اذا ما قُدر للانتخابات اليمنية ان تتم: الحسم عند فوهة الصندوق!
عارف أبو حاتماذا ما قُدر للانتخابات اليمنية ان تتم: الحسم عند فوهة الصندوق! عند الثامنة من صباح العشرين من أيلول/سبتمبر القادم ستندلع شراره الديمقراطية من فوهة الصندوق … هذا التعبير العسكري أجده ـ أنا المدني ـ أقرب الي ما سيحدث، في الانتخابات الرئاسية اليمنية اذا ما قُدر لها أن تتم!!فبلاد السعيد ستشهد تجربة ديمقراطية ـ في تقديري ـ هي الثانية من نوعها عربياً بعد تجربة لبنان، من حيث جدية المنافسة ، اذ يتنافس علي منصب رئاسة الجمهورية خمسة مرشحين أبرزهم مرشح المؤتمر الشعبي العام علي عبدالله صالح، وفيصل بن شملان مرشح تكتل اللقاء المشترك (المعارض)، وما يزيد جذوة الديمقراطية اشتعالاً، أن هذه هي المرة، الأولي التي يتقابل فيها حزب الاصلاح الاسلامي المعارض مع الرئيس صالح وجهاً لوجه، بعد تحالفات استراتيجية دامت لأكثر من ربع قرن.فبعد خروج الحزب الاشتراكي اليمني من السلطة عقب حرب صيف 1994، وتبعه التجمع اليمني للاصلاح قبيل الانتخابات البرلمانية في نيسان (ابريل) 1997 تفرد المؤتمر الشعبي العام بالسلطة باعتباره صاحب أغلبية برلمانية مريحة.السياسة ذات الأبواب المشرعة لكل الاحتمالات، جعلت خصوم الأمس الاشتراكيين، هم الحليف الأقوي لحزب الاصلاح الاسلامي المعارض، فما فرقته الأيديولوجيات، جمعته المصالح، وربما المصائب، وفكرة الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني جار الله عمر قُدر لها أن تنجح، فهو (المهندس الفعلي) لفكرة ضم أحزاب المعارضة اليمنية الفاعلة في تجمع سياسي سمي بـ(اللقاء المشترك)، لكي تقوي شكيمتها، وتزداد صلابة في مواجهة تحديات الواقع، وضغوط واغراءات السلطة، حيث ضم (اللقاء المشترك) كلا من التجمع اليمني للاصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الناصري، وحزب البعث العربي (انسحب مؤخراً)، واتحاد القوي الشعبية، وحزب الحق، وهي مجتمعة خليط من الايديولوجيات الاسلامية واليسارية والقومية، لذلك من المنطقي أن يكون مرشحها للرئاسة خالياً من الايديولوجيات الثلاث!!. بذور أزمة!!أدت المهاترات والشتائم والتهم المتبادلة بين المؤتمر الحاكم وأحزاب اللقاء المشترك منذ شباط (فبراير) 2005 الي الموافقة المبدئية علي الجلوس الي طاولة الحوار، التي خلصت الي التوقيع علي صيغة (اتفاق المبادئ) بين الطرفين في (18) حزيران (يونيو) الماضي، والتي تضمنت اثني عشر بندا أهمها اضافة عضوين من المعارضة الي اللجنة العليا للانتخابات المكونة من (7) أعضاء، تحقيقاً للتوازن بين الفرقاء، وقد كان ذلك، وبنداً آخر يلزم بأن تشكل لجنة الانتخابات في الدورات المقبلة من القضاة، ثم بنوداً أخري تلزم بتحييد كل من المؤسستين العسكرية والأمنية، والمال العام، والاعلام الرسمي، اضافة الي البند الثالث المعطل والخاص بتشكيل فريق قانوني من الطرفين لتنقية وتنقيح السجل الانتخابي من الأسماء الوهمية والمكررة وصغار السن (يقدرها المؤتمر بـ63 ألف حالة، وتقدرها المعارضة 800 ألف حالة)، وتقديمها الي القضاء، وهو ما لم يحدث حتي الآن، بسبب عدم تمكن القانونيين من تسلم السجل الانتخابي.لكن (اتفاق المبادئ) كان هو المجني عليه في كل الأحوال، فالاتهامات لم تتوقف بين الطرفين، فـ المشترك ـ مثلاً ـ يتهم السلطة باخفاء (900) مليار ريال، ما يعادل (4.5 مليار دولار)، من الموازنة العامة للدولة، منها (500) مليار ريال كفوارق أسعار النفط، و(400) مليار ريال، أدرجت في الموازنة كبنود وهمية، وهو ما نفته وزارة المالية جملة وتفصيلا، بل وطالبت باثباته، في حين يتهم المؤتمر الحاكم خصمه السياسي، المشترك بخرق (اتفاق المبادئ) من خلال الدفع بآلاف الأطفال الي التسجيل في الانتخابات، وتوجيه الشتائم الي اللجنة العليا، وعدم الوفاء بتخصيص 15% من حصته للنساء.مرشح الفرقاءحاول اللقاء المشترك أن يكون مرشحه الرئاسي شخصية جامعة للفرقاء، بمختلف توجهاتهم الاسلامية والقومية واليسارية، فهو من حيث الانتماء السياسي مستقل، لم ينتمي لحزب أو جماعة في السابق، وان كان أقرب من حيث التوجه الي (الاخوان المسلمين)، فأحزاب المشترك حسب طرحها تريد رئيساً لدولة، لا رئيساً لحزب، وحسب التوزيع الجغرافي فان المرشح الرئاسي (بن شملان) من محافظة حضرموت الشرقية (الشطر الجنوبي سابقا)، وهي أغني المحافظات اليمنية، وأكثرها انتاجا للنفط، وأوسعها مساحة (قرابة ثلث اليمن)، ودلالة ذلك توجه أحزاب المشترك لاغلاق المحافظات الجنوبية والشرقية في وجه الرئيس صالح، وهو رهان غير مضمون، نظرا لتعمد صالح في احالة عددٍ من المشاريع التنموية والخدمية الي هذه المحافظات، حتي غدت أفضل حالاً من غيرها من المحافظات الغربية والشمالية.وجاء ـ أيضا ـ اختيار أحزاب اللقاء المشترك لـ (فيصل بن شملان) كرجل بالغ في النزاهة والزهد، حيث قدم استقالته من وزارة النفط في 1997 احتجاجاً علي عدم تنفيذ تصوراته للعمل، تاركاً سيارته الرسمية في فناء الوزارة، وفي 2003 استقال من البرلمان احتجاجاً علي تمديد المجلس لنفسه سنتين اضافيتين، الا أن بن شملان المفرط في النزاهة، أفرط أيضا في التشاؤم، واعتبر (أن النظام الحالي وضع مستقبل اليمن علي الهاوية، وعدم التغيير من خلال الانتخابات القادمة يعني الوقوع في قعر تلك الهاوية، والغاء أي أمل في النهوض والتطور). المشترك الذي يؤكد توفقه في اختيار مرشحه للرئاسة لا يتواني في القوال ان المرشح المنافس يعمل علي خدمته من حيث لا يعلم، ففساد حكومة المؤتمر، وسوء تصرفات بعض حاشية (صالح) يعملان لحساب مرشح المشترك، أو هكذا يتصورون.وتأخذ السلطة علي مرشح المعارضة الرئاسي علاقته بالسفارة الأمريكية بصنعاء، حيث زار بن شملان سفارة واشنطن بعد ساعةٍ من حصوله علي تزكية البرلمان، في (24 تموز/يوليو) الماضي، وكان اللقاء الثاني في (19 اب/أغسطس) الجاري، واللافت أن الزيارتين جاءتا بناءً علي طلب من سفارة واشنطن!!وتعززت شكوك السلطة بعلاقة بن شملان بالأمريكان، عندما قال السفير الأمريكي توماس كراجكسي : نأمل أن تجري في اليمن انتخابات حرة ونزيهة، بعيدةً عن التهديدات ، وهو ما فُهم علي أنه رد علي تهديد صالح لشخصيات في المشترك ـ لم يسمها ـ بفتح ملفاتها!!مرشحان.. وصندوققدم مرشح المشترك المهندس فيصل بن شملان (70 عاما)، نفسه للجمهور اليمني الذي لم يكن يعرف عنه الكثير، كخبير اقتصادي وصاحب نظريات في اقتصاديات النفط، يسعي لتوظيفها اجتماعيا من خلال رفع رواتب الموظفين، وتشجيع الصناعات والاستثمارات الصغيرة، وتمكين المحافظات من الاستفادة من عائداتها المحلية، في اعادة اعمار البنية التحتية، وخفض الضرائب وتخصيص ميزانية صغيرة معلنة للرئاسة، مع تأكيده المستمر بأن النفط مورد سيادي للدولة، وليس محليا للمحافظة.أما مرشح المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) علي عبد الله صالح فقد بدأت دعايته الانتخابية منذ وقت مبكر، في مختلف وسائل الاعلام الرسمية والتابعة لحزبه، رغم مطالبة المعارضة للجنة العليا للانتخابات، بتحييد الاعلام الرسمي، وقدمت نماذج للخروقات التي نشرت كدعاية لصالح، وهددت بالاعتصام أمام القناة الفضائية اليمنية، لكن لجنة الانتخابات لم تلتفت لتلك المطالب، باعتبار أن الاعلام الرسمي يتعاطي مع أخبار وخطابات صالح بصفته رئيس الدولة، وليس بصفته مرشح المؤتمر.صالح الذي لم يحتج الي مزيدٍ من الجهد والعمل في تقديم نفسه، يجد صعوبة في اقناع الناس بنزاهة الحكومة، نظراً لضراوة الحملة المضادة من قبل اعلام المعارضة، فالبرنامج الشامل للاصلاح المالي والاداري والاصلاحات الاقتصادية، ورفع الدعم عن المشتقات النفطية، أدت جميعها الي ارتفاع مهول في جميع السلع الخدمية، الأمر الذي مكن المعارضة من قرع طبول الاستنفار، وتعبئة الشارع اليمني ضد حكومة المؤتمر، ووصفها بأنها فاسدة .وهذا ما يفسره تدشين الحملة الانتخابية لصالح باعلانات منتشرة في شوارع العاصمة، وعدد من الصحف اليمنية من قبيل: (لا تهاون مع أي فاسد، اليمن أغلي، سنستأصل الفاسدين)، وهي اعلانات مدفوعة الأجر من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد التي يرأسها علي محمد الآنسي مدير مكتب رئاسة الجمهورية.ويعتمد صالح في دعايته الانتخابية علي شخصيات حكومية وقبلية ذات نفوذٍ واسع، تم جدولة توزيعها علي عموم المحافظات اليمنية، اضافة الي اعتماده علي رصيده الوطني، وما تم انجازه خلال فترة حكمه الممتدة لقرابة ثلاثة عقود، وما تحقق فيها من انجازات أهمها اعادة تحــــقيق الوحدة اليمنية في ايار (مايو) 1990 والدفاع عن الوحدة في حرب صيف 1994، ومكافحة الارهاب بطرق سلمية، وترسيم الحدود مع الجارتين: عمان والسعودية، واخماد نيران الاحتراب الداخلي في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، ومحاولة الدفع بعجلة الاقتصاد والتنمية الي الأمام، اعتماداً علي السوق المفتوحة، وجلب عدد من الاستثمارات الأجنبية الي الداخل، وارساء العمل المؤسسي، وتبني وتشجيع التجربة الديمقراطية.المعركة الاقتصادية!!وكدليل علي تدهور الوضع الاقتصادي تطرح المعارضة اليمنية أن العام 1978 الذي جاء فيه صالح الي الحكم كان سعر الريال اليمني حوالي (4) دولارات أمريكية، بينما سعر الدولار اليوم يعادل (200) ريال.هذا الطرح لا تقابله اشارة الي أن ارتفاع سعر العملة لا يمثل تفوقاً اقتصاديا، فالصين واليابان تصران علي خفض سعر عملتيهما مقابل الدولار الأمريكي، وان كان السبـــب لتصدير منتجاتهما الصناعية .وفي الحالة اليمنية هناك عوامل ثلاثة أثرت علي اقتصادها، أولها، وقبل كل شيء الفساد المالي والاداري الذي تقدره منظمة برلمانيون عرب ضد الفساد بمليارات الدولارات سنوياً.وثانيها: الرجوع الجماعي لأكثر من مليون مغترب في دول الخليج، عقب الغزو العراقي للكويت في اب (أغسطس) 1990، والذي تسبب بأزمة اقتصادية خانقة لليمن، وافتقار للعملة الصعبة المحولة من المغتربين الي الدخل، وأعقب ذلك ايقاف المساعدات الخليجية التي كانت تصرف كرواتب للجيش والمعلمين وبناء بعض مرافق البنية التحتية، وكذلك توقفت المساعدات الأمريكية لليمن، المتمثلة بمائة مليون دولار وخمسين ألف طن من القمح سنوياً، وجاءت الشركات الأهلية الخاصة التي أدارها شباب غير مؤهلين من حزب الاصلاح لتمثل الطعنة الأكثر ايلاماً، حيث قامت شركات مثل (المنقذ، والثمار، والسنابل، والنور) بفتح باب الاكتتاب وبيع الأسهم للناس العاديين، فتقدم كل معسرٍ وميسرٍ بما لديه من مدخرات، وحصلوا علي أرباح كبيرة ومغرية في السنتين الأوليين، ثم غابت الشركات ومعها مدخرات الناس حتي اليوم.. فصاح الجميع في وجه حزب الاصلاح الاسلامي: (حتي أنت يا بروتس)!!وتمثل ثالث العوامل بالديون والقروض التي بلغت خمسة مليارات ونصف المليار دولار في العام 2006 بعد اعفاء اليمن من قرابة نصف ديونها في نادي باريس للمانحين، واسقاط روسيا لمديونية اليمن المقدرة بملياري دولار.مضافاً لكل ذلك تضرر الاقتصاد اليمني من الأعمال الارهابية التي قامت بها عناصر من القاعدة، كتفجير المدمرة الأمريكية ( يو.اس.اس.كول) بعدن في تشرين الاول (أكتوبر) 2000، وناقلة النفط الفرنسية (ليمبورغ) بحضرموت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002.أو التأثير المباشر علي السياحة، وذلك باختطاف سياح أجانب من قبل عناصر قبلية علي خلفيات اجتماعية، أو مطالبة الدولة بمشاريع تنموية وخدمية، وكان أفدح هذه الاختطافات مآسي ما حدث عام 1998 من قتل لمجموعة من السياح البريطانيين علي يد جماعة متطرفة بمحافظة أبين. التكهن الموجه!!تباينت نتائج الاستبيانات التي نفذتها عدد من الصحف ومواقع الأخبار الالكترونية اليمنية، وان اجتمعت علي شيءٍ واحد، أُخذ بالبديهة، وهو أن المنافسة الجادة ستكون بين مرشح المؤتمر علي عبد الله صالح، ومرشح اللقاء المشترك المعارض فيصل بن شملان، أما بقية المرشحين الثلاثة فهم صور كاريكاتورية وضعت للمناكفات السياسية، لا لشيء آخر، فالمرشح أحمد عبدالله المجيدي عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، خرج عن صف حزبه المنضوي في تكتل المشترك ، ورشح نفسه بدعم وتزكية من برلمانيي الحزب الحاكم، أما المرشح ياسين عبده سعيد ـ وهو موظف حكومي ـ فتقدم مرشحاً باسم أحزاب المجلس الأعلي للمعارضة الذي يضم اثني عشر حزباً هشاً، ليس لها وجود أو أثر، ولا يمثلها مجتمعة نائب واحد في البرلمان، وتمت تزكية هذا المرشح من قبل الحزب الحاكم رغبة في مزيد من التشتيت لاصوات المشترك.في حين كان الدكتور فتحي العزب رئيس قطاع الطلاب في حزب الاصلاح هو المرشح الثالث وتمت تزكيته من قبل كتلة المشترك البرلمانية لسببين: الأول رغبة في الحصول علي (25) مليون ريال، المقرة برلمانياً دعماً لكل مرشح، السبب الآخر رغبة في الحصول علي أكبر عدد من الممثلين عن المرشحين، أثناء عمليتي الاقتراع والفرز، رغم أن عدداً من السياسيين قرأ في ترشيح العزب عدم ثقة لدي الاصلاح في بقية الشركاء داخل المشترك . الاستبيانات التي تحدثنا عنها لم تكن موضوعية بقدر ما كانت رسائل سياسية، في أغلبها ذات طابع استفزازي، لأن من نفذها هو صحف ومواقع اما موالية للحاكم، أو معارضة له، لذا نجد أن نتائجها تراوحت بين أعطاء صالح فرصة في الفوز بنسب ثمانينية، ولمنافسه بن شملان نسب لا تتعدي الـ10%، أو العكس!!باستثناء نتائج الاستطلاع الذي نفذه المركز اليمني لقياس الرأي العام، الذي يترأسه حافظ البكاري أمين عام نقابة الصحافيين اليمنيين، حيث أعطي لصالح فرصة في الفوز بنسبة (57%)، أما مرشح المشترك فلم يكن أعلن عنه حينها.ہ كاتب وصحافي من اليمن[email protected]