ابن الحارة وكاتبها

حجم الخط
0

ابن الحارة وكاتبها

أمجد ناصرابن الحارة وكاتبهالولا جمال الغيطاني ما التقيت نجيب محفوظ مرتين، فهو الذي رتب امر انضمامي الي جلستهم التي تعقد كل ثلاثاء في عوامة علي النيل تدعي (فرح بوت). كان الغيطاني متحمسا كي التقي رائد الرواية العربية وباني صرحها الكلاسيكي، ولما رآني مترددا، في المرة الأولي، قال ان الجلسة بسيطة والرجل ابسط مما تظن.لم يكن ترددي مجرد تهيّب من الانضمام الي جلسة يتصدرها هذا الكاتب الكبير فحسب بل عزوفا عن عمل لا تخفي (شبهته) الاستعراضية.بدا لي، لحظتها، ان اللقاء بنجيب محفوظ اشبه بعمل سياحي يقوم به بعض المثقفين العرب الذين يزورون القاهرة علي غرار قيام السياح الاجانب بزيارة الاهرامات وابي الهول، ولم تكن القاهرة، التي لي فيها صداقات ومواضع الفة راسخة، مكانا سياحيا اذهب اليه لالتقاط الصور التذكارية.لم يحصل هذا حتي في اول مرة زرت فيها القاهرة، فلم اشعر، اصلا، انها مرة أولي، بل خالجني شعور انني اجيء الي مكان اعرف احياءه وكباريه ومقاهيه ونخبته واناسه الذين يصنعون، من دون فذلكة او تعالم، معجزة تتجدد كل صباح اسمها: عيش الحياة والاقبال عليها بخفة رغم ثقل كل شيء حولهم.لم اتردد، بعد ست سنين من اللقاء الاول، في تلبية دعوة جمال الغيطاني للالتحاق به في (فرح بوت) ولكن عزت القمحاوي، ابن العالم ما بعد المحفوظي حياة وكتابة، هو الذي تردد في اصطحابي الي الجلسة التي لا تعنيه كثيرا، فضلا عن انه لا يطيق بعض روادها من هواة الالتصاق بالاسماء الكبيرة.وبين الزيارتين كان نجيب محفوظ قد تكالب عليه الزمن والمرض، فلم يعد بالمرح الذي بدا عليه في (لقائي) الأول به ولا بالمظهر المتعافي الذي تحسبه لرجل اصغر منه بعشرين سنة، لكن لا تدهور سمعه ولا لحيته النامية التي تتعجب من بقاء سواد ما يزال يتلكأ فيها رغم تجاوزه التسعين، حالا دون خروجه المنتظم من بيته الي جلسات بالكاد يسمع عُشر ما يدور فيها، ولا باعدا، تماما، بينه والسيكارة التي يضبط تدخينها علي الساعة وتراه يشفطها شفطا كمن يرضع، خلسة، ضرع الحياة واكسيرها.لم يزدني (لقائي) بنجيب محفوظ معرفة بعالمه الكتابي، فهو لم يتحدث كثيرا حتي عندما الححنا عليه بالسؤال في المرة الاولي، المحيطون به هم الذين تحدثوا نيابة عنه، وهو يرد علي كلامهم، إن سمعهم، بضحكات لا تعرف ان كانت تطمينا أم تملصا، لكن ذينك اللقاءين طرحا عندي اسئلة حول معني ان تكون كاتبا كبيرا (بحق) وشهيرا (بحق) ولا تصدر علاقتك بمحيطك من هذين الموقعين المتعاليين علي ارض البشر.لم تكن بساطة نجيب محفوظ التي حدثني عنها الغيطاني مفتعلة ولا حتي بساطة (عالمة)، اي واعية بنفسها، بل بساطة طبيعية، تلقائية، تصدر من جهة اخري غير جهة الكتابة واستحقاقاتها وتراتبية طبقاتها، جهة اسميها: الحياة.فكأن محفوظ الكاتب غير محفوظ الانسان، اقصد ان محفوظ الكاتب موجود بريادته في الكتب، ومحفوظ الانسان هو هذا الذي يجلس معنا يضحك ويدخن ويلتقط اخبار العالم والناس بربع اذن ويستغرب ويندهش ويعرف ان بعض الذين يحيطون به ليسوا مشاهير ولا حتي كُتابا، وان بعض زواره العرب فضوليون وجامعو صور تذكارية.ذكرتُ جمال الغيطاني، احد اقدم مريديه، واذكر كذلك يوسف القعيد، وهذان كاتبان معروفان ، غير ان في جلسته من هم ليسوا كتابا ولا من يحزنون، ولكن ذلك لا يضيره في شيء، وان لم اكن مخطئا فإن نجيب محفوظ يفضل غير الكتّاب علي الكتّاب، فالجلسة عنده ليست ندوة متجهمة ولا درسا يلقيه علي السامعين، الجلسة هي خروج من البيت او المكتب (حيث تتم عملية الكتابة) الي خفة الحياة اليومية وعشوائيتها.ـ ـ ـلجمال الغيطاني علاقة خاصة بنجيب محفوظ، فقد كان لقائي الاول به لقاء غير مباشر بصاحب (الثلاثية). اذكر ان اول لقاء لي بالغيطاني كان في (الجمالية)، فإن لم يكن بالجمالية نفسها فعلي الاقل في (الحسين) ثم ذهبنا الي الجمالية.كنا ثلاثة: الغيطاني ومحمد بنيس وانا. قال لنا جمال انه ترعرع في شارع متفرع من شارع (قصر الشوق) في الجمالية، حدثنا عن نجيب محفوظ واعماله وصلتها بهذه الحارات اكثر مما حدثنا عن نفسه وكتبه، وقادنا، كأي مريد نشط ومتحمس لمعلمه، بعد ان شربنا شايا منعنعا في اكثر من مقهي، الي البيت الذي ولد فيه محفوظ.كان البيت ما يزال مسكونا ولا شيء امامه يشير، كعادة الغربيين، الي ان اكبر كاتب مصري حي عاش هنا، فالحياة تتواصل، بكل قصدها وعشوائها، في امكنة لا تفكر، بل لا يهمها، انها انتقلت للكتب. لا اعرف مصريا يعرف القاهرة القديمة كما يعرفها الغيطاني.لا يتعلق الامر بالمعرفة التي توفرها الكتب، فتلك معرفة مبذولة للجميع، ولكن اقصد معرفة المكان من خلال العيش والشغف والتأمل في مصائره.يمكن للغيطاني ان يمشي بك في القاهرة الفاطمية وهو مغمض العينين، وان يربط لك الماضي بالحاضر من خلال الشوارع والازقة والجوامع وان يفسر لك كثرة وعظمة الجوامع المملوكية والفاطمية بتمصّر كل القادمين الي مصر ومواصلتهم، ربما من دون وعي، تقاليد الفراعنة وسعيهم المرهق للخلود والبعث.في تلك الجولة التي ستليها جولات اخري كان محفوظ حاضرا مثلما كان جامع السلطان حسن والسلطان برقوق والسلطان الغوري والامام الحسين، يختلف الغيطاني عن معمله باختلاط الماضي بالحاضر، بينما الازمنة واضحة عند محفوظ وتشير دائما الي الحاضر اكثر مما تلتفت الي الخلف، وهذا يعني ان (تلمذة) جمال لها بعد اخر لا يتصل، تماما، بالعالم الروائي لمحـــفوظ واشكاله السردية ذات النسق الهندسي الصارم.ـ ـ ـليس غريبا، اذن، ان يكون مدخلي الي مكان محفوظ ومسرح اعماله هو جمال الغيطاني.فهو مرجع حقيقي لجوانب من سيرة محفوظ، خصوصا، في سنيه العشرين الاخيرة، وله، علي هذا الصعيد، اكثر من عمل مكتوب سوي عشرات الذكريات وشظايا السيرة المبثوثة في الصحف والمجلات، لكن للقعيد، الذي يلازم محفوظ في جلسة (فرح بوت)، وربما غيرها من الجلسات، اراء نقدية حيال معلمها الكبير اكثر وضوحا من اراء الغيطاني.اذكر اننا تحدثنا في اخر لقاء لنا في (فرح بوت) بعد ان غادر محفوظ الجلسة عن موقفه من الصراع العربي الاسرائيلي وتحفظاته علي (الفكرة العربية) وغياب اي نص له عن فلسطين. يفسر القعيد ذلك بالجذور (المصرية) الصرفة لمحفوظ، وميله (الوفدي) التاريخي وضعف اتصاله بالعالم العربي، فهو لم يغادر مصر الي بلد عربي الا مرة واحدة لليمن التي زارها بطلب من عبد الناصر.لكننا لاحظنا، عزت القمحاوي وانا، ان محفوظ لم يلعب دورا مماثلا لما قام به اصحاب (نوبل) من الكتاب العالميين امثال ماركيز وساراماخو وغونتر غراس ونادين غورديمير وسوينكا من مواقف ضميرية، لكي لا نقول سياسية، حيال ازمات عالمنا المعاصر.فكرة المثقف العضوي، او الكاتب الموقف، ليست جزءا من تكوين نجيب محفوظ السياسي والفكري، وان وجدت هذه المواقف (ولا شك انها موجودة) فمكانها طوايا الكتابة واغوارها العميقة وتأويلات رموزها وليس شخص صاحبها، فليس بعيدا عن الصحة القول ان نجيب محفوظ (الحقيقي) تواري وراء ابطال اعماله الذين يتيح لهم النص الروائي (المتخيل) ان يتخذوا المواقف التي يشاؤون من دون ان يقع مبتدعهم تحت طائلة المسؤولية.فالعهدة علي الراوي!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية