثر سهولة اذا كانت هناك اصلا نية لحل المشكلات.وفي هذا الاطار نري أن الولايات المتحدة لم تقدر سياستها في السودان علي اسس سليمة ذلك أن ما تريد تحقيقه في هذا البلد لا يتعلق بالسودان وحده بل يأتي في اطار الاستراتيجية الأمريكية الاسرائيلية الشاملة في الشرق الأوسط والتي تستهدف اضعاف الدول العربية من خلال تحريك الصراعات والتجزئة وهي استراتيجية لا تستثني مصر التي تؤجل الولايات المتحدة المواجهة الشاملة معها في الوقت الحاضر ولكنها تمهد للحظة الحسم في المستقبل القريب. ويبدو في ضوء ذلك أن مخطط تقسيم السودان لا ينفصل عن مخطط اضعاف مصر الذي يأتي في ضوء استراتيجية التقسيم الشاملة حيث ذكر الرئيس السوداني أن الولايات المتحدة تخطط لتقسيم مصر الي ثلاث دول واحدة للنوبة وأخري للأقباط وثالثة لباقي المصريين. ولا شك أن الأمريكيين يعلمون أن حياة مصر تعتمد علي مياه النيل وبالتالي فان خلق كيانات متصارعة ومتناحرة في السودان يؤدي في نهاية الأمر الي اضعاف الدولة المصرية خاصة أن الاطار المرسوم لدويلات السودان القادمة هو اطار عرقي وعنصري، بعد أن تبين جليا أن عمليات السلام الجارية في جنوب السودان وغربه والتي دعمتها الولايات المتحدة لا تستهدف في نهاية الأمر فض النزاعات وعيش الجميع في سلام بل هدفها خلق كيانات مستقلة تتنافس مع بعضها بعضا بطرق سلبية ويأتي في اطار ذلك موضوع ارسال قوات أممية الي اقليم دارفور اذ نري في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس السوداني أن حكومته لن تقبل ارسال تلك القوات فان قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب وقادة الفصائل في اقليم دارفور لا يمانعون في مجيء تلك القوات بل ان بعض القادة المعارضين أيضا في الشمال مثل علي محمود حسنين من الحزب الاتحادي الديمقراطي يبرر مجيئها تحت غطاء عربي واسلامي والهدف في النهاية هو احراج حكومة الانقاذ وادخالها في مواجهة مع المجتمع الدولي من أجل تحقيق أهداف سياسية دون النظر الي عواقب ذلك علي المستوي الوطني الشامل.ولا شك أن مجيء قوات أممية الي اقليم دارفور تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة هو انتهاك صارخ لسيادة السودان بكون هذه القوات لن تحل المشكلات بقدر ما تزعزع الأمن والاستقرار في البلاد بسبب ما تمتلكه من تفويض وصلاحيات كبيرة. خاصة أن هذه القوات تأتي في اطار ضغط أمريكي واستراتيجية تستهدف تصفية حسابات قديمة مع الحكومة السودانية. وربما أخطأ النظام السوداني في بادئ الأمر عندما قدم تنازلات للادارة الأمريكية بدعوي أن ذلك يحقق في الوقت ذاته مكاسب وطنية ولم يتنبه النظام الي أن الولايات المتحدة تعمل في اطار استراتيجية شاملة بعضها موجه نحو النظام الاسلامي في السودان وبعضها موجه نحو مصر.وعلي الرغم من كل ذلك نري أن السودان يطرب لخطاب التحدي وهو أمر تلح عليه الحكومة السودانية ولكن السؤال المهم هو هل يستطيع السودان حقا أن يصمد في مواجهة هذا التحدي؟ذلك بالطبع يعتمد علي عوامل كثيرة منها موقف الجيش والشرطة وتكويناتهما الجهوية وأيضا مواقف الحركات المعارضة سواء منها المتصالحة مع الحكومة في الجنوب والغرب أو المواقف الشعبية والحزبية التي تري في الموقف كله فرصة للتخلص من حالة الفقر التي تعيش فيها أعداد كبيرة من أفراد الشعب السوداني تري الثروات وقد اصبحت مركزة في ايدي قلة من رجال السلطة بينما الآلاف من خريجي ثلاثين جامعة يهيمون في الشوارع ويعملون سائقين لسيارات التاكسي والحافلات ولا أمل لهم في مستقبل يحقق طموحاتهم. ونعرف أن هذه الأغلبية الصامتة في الوقت الحاضر لن تكون صامتة الي الأبد وذلك ما يطرح تساؤلات مهمة، هل الظروف التي أتت بها الي السلطة ما زالت قائمة؟ وهل الشعارات التي رددتها في بياناتها الأولي ما زالت قابلة للتحقيق؟ وبدون الاجابة بصورة موضوعية علي مثل هذه الاسئلة واتخاذ موقف وطني شامل منها فان الشعارات وخطابات التحدي لن تكون مجدية خاصة أن السودان يواجه قوي كبري تتآمر عليه وهناك من بين أبنائه من لهم مصالح في التحالف مع هذه القوي الأجنبية، وبالتالي فاننا ننتهي الي أن المواجهة في دارفور لا تقتصر علي شكلها الظاهر الذي هو مجيء قوات أجنبية تذكر بعهد الاستعمار القديم بكونها في جوهرها تمثل التحدي الحقيقي أمام شعب السودان في أن يؤسس دولة متحدة علي اساس حديث أو أن تتفكك البلاد لتصبح دويلات بينها من المشاكل أكثر مما بينها من الانسجام ومواطن اللقاء، ولا ننكر أن هناك ظروفا عملية أدت الي هذا الواقع الذي فرضته ظروف تاريخية وليس من الانصاف تحميل أي جهة المسؤولية كاملة ولكن ذلك لا ينفي المسؤولية عند الذين بيدهم السلطة والذين يجب عليهم أن يبحثوا عن الخيار الأفضل من أجل ايجاد الحل الذي لن يكون بأي حال من الأحوال حلا ثنائيا. كما درجت عليه الحكومة في مباحثات الجنوب والغرب. ويجب هنا علي الحكومة السودانية أن تفكر في استراتيجية شاملة للخروج من مأزق دارفور ليس فقط من أجل مواجهة الموقف الأمريكي بل من أجل ايجاد مخرج لمشكلات السودان كلها. كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية