تحولات الحاكم الصغير الثالث في العراق المحتل
هيفاء زنكنةتحولات الحاكم الصغير الثالث في العراق المحتلينظر المواطن العراقي اليوم الي تحولات الحاكم الصغير الثالث في ظل الاحتلال بلا دهشة او تعجب. لم تعد لديه القدرة علي الدهشة بعد ان راقب، سابقا، تحولات حاكمي الاحتلال السابقين باسم الديمقراطية والتحرير وحقوق الانسان. كتبت سابقا عن تحولات الحاكم الصغير الثاني في العراق المحتل أي رئيس الوزراء المؤقت ابراهيم الجعفري. وهو الثاني بعد أياد علاوي الذي كان مستخدما علي مدي عقود، باعتزاز كبيرمن قبله، لدي عدة اجهزة للمخابرات الاجنبية. وها هو المواطن العراقي يراقب بصمت مبطن بالغضب تحولات الحاكم الصغير الثالث: نوري المالكي. لقد بدأ المالكي طوفانه علي سطح سياسة الاحتلال كنائب للجعفري، رئيس حزب الدعوة (الاسلامي). وقد وضعت كلمة الاسلامي بين قوسين متعمدة، لان المالكي نفسه قام في واحدة من أكبر قفزات تحولاته جرأة واثناء خطابه امام الكونغرس الامريكي باعلان البراءة من الاحزاب الاسلامية متناسيا موقعه وحزبه. وكانت لغته، بداية، مختلفة قليلا عن الجعفري. اذ تميز حديثه بالبطء مقارنة بسرعة ثرثرة الجعفري وسيلان المفردات من بين شفتيه الي حد انه كان باستطاعة من يراقبه تلفزيونيا ان يشاهد تجمع الكلمات، مثل الرغوة البيضاء، عند زاويتي فمه. يمسحهما باستمرار بلا جدوي. اذ تبقي الكلمات ملتصقة. بالنسبة الي ادارة الاحتلال الامريكية، كان المالكي هو الرجل المصنوع في الوقت المناسب للاستخدام في المكان المناسب. فهل هناك ما هو أفضل من تغيير رئيس الحزب بنائبه بعد سقوط الاول في فترة الاختبار الاولية مع المحافظة علي نفس الحزب المنتخب افتراضا؟ هكذا تم الترويج لحاجة العراق الي رجل يشكل حكومة مصالحة وطنية بعد تلاشي حظوة الجعفري. وتم سحب المالكي من صف المقاعد الثاني في مسرحية (الحكومة العراقية المنتخبة) الي الاول أملا في ان يكون هو المنقذ المنتظر. وتم تسجيل المالكي فورا في ورشة تدريب علي المراوغة الخطابية والاكاذيب الديمقراطية حتي قبل نقله الي الصف الاول. لغرض المقارنة لاحظوا انه بتاريخ 8 شباط (فبراير) من العام الحالي (قال جواد المالكي عضو قائمة الائتلاف العراقي الموحد والقيادي البارز في حزب الدعوة الاسلامية في تصريح خاص لـ (البينة) ان الائتلاف الموحد مازال متمسكا بمرشحه لرئاسة الحكومة الدكتور الجعفري مشيرا الي عدم وجود خلاف داخل كتلة الائتلاف بهذا الشأن وان موقف الائتلاف موحد. وعبر المالكي عن استغرابه بطلب بعض من وصفهم شركاء في العملية السياسية بتغيير الدكتور الجعفري. وردا علي سؤال لـ (البينة) فيما اذا اضطر المطالبون بتغيير الجعفري لدعوة الامم المتحدة للتدخل بهذا الخصوص، قال المالكي: ان القضية هي قضية وطنية بحت وبالامكان مناقشتها وليس هناك دواع لاشراك الامم المتحدة او الجامعة العربية في كل القضايا السياسية العراقية. ولم يخيب الرجل آمال الادارة الامريكية ولم يزره الوهن بل ثابر، ليلا نهارا، علي تحسين ادائه في خدمة الاحتلال. وبات يمر، منذ خطواته الاولي في المنطقة الخضراء، بنفس تحولات الحاكم الصغير التي مر بها علاوي والجعفري من قبله. ففي الوقت الذي كان يعلن فيه، خطابيا، بانه ضد الاحتلال (ولم لا مادام بوش نفسه كان قد صرح بانه ضد الاحتلال)، كان المالكي يكرس كل جهده، عمليا، في تكريس بقاء الاحتلال بابشع صوره أي الاحتلال العسكري. مستقبلا مسؤولي الادارة الامريكية الواحد بعد الاخر ومن ثم التوجه الي واشنطن مستجديا تمديد بقاء قوات الاحتلال وشاكرا لادارة الاحتلال قتلها لابناء وبنات الشعب العراقي. وبحضور الحاكم الصغير، تمت زيادة عدد قوات الاحتلال وفي ظله شنت الحملات العسكرية الجديدة علي المدن العراقية وأهمها العاصمة بغداد. حيث تمت محاصرة الاحياء السكنية الواحد بعد الاخر ووفق التقسيم الطائفي المقيت الذي أسسه الحاكم الامريكي السابق بول بريمر بمباركة مجلس الحكم البائد. وتحت غطاء مداهمات عملية الغزو الجديدة التي أطلق عليها اسم معا الي الامام، قتل مئات المواطنين الابرياء تم تهجير الآلاف وتصفية كل من ينطق بحرف ضد الاحتلال وكل من يساعد علي تضميد جراح السياسة الطائفية المتعمدة والمخطط لها من قبل احزاب الاحتلال. وتغيرت بمرور ايام القتل والتدمير لغة المالكي حيث تجاوز الانهمار اللاواعي لخطاب ابراهيم الجعفري عن الشفافية والمصداقية والمفاصل والمرتكزات الي التلذذ الواعي بالتهديد والوعيد. فهو القائل: سنضرب بيد من حديد، في خطابه الموجه الي أهل البصرة، وهو الذي هدد (بإتخاذ الإجراءات القانونية الواردة بقانون مكافحة الارهاب بحق أي وسيلة إعلامية لا تلتزم باخلاقيات العمل الصحافي في تغطياتها الإعلامية للاحداث في العراق) وهو الكاذب بلا استحياء حين (اعلن يوم الثلاثاء ان الحكومة تمكنت من احتواء ازمة الوقود التي تعاني منها البلاد … وقال في مؤتمر صحافي بعد لقائه وزير النفط حسين الشهرستاني والمسؤولين في وزارة النفط: لقد تم تطويق أزمة الوقود في البلاد بوضع حلول تكتيكية آنية مع العمل علي وضع خطة استراتيجية لانهائها بصورة كاملة). كما لاحظنا، ان تحولات الحاكم الصغير لا تقتصر علي تغير اللغة فحسب بل وتمتد الي ماهو أعمق لتعكس بدورها التغير المسلكي. وهو تغير يؤدي في محصلته الي زيادة الهوة ما بين الحاكم الصغير وابناء الشعب. وتصبح الهوة بلا قرار حين تصبح لغة الحاكم الصغير غير مفهومة حتي من قبل الناس الذين ساهموا بصعوده الي كرسي الحكم. وأعني في حالة المالكي بعض من ساهم في لعبة الانتخابات البنفسجية سذاجة واقناعا وأملا في وضع حد لمأساة الشعب العراقي. ففي ظل الاحتلال، هناك لغتان. الاولي هي لغة ادارة الاحتلال المنمقة الزاهية ظاهريا الجوفاء باطنيا، وهي اللغة التي يستخدمها بوش وبلير والمالكي وطالباني وكل متعاون مع الاحتلال لتبرير الجرائم والانتهاكات المرتكبة في العراق بذريعة محاربة الارهاب. اللغة الثانية هي لغة المواطن العادي بلغته البسيطة المباشرة التي تعبر عن حاله بصدق وعن معاناته بلا تكلف ولايخشي ان يقول ما في ذهنه بلا مناورة لانه يعرف جيدا بانه لن يخسر شيئا لانه لايملك شيئا غير كرامته وعزة نفسه. مقابل عبودية الحاكم الصغير. وقد بدت لغة المواطن العادي المعبرة عن ضيمه وغضبه بأوضح صورها، منذ أيام، في الشعارات التي رفعت عندما تظاهر أهل الكاظمية، في جانب الكرخ من بغداد وتضم رفات الإمام موسي الكاظم، احتجاجا علي ممارسات الحكومة (المنتخبة). وقد تجاهلت وسائل الاعلام الرسمية المظاهرة. عبرت الشعارات عن ندم الاهالي لانتخاب الحكومة الحالية، بلغة مباشرة مثل (شمعتكم أحرقت قلوبنا، اين حقوقنا)، في اشارة الي شعار الشمعة للائتلاف العراقي الموحد الذي يترأسه الحكيم. ومن الشعارات ايضا (طالبتمونا بالانتخابات ونطالبكم بالخدمات) و(لا وطنية ولا قومية، كلها مصالح شخصية) و(لا كهرباء، لا ماء، لا خدمات، لا أمان). في الوقت نفسه وجه أهل الاعظمية، في جانب الرصافة من بغداد وتضم رفات الامام ابو حنيفة، نداء الاستغاثة لإنهاء الحصار المفروض عليهم ولوضع حد لحملة التفتيش المهينة والقاسية التي تشمل حفر حدائق المنازل واجراءات الامن المشددة يرافقها حظر تجول للمركبات، الامر الذي دفع غالبية الاهالي الي قطع مسافات طويلة سيرا علي الاقدام للوصول الي أقرب الاماكن لشراء الحاجات الاساسية. فضلا عن قطع التيار الكهربائي وشحة مياه الشرب ومنع الخدمات الصحية، بحجة بسط سيطرة القوات الامنية وملاحقة الارهابيين. وهو عذر كذبه زيادة العمليات المستهدفة لقوات الاحتلال في معظم المدن منذ بدء عملية قوات الاحتلال الارهابية الاخيرة. لقد ادرك المواطن العراقي ان حملات التهجير والعنف الطائفي والقتل والذبح وتفجير المفخخات يتم بمباركة ورعاية ومبادرة قوات الاحتلال والاحزاب التي صاحبتها في غزوها العراق. وهي الناشطة بلا هوادة لتقسيم العراق وتفتيت وحدة شعبه الوطنية وابقاء الاحتلال مهيمنا ومسيطرا علي المدن والناس وثروات البلد. كما يدرك حاكم البلاد الصغير مصلحته والقوة التي تربطه بكرسيه وانه مالم يساهم في ترداد خطاب الاحتلال، مثل تلميذ نجيب، سيتم استبداله، بعد فترة الاختبار، بحاكم صغير آخر. 9