تطور مضامين الأدب الفلسطيني: خالد جمعة نموذجا
نادية عيلبونيتطور مضامين الأدب الفلسطيني: خالد جمعة نموذجا عادة ما تلجأ الشعوب التي تقع تحت قبضة احتلال غاشم يستهدف محو وجودها، إلي التمسك بثقافتها وكافة أشكال إبداعاتها، كحصن أخير في معركة الدفاع عن هويتها. ولعل الهوية الفلسطينية التي تعرضت لكافة أشكال المحو والتغييب،لا تشذ عن هذا المعطي التاريخي الذي يبدو بديهيا من الوجهة العلمية للاجتماع البشري. فقد لعبت الثقافة والأدب الفلسطيني وكافة أشكال الإبداع الأخري دورا متميزا في إعادة بلورة الشخصية الفلسطينية.الانتاج الإبداعي الفلسطيني هو إضافة إلي ذلك، تعبير عن محصلة ثقـــافية تقاس علي أساسه قدرة هذا المجتمع علي التجدد والحـــياة علي الرغــم من كثرة المعيقات والتحديات.هناك بلا شك الكثير من الرموز الإبداعية الفلسطينية التي تصدت من خلال أعمالها للدفاع عن الهوية الثقافية الفلسطينية. هذه الرموز مثلها جيل الرواد الأوائل كالروائي اميل حبيبي والشاعر شكيب جهشان والشاعر محمود درويش و سميح القاسم و فدوي طوقان إلي آخر ما هناك من أسماء تناول أعمالها النقاد بمزيد من الدرس والتمحيص. إلا أن الملاحظ أن الحركة الأدبية والإبداعية الفلسطينية عموما لم تتوقف، ولم ينحسر دورها عند ما يمكن تسميته بجيل الرواد الأوائل، بل تواصلت مع فارق أن النقاد لم يولوا تلك الأهمية للجيل الجديد من الأدباء والشعراء الفلسطينيين علي الرغم من التطور الكبير الذي طرأ علي أشكال ومضامين هذا الإبداع. وربما تكون محاولتنا تلك في تناول بعض أعمال الجيل الثاني في حقل الشعر والأدب دعوة للنقاد للاهتمام اكثر فأكثر بتطور الحركة الأدبية بمختلف مساراتها في فلسطين المحتلة عام 48 او في فلسطين المحتلة عام الـ67.خالد جمعة الذي ينتمي إلي مدينة غزة هو شاعر وأديب معروف بانتاجه في عديد المستويات الأدبية كقصيدة النثر والنص المسرحي والأغنية وكتابة قصص الأطفال. كما أنه ينتمي إلي الجيل الثاني من الأدباء الفلسطينيين الذين حملوا في مضامينهم الإبداعية رؤي جديدة في الكثير من جوانبها، سواء تلك المتعلقة بالوطن أو الأخري التي تتناول جوانب الحياة المختلفة، متجاوزا الشروط القاسية التي فرضت علي تلك المدينة التي عانت طويلا، ولا تزال، من حالات الحصار والعزل عن محيطها وعن العالم، والتي شبهها كل من زارها بالسجن الكبير.قصيدة الوزن والنثر: والخروجعن الصورة النمطية لمفهوم الوطن:لعل أول ما يلفت في كافة أعمال خالد جمعة وخصوصا الشعرية منها، هو كسره الصورة النمطية للوطن : والتي عودنا عليها الأدب الفلسطيني في مراحل سابقة. ولعل مضامين ما تناوله الشاعر سواء في قصيدة النثر أو الشعر الموزون، الذي مثل بدايات انتاجه، تكاد تكون تمردا علي الموروث الثقافي.. يتجلي هذا في تناوله لموضوع الحرية بكل فضاءاته المفتوحة. فنراه يخرج بالوطن بمعناه الطوباوي السائد كفكرة مجردة ومقدسة، إلي المعني الذي يكاد يكون منسيا من حياة الفلسطيني. الوطن بما هو المكان الأول الذي يحمل معه كل بديهيات الحياة المباشرة والبسيطة في كل زمان ومكان. أي المكان الذي يتيح للإنسان إمكانية التفتح والتعبير الحر عن حاجاته الطبيعية. يبدو ذلك في قصائده العامودية الأولي كما يبدو في قصيدة النثر:وطني بلا همس الصبايا والندي وبدون شمس أو رياح تصفر وطـني بلا طعـــم ولا لــــون ولا عنب، ولا وطـن، ولا يتغـــيروهذا لا يعني في مطلق الأحوال أن حال التمرد علي الظلم والقهر الذي عايشه الشاعر الفلسطيني قد تبدد بل ربما وبحسب الشاعر لا تحتمل التطرق لها لشدة وضوحها : لماذا علي أن أكتب وجعا يشهد لي..؟الأمكنة تقف علي قدمي، وقدماي لا تقفان عل لغةوهو في سجنه الكبير الذي فرض عليه كما فرض علي سكان مدينته، بات أكثر شوقا للتعرف إلي كافة أشكال الحرية الإنسانية :أعشق تدمير الثوابت يا ربي لن يحتويك القلب إذا لم تنسفيإن ردني الصبح العنيد أشــقه إني بفجــر العاشــــقين مطالــــب الروح ذاتها نجدها أيضا لدي جمعة في قصيدة النثر في ديوانه لذلك :تتلمذت علي يدي البحوركل ميزان حاول صياغة روحي:كسرتهعشقت الاختلاف الكبير الذي بينناوكأن الشاعر يعلن تمرده علي حالة التماهي مع الأنا الجمعية، بما هي رد فعل غريزية لمواجهة المحتل التي فرضها المحتل، ذلك التماهي الذي ينال من هوية الفرد ويختزلها لصالح المجموع. والوطن الغائب بالمعني الذي ينشده الشاعر هو الحيز الخاص لهذا الفرد الغائب.هذا ما يمكننا قراءته في قصيدة تداعيات الصمت والسكون :عندما قصفوا هواء الشارعقمت قليلاكي أري حصتي من الهواء لم تداهمها الشظاياتركتهم يدافعون عن هوائهمونمتولا يبدو الشاعر الفلسطيني بعيدا عن امتداداته الأخري الأوسع : الشرق بعمومه.وهذا الشرق علي أية حال، وكما يراه جمعة، ليس أحسن حالا من الحال الفلسطينية: فهو أيضا ممتلئا بالعنف إلي الحد الذي يستخف فيه بكل حاجات الإنسان:ذبيحة تشتاق للذبحالفضاء الذي للشرقمتبلا باختصارات كاملة للروح والجسدثمالبلاد صيغة العشائر الحديثةتطوف علي كلمات التقدم حين يكسرهاقاموس الذين خرجوا إلي ليل أشدالجديد أيضا في مضامين الشاعر الذي ينتمي إلي الجيل الفلسطيني الثاني هو تلك الواقعية المفعمة بالسخرية الممزوجة بالحزن.فنراه ينأي وبشكل واضح عن المضامين الظافرية للخطاب الذي ينقله السياسي مستخفا وساخرا بنغمة ذلك الخطاب. ففي قصيدة أبي من ديوان لا زلت تشبه نفسك يعبر الشاعر عن خيبة أمله، ويبدو وكأنه يخاطب جيل النكبة الأول الذي لا يزال يحمل حلم العودة، يقول مخاطبا أباه:علي طبق من هزيمة :نجيئك محملين بانكسارنا الموزون،بانحسارنا الذي يحمل مبررات كثيرة،ونتخلص علي يديك من مسؤولية الحلم..صدقني، لم نفقد ما علمتنا إياه لأننا لم نفهمهرابط وحدك، قاتل وحدك، احلم وحدكفنحن علي طبق من هزيمة نقدم الانتصارالذي بلا لون لعدو بلا طعم.. البلاد لم تعدتحترم خطوتنا…نعتذرهذا ما ظلت لنا القدرة عليهدواوين جمعة كذلك تأتي محملة بالأسئلة الفلسفية التي تحمل طابعا وجوديا وهي تستقي من مشاهد لعبة الحياة والموت، معاني تفيض بالمفارقات التي تصل حد السخرية من الحياة ذاتها:خطيئة هو الظن أن جواب الموتهو الحياة،جواب الحياة في الموت..خطيئة كذلك..هي العيون الإجابة..هي العيون الأسئلة..أو في قوله من ديوان لذلك :لماذا لديك كل هذا التوازن بينما لا هوة تحتك؟أو في قوله:تسبكني قناعة أن الأشياء خطها قلم رصاص. وأننا جميعا نعشق الممحاةوأي عالم يأتي ولا يذهب: حقا تعرفينالشاعر الذي يري واقعه بكل عيوبه ولا يفوته تحول الظاهرة الدينية في مدينته إلي ما يشبه الهوس الذي يبتلع الطابع الحضاري للمدنية.وفي قصيدة المدينة من ديوان لذلك يقول أسواق المدينة ابتلعت مدينتهاالمصلون جاهروا بفروضهم في حضنمسجديكعّب المسافة نحو الجنة عبر نافذتينضيقيتينأما الإمامكان تميمة لمكاسب التجارلا يمكننا بالطبع الإحاطة بجميع المضامين التي عبر عنها جمعة في قصائده، بل لعل انطلاقنا لشكل آخر من القصيدة المغناة للشاعر، يلقي بالمزيد من الضوء علي ما نود أن نلفت إليه.كتابة الأغنية بأدوات جديدة: أما في مجال كتابة الأغنية فإن الشاعر هنا يتألق علي نحو آخر. ونجده يحاول تجسير الاختلاف بين عالمين. الأول الذي يمثله الشعر الذي هو في عمقه تعبير عن مضمون الأنا الفردية والثاني تمثله المضامين الروحية والعاطفية التي تمثلها الأنا الجمعية والفردية معا، بذائقة شعرية خاصة وشجا حمل معه عاطفة متدفقة من خلال فيض الصور:ع دمعة في مفرق وداعكتبت الليل علي خدودكوأنا حدودكطلي من وجع الغناوي والسفرتلقي اللي راح عاقد علي رسمك ايديه يستني في صدرك تحمليه وتشفي وريدوالشاعر الذي يغني الحب لا يفوته أيضا، نقل الصور والمعاني، حين يمزج الحالات الإنسانية بحالات الطبيعة. فالروح شأنها شأن الطبيعة، مساحة واسعة تماما كالبراري. والحب مثل المطرالذي يغسل براري الروح ويضيئها :سلمتك للشتايغسل براري الروحيضوي نجم مجروحضوي في ليلة وغابوهو يكرر المحاولة،عندما يذهب حتي حدود أنسنة الأمكنة لتصبح ذات معني، لنجده يخاطب شاطيء غزة وكأنه يخاطب شخصاً عزيزاً وحميماً:في شطوطك صرخة معاني لهفة وداع طويــــــــلوأنا اللي صــــياد المواني عاشق حكاوي الليـــلخديني يا ميــــة نــــــــدا ع مرسي جيرانو قمـاردنياتو ما بتعرف حـــــدا ومغزلـــــة بأســــــرارخديني من حزن الـورق خوفي مش لاقيلو كلاممن دمعي يلي ما انخلق ســــمي عليـــك ونــــامومثلما يؤنسن الشاعر في صوره المكثفة الأشياء والأمكنة، نراه يفعل الشيء ذاته مع الإنسان الذي يتخذ صور الطبيعة، فتخلط صور الحالات الإنسانية والمشاعر إلي الحد الذي تكاد تغيب فيه الحدود بين النهر المتدفق وبين الروح: عودك فضا نعسانيلعب في مدي روحي..عودك نهر منسوج من لهفة ضلوعي..ينزل مطر ويفيض لو نشفت دموعي..عودك أنا وأنت.. قلب انقسم..لا أنا عارف في صدرك نبضواللا في ضلوعيلا يتسع المجال للحديث عن بقية المضامين الأدبية التي تناولها الشاعر. فالكتابة المسرحية سواء للأطفال أو للكبار كمسرحية شايفنكوش ومسرحية العبوا بعيد واللتين أخرجهما المخرج والفنان التشكيلي المتميز)إبراهيم المزين(، لاقتا صدي كبيرا. واعتبرهما النقاد (إضافة حقيقية وقوية للمسرح الفلسطيني وذلك من خلال مقالات نشرتها الصحف الفلسطينية والعربية والعالمية). أضف إلي ذلك أن الشاعر تميز أيضا: في كتابة قصص الأطفال ونشر كما ترجمت له بعض القصص المتميزة والتي اعتبرها بعض المهتمين النمساويين بالأدب العربي أدبا ذا مستوي حداثي يستحق تسليط الضوء وترجمته لما يحمل معه من مضامين تربوية حداثية ذات طـــابع إنســـاني عام ، مثل قصة دموع اللون الأصفر وقصة الشبلان اللتين تتحدثان عن التنوع الإنســـاني بطريقة سلسلة وعذبة تتـــناغم وهي تحاكي ذهنــية الطفل ومخيلته مع مفهوم الحرية والحقوق الإنسانية. وبقي أن نشير أخيرا، الي أن الشاعر والأديب الفلسطيني خالد جمعة قد استحق مؤخرا وعن جدارة، الفوز بالجائزة الثانية لأدب الأطفال في مسابقة ديوان العرب من خلال قصته ثلاثة أرجل . كما وتعمل حاليا إحدي المنظمات الثقافية النمسوية المعنية بثقافة الطفل علي ترجمة قصة دموع اللون الأصفر إلي اللغة الألمانية، الأمر الذي يعني بالتأكيد أن بإمكان الأدب الحقيقي نيل الاعتراف الذي يستحقه مهما بدت المعوقات الخاصة حائلا دون ذلك. ہ كاتبة وصحافية فلسطينية مقيمة في فييناّ0