يعيد الأرواح التي تشي بغواياتها الي ملكوت خفتها
ألـ(لاشيء) وهو موضع استهلال جمالي:فاروق يوسفيعيد الأرواح التي تشي بغواياتها الي ملكوت خفتهاكان الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير يحلم بتأليف كتاب يكون اللاشيء موضوعه. ربما وقف هذا الحلم وراء الغياب الفجائعي الذي انتهت اليه مدام بوفاري في روايته الشهيرة. ولقد سكنني هذا الحلم منذ أول قراءة لتلك الرواية التي قرأتها عشرات المرات وتركت نسخة واحدة منها علي الأقل في كل مدينة فارقتها. حلم أن أخط كتابا عن الـ( لاشيء) من غير أن أدخل في تفاصيل ذلك المشروع الذي كنت أعتبره مشروع العمر. منذ حوالي أربع سنوات شعرت أن الفرصة قد أصبحت سانحة أمامي للاشتباك بقوة كنت أجهلها كل الجهل، تلك هي القوي التي تشكل عناصر الفكرة التي أرغب في اختراقها. فكرة اللاشيء. ولكن ما إن بدأت الكتابة حتي واجهني سؤال يقول: هل اللاشيء هو نقيض الشيء؟ بالمعني الفيزيائي هناك الشيء، اما اللاشيء فهو صفة لا تطلق بسبب غياب الشيء بل هي ترتجي الابلاغ عن موقفنا الروحي ازاء الشيء. هناك من الاشياء ما تصل بنا الي لا شيئيتها من خلال ذوبانها ورقتها وشفافيتها وخفتها وتنصلها من صلابتها المادية واحتفائها بهذيانها الداخلي واخلاصها لانسجامها. وبسبب كل هذا فان ما يصلنا منها يتخطي ابعادها الخارجية أو ما نراه منها. انها تتقدم منا بشعاعها، ذلك الشعاع الذي يهبنا تأثيرا مختلفا. وهكذا يكون اللاشيء هو الشيء ذاته، لكن مرئيا عبر مرايانا الروحية. لقد استغرقت طويلا في الكتابة. غير أنني كنت أكتشف في كل مرة أتأمل فيها ما كتبت أن كل ما قلته لم يقترب بعد من جوهر القضية الذي أسعي الي الوصول اليه. غير أن هذا الاكتشاف كان يلهمني المزيد من الاصرار علي المضي قدما في مشروعي، ذلك لانني كنت أجد لذة ما بعدها لذة في نزع القشور التي تحول بيني وبين الوصول الي الثمرة. ولكن هل تقيم تلك الثمرة مباشرة في الشيء أم أنها بفعل الكتابة الذي هو فعل حرية قد استطاعت ان تفلت منه لتدور في فلك ذاتها؟ إن اللاشيء كما أري ليس ذريعة للافلات من حدود السلطة التي يمارسها الشيء علي الحواس بقدر ما هو تجسيد لصيرورة الشيء عبر الحدس. في قصص الارجنتيني بورخيس هناك أشياء تكون هي محور السحر: حجرا أم مرآة أم كتابا وسواها غير أن الراوي الذي هو غالبا ما يكون بورخيس نفسه سرعان ما يغادرها، مكتفيا بما يشع منها وما يرافقها من ظلال. إنه يبقي علي ثروته الحقيقية، التي هي بمثابة الوعد الذي يحل في روحه إلهاميا.في قصته الشهيرة (كتاب الرمل) تختفي السطور إذ يتساقط الرمل الذي كتبت به ولا يبقي من الكتاب ما يمكن أن يقرأ، غير أن الكتاب يظل محتفظا بقوته الملغزة. من جهة يصير لاشيئا ومن جهة أخري فانه يبقي راسخا كما لو أنه اشتبك بالهواء من غير أن يتلاشي. الرمل هو الذي يتساقط أما الاسطورة فتبقي. كان الرسام الاسباني بابلو بيكاسو يقول كلاما مشابها. الاسطورة هي التي تبقي اما الرسوم فلا. اسطورة بيكاسو تطعم رسومه قدرا هائلا من الثقة. غ2فالرواية الفرنسية الجديدة كانت تري الي العالم من جهة كونه أكواما من الاشياء. سعي ألان روب غرييه وميشيل بوتور وناتالي ساروت وكلود سيمون وسواهم من رواد ذلك التحول الي ارتجال سرد مضاد. سرد لا يقوم علي الاحتفاء بالحيوات البشرية الا من خلال اختراقها للاشياء. قد يعتقد البعض أن هؤلاء الروائيين قد أغرقوا كتبهم بالوصف، وهذا حكم غير صحيح. ذلك لان العالم الذي أحكمت الرواية الجديدة صنعه هو انعكاس لحقيقة جوانية تجد في الشيء تجسيدا لها، الامر الذي جعله أشبه بالعالم الذي يرتجي الشعراء الوصول اليه. لقد صقل عشاق بلزاك الذين هم في الوقت نفسه أعداء رواياته الحقيقة بشفرات أرواحهم الهائمة. لقد وهبوا الاشياء جزءا عظيما من حساسيتهم في الوقت الذي أطلقوا فيه حساسيتها الكامنة. كنا نقرأ (انفعالات) ناتالي ساروت بترجمة (جلال العشري)، ذلك الكتاب الذي صنعت طرطشات بيكاسو الحبرية غلافا له، بأنفاس لاهثة كما لو أننا نتابع وقائع خيالية يقترحها علينا شاعر عظيم. من مكان خفي في تلك الاقاصيص الصغيرة كانت ينابيع من الاسرار تنبثق ذاهبة مباشرة الي الروح. صحيح أن الحواس كلها كانت تشترك في الكشف عن تلك الاسرار غير أن قبضة الحدس هي التي كانت تجمعها معا لتضعها في الممر الهوائي الذي يتسلل بها الي الاعماق. لهذا السبب أعتقد أن في تسمية من نوع (الرواية الشيئية) وهي التسمية التي أطلقها البعض علي هذا الاتجاه في الكتابة قدرا من السطحية، ذلك لأن الاشياء وإن بدت مقصودة لذاتها علي مستوي التصوير الخارجي فانها لم تكن سوي ذريعة للاحتفاء بما تتستر عليه من ألغاز خفية. إن ما أغري روائيي فرنسا في الاشياء يكمن بشكل أساس في لاشيئتها. غ3فمن يجل في البراري والغابات يدرك ان الاشياء مسكونة بما يفارق مظهرها ومثله في ذلك مثل القارئ الذي يتجول بين صفحات الكتب والذي لا يري من الكلمات أجسادها بقدر ما يتنفس الهواء الذي ينبعث منها. في الحالين هنالك أشباح تهب الاشياء والكلمات سحرا يجعلها قادرة علي أن تبوح بما تتستر عليه من أفكار. هذه الأفكار هي مزيج مما توحي به الاشياء و ما ينبعث من الكلمات ومما هو قائم في الفراغ الذي يفصل بينها وبيننا. ذلك الفراغ المسكون بالارواح الضالة التي تحوم في المكان وخارجه. في كتاب (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي (باشلار) والذي ترجمه الروائي الاردني غالب هلسا اواخر السبعينيات كشف رائع عن الاشارات التي تطلقها الاشياء أو تلك التي تختزنها في اعماقها. وما تلك الاشارات إلا تجسيد لمحاولة الاشياء والكلمات الانعتاق من عبودية المعجم حيث المعني المحدد سلفا. إنها أشبه بالاحجار الساخنة التي يطلقها البركان من أعماقه. خفة تلك الأحجار تذكرني بخفة الكائن التي لا تحتمل لدي الروائي التشيكي (ميلان كونديرا). خفة يستلهمها الكائن من حيواته المزدوجة، التي عاشها وتلك التي لم يعشها. في كل الاحوال هناك دائما درجة من الشعور لا تحتمل، في الالم مثلما في الجمال، في الحب مثلما في البغض، في المنفي كما في الاقامة، في البعد كما في القرب، في التماهي كما في النفور. أذكر ذات مرة كنت في (سداب) إحدي مناطق مدينة مسقط العمانية الساحلية مع صديقي الرسامين حسين عبيد وموسي عمر وعصف بي جمال من النوع الذي لا تحتمل خفته. لقد رأيت في البحر صخورا عملاقة تكاد تحلق بجناحين غير مرئيين. كما لو أنها هبطت علي سطح الماء في اللحظة التي التفت اليها فيها فخيل لي أنها توشك أن تطير. كانت تلك الصخور رسلا لخفتها. تلك الخفة التي تفتت كثافة الشيء لتنقله الي حالة يكون فيها أقرب الي التلاشي والتسامي والفناء منها الي الرسوخ والكثافة والصرامة. وكما اري فان تلك الخفة هي مصدر كل إحساس بالقيمة الجمالية الاستثنائية التي يعد بها اللاشيء.غ4ف للاشياء أرواح. هذا ما يعتقد به أتباع بعض الديانات البدائية. للشجرة روح وللحجر روح وللجمرة روح والي آخر ما يحتويه عالمهم (الذي يبدو لنا محدودا، غير أنه ليس كذلك) من أشياء. وهناك أديان شرقية تؤمن بمبدأ التناسخ، أي أن روح الميت تحل في جسد حي آخر. وفي القرآن الكريم نقرأ: وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . وفي هذا الصدد يقول أنسي الحاج في الجزء الثاني من كتابه (خواتم): بعد موت الجسد تخرج منه الروح لتحوم حوله علي أمل أن يعود قفصه ويأسرها فترتاح . نحن إذن نتحرك في عالم يغص بالأرواح. عالم لا يمكن تعريفه أو التعرف عليه، وفق قياسات معرفية جاهزة. ذلك لان هذا العالم لم ينشأ وفق تلك المقاييس ولا يحتكم اليها في صيرورته. هناك دائما ما لا نراه من الشيء. جهة الشعر كما يمكن أن أسميها أو الضرورة الداخلية كما كان يحلو للرسام الروسي (فاسيلي كاندنسكي) أن يدعوها. وهي مبعث الموسيقي في لوحاته، المكان الذي يصدر عنه الانسجام الكوني الذي تحدث عنه الشاعر والناقد الامريكي (ارشيبالد مكليش) في كتابه الرائع (الشعر والتجربة). إن ما لانراه من الشيء لن يكون بالضرورة عدمه ولن يكون في المقابل معناه. ظله الذي يمشي به ويتستر علي بعض أسراره؟ ربما. غير أنه من المؤكد أن نداء الأشياء الذي يصلنا لا يصدر عن تلك الاشياء بشكل مباشر بل عن مكان آخر. مكان تتخلي فيه الاشياء عن ماديتها لتلتحق بارواحها وهي الحالة التي يمكنني أن أسميها بـ(اللاشيئية). وهو المكان الذي كان يغري روائيا كبيرا مثل (فلوبير) بالذهاب اليه والاختفاء بين أحراشه كما لو أنه يجلس في حديقة سرية في انتظار مدام بوفاري. ولقد أنشأ الروائيون دائما عوالم شاسعة مستلهمين لحظة الغواية تلك. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0