هوامش عن الحرب العدوانية بعض المغالطات التمويهية

حجم الخط
0

هوامش عن الحرب العدوانية بعض المغالطات التمويهية

محمد الحبيب طالب هوامش عن الحرب العدوانية بعض المغالطات التمويهيةمن المفترض ان القارئ قد تلقي سيلا منهمراً وغزيراً، من التحليلات والوقائع والمعلومات، عن الحرب العدوانية علي لبنان العربي الشقيق.هذه المقالة الموجزة قد لا تزيده شيئا، عما غاص فيه طيلة أيام الحرب، سوي أنها تشدد علي وعيه القومي، النقدي، تجاه بعض المغالطات التمويهية، والتي كثر تداولها من قبل أطراف متنوعة، تخدم في مجملها وفي مفرداتها ما كان يريده العدو ويخطط له.ثم ان هذا التشديد من جانبي، له داعٍ آخر، في كون هذه الحرب العدوانية لا زالت مفتوحة علي كل الاحتمالات. واذا كان النصر في هذه الجولة قد تحقق ميدانيا، بفضل أولئك المقاومين الأبطال، فان العدو لن يركن، ولن يهدأ له بال، الا اذا عاود الكرة من جديد، محاولا القصاص لصورته ولشرفه العسكري اللذين تمرغا وتمرمطا في وحل الهزيمة. خاصة اذا نجح سياسيا وديبلوماسيا في خطف هذا الانتصار الميداني عبر استثماره لتداعيات القرار الدولي ـ ولثغراته والتباساته المجحفة ـ علي الوضعين اللبناني الداخلي والعربي الرسمي.في السياسة، والحرب من وسائلها، لا وجود لبديهيات أو مسلمات عقلية يقبل بها الجميع، كل البناء المنطقي يرتكز علي مقدمات ومسلمات تَصوغها وتُلونها صراعات المصالح.واني لأتصور، ان المواطن العربي، بحسه العفوي السليم، وتعاطفه التلقائي مع المقاومة اللبنانية، ينذهل، ويندهش، وقد يعجز عن الفهم، عند سماعه لتحليلات متعالمة صادرة عن خبراء سياسيين واستراتيجيين، يحاولون اقناعه، ان ما يراه مباشرة ليس هو الحقيقة الواقعية. فكل ما يراه ليس الا شخوصا افتراضية في ميدان افتراضي، لحرب أخري أبطالها وميدانها خارج الصورة.اذن، فالقضية في النهاية ليست قضيته. أو هي تعنيه فقط من حيث ينبغي ان يكون عدواً لها: اما ضد القومية الفارسية ان كان قوميا عربيا، واما ضد الشيعة ان كان مسلما سنيا أو مسيحيا، واما ضد سورية ان كان لبنانيا وطنيا، واما ضد المقاومة ان كان ديمقراطيا، واما ضد كل انتماء اسلامي ايحابي ان كان حداثيا… وبالجملة، اكثار الأعداء وتنويعهم، لشل امكانية الفهم والاختيار والفعل، ولتعظيم الشعور بالانسحاق والعجز.والحق أني، كأي مواطن عربي، أندهش لتلك التحليلات سكيزوفرينية عندما تكون صادرة عن محللين وسياسيين ومثقفين عرب، وهم يعمقون تأويلاتهم الباطنية الي ان يصير الظاهر مناقضا بالتمام للباطن . وبدل ان يكون لدينا جدل ملموس ومنطقي لوحدة الظاهرة، يصير لدينا تحليل غيبي لا جدلية ولا منطق فيه، سوي ان كل مؤداه تزوير الواقع الملموس.في الكلمات التالية، سأحاول بايجاز ايراد بعض من تلك المغالطات التمويهية، معولا علي القارئ في ان يستكمل بسطها بالمعطيات والوقائع التي تجمعت لديه خلال أيام الحرب.المغالطة الأولي: من أشعل الحرب، ومَنْ يتحمل مسؤوليتها؟ حزب الله أم اسرائيل وأمريكا؟لو كان بوسعي ان أكتب مقالة مطولة بخصوص هذا السؤال، وبكل المغالطات التي علقت به، لاخترت لها العنوان التالي: لو كان أنف كيلوباترا… لتغير وجه التاريخ!!هذه القولة المأثورة تحيلنا علي أولئك الذين يفسرون التاريخ، ومنعطفاته الكبري، بحدث عرضي، أو ثانوي، رفعته دينامية التناقضات العميقة الي السطح. مع أن باسكال صاحب هذه القولة الشهيرة، فيلسوف كبير، ورياضي كبير… أراد من مقولته تلك تأكيد دور الصدفة في دينامية الواقع.. ومن ثم الانفتاح علي قوننته العشوائية وتأسيس رياضيات الاحتمالات، أما أصحابنا الذين يحمِّلون مسؤولية الحرب، لحزب الله، بعلة اختطاف وأسر الجنديين الاسرائيليين، فهم لا يتعدون، عقليا، منطق السببية المادية الميكانيكية البدائية، ولا يميزون بالأحري بين السبب و الذريعة .لم يكن ينقص اسرائيل ذريعة للشروع في حربها العدوانية علي لبنان، فان لم تمكنها جلبة الأحداث بذريعة ما، فلقد كان بوسعها ان تفتعل ذرائع مختلفة تركبها لتنفيد مخططها العدواني، كما افتعلت في حربها السابقة علي لبنان ذريعة محاولة اغتيال سفيرها بلندن، ثم تبين فيما بعد بأنها كانت حبكة مخابراتية مفبركة من قبلها!لقد أصبح في حكم المؤكد لدي كل المتتبعين علي المستوي العالمي، بعد الذي نشر من وثائق ومعلومات ذات مصادر موثوقة ، ان الحرب كان مخططاً لها بأشهر من قَبْل، وبشراكة وتكليف وتفويض من قبل الولايات المتحدة.. وأنها كانت قيد التنفيذ في أي وقت قريب مناسب.وبدون الاتيان بتفاصيل أضحت في متناول الجميع، وبدون التذكير بالطبيعة العدوانية لاسرائيل، وبمخططات الولايات المتحدة للمنطقة ومشروع الشرق الأوسط الكبير، فان الغاية التي نرومها تقوم علي ان تحديد طبيعة الحرب: دفاعية أم هجومية؟ وطنية أم استعمارية أو عدوانية؟ هي المبتدأ في تعيين موقع كل طرف، وفي تحليل الأحداث وتأسيس موقف مبدئي عاقل وصائب منها.. وبالتالي فان أي موقف لا يتسم بهذا الوضوح المبدئي الصارم، هو موقف مشبوه ويخدم مخططات وأهداف العدو.المغالطة الثانية: انتصار أم هزيمة؟ما كنا لنطرح هذا السؤال في عِداد المغالطات التمويهية، لولا ان البعض يعمل جاهداً بطرق ملتوية ومشفرة، لسلب هذه الأمة أي انتصار استحقته، مهما كان شأنه، ليبقي علي ارادتها في حضيض اليأس والانكسار والهزيمة.ومما لا جدال فيه، ان لا أحد يزعم، بمن فيهم حزب الله، ان هذا الانتصار قد أنهي الحرب والصراع مع اسرائيل و(الولايات المتحدة) أو أنه وضعها علي شفا الهاوية والانهيار.. لكنه بالتأكيد كان انتصاراً ميدانيا، شهد به كل الخبراء العسكريين، بل أقروا بابتكاراته التجديدية في فنون الحروب الشعبية.. وكان انتصاراً سياسيا، بالمقارنة مع ما رسمه العدو من أهداف لحربه علي لبنان… وقد يفتح الأبواب لانتصار استراتيجي ان أحسنا عربيا ولبنانيا استثمار مكاسبه في ما بعد و ما بعد .هنا ينبغي العودة قليلا الي الوراء: في حرب 67، جري نقاش شبيه بالذي نحن فيه، ولو في الاتجاه المعاكس: هل كانت الحرب، نكسة أم هزيمة؟ويبدو لي اليوم، بعد كل الذي عشناه ومررنا به، ان الهزيمة الحقيقة لم تكن في تلك الأيام الست التي تحطم فيها الجيش المصري بالضربة القاضية.. بل تمت في الواقع الفعلي لحظة التوقيع علي اتفاقية كامب ديفيد. ومن ثم كان اخراج مصر من الصراع العربي ـ الاسرائيلي والدفع بالنظام العربي كله الي منزلق الانحدار والتفكك والاستسلام. من يسترجع اليوم، كل الخطوات التصحيحية الجبارة التي قام بها الزعيم الراحل عبد الناصر من بعد ما سمي بالهزيمة، ومن يسترجع كل ظواهر الصمود التي برزت لدي الأمة العربية، وعلي رأسها نهوض الثورة الفلسطينية بكل قامتها، ورغم كل الأخطاء التكتيكية التي ارتكبها يسار تلك المرحلة… فانه سيشهد لا محالة بأن الأمة العربية بقيادة جمال عبد الناصر لم تهزم ارادتها، رغم خسارتها للحرب.. وأن الهزيمة الفعلية جاءت بعد ذلك، وبعد ـ ويا للمفارقة ـ انتصار عسكري (رُتب به في عهد عبد الناصر) كان ممكنا ووشيكا في حرب أكتوبر، لولا ان القيادة السياسية الساداتية أجهضته في منتصف الطريق، وأفسدت استثمار ما تجلي وتحقق منه. الهزيمة أو الانتصار يتمان أو يكتملان في النهاية علي المستوي السياسي، لا علي المستوي القتالي وحسب. والتذكير باختلاف الواقعتين في الحربين المذكورين يدلنا علي ذلك.وهكذا، فان المشروع المضاد للمقاومة ولانتصارها اليوم، ليس سوي الامتداد الطبيعي لنفس النهج الاقليموي الاستسلامي الذي دشنه السادات وبنفس الذرائع والشعارات والتحالفات: كفي من تحميل مصر لوحدها تكاليف القضية الفلسطينية والصراع العربي- الاسرائيلي.. الواقعيـــــة السياسية.. والتحالف مع أمريكا.. الانكفاء الوطني لبناء الديمقراطية والتنمية… الخ، والحصيلة في كل هذه المزاعم واضحة للعـــيان في مصر وفي غيرها!!لقد منعت المقاومة اللبنانية العدو من تحقيق أهدافه ومشروعه السياسي في المنطقة… لكننا لم نصل بعد الذروة التي نطل منها علي نجاح مشروعنا القومي- التحرري. وذاك هو الرهان.. رغم كل معاول الهدم التي تتهاوي ضـــــرباتها القوية لتنال من هذا الانتصار الاستثنائي في بنيان عربي هش.. لكن قدرنا.. ان نراهن ونصمد!المغالطة الثالثة: هل هي حرب أمريكية ـ ايرانية بالوكالة؟تكاد تكون هذه القضية هي أم القضايا في حملات التضليل والتمويه.لا أذكر أين قرأت لكاتب غربي يقول ما معناه: أنتم العرب تستعملون لكن الاستدراكية بطريقة عجيبة، تلغي كل المقدمات التأسيسية التي تكونون قد قبلتم بها واتفقتم عليها. الاستدراك لديكم يأكل كليا ما سبقه من منطلقات واتفاقات.. الـ نعم تتحول مباشرة الي الـ ضد بعد استدراك خفيف. في هذا النوع من السجال يستحيل علي المتحاورين ان يصلوا الي نتيجة نهائية وثابتة.فلأن حزب الله أقام تحالفا مع ايران (وسورية)، فالحرب اذن حرب أمريكية ـ ايرانية بالوكالة! وتكون لعبة لكن كالتالي:نعم، ان حزب الله مقاومة وطنية لبنانية، ولكنه متحالف مع ايران وسورية، اذن فالحرب، حرب بالوكالة، وحزب الله مجرد ورقة ايرانية في هذه الوكالة!! وهكذا أسقطت تلك الـ لكن الهوية الوطنية لحزب الله!وما نقوله عن لكن نقوله أيضا عن واو العطف أو أي عطف آخر، ما دامت اللغة تتبع المنطق وليس العكس.. وأستسمح القارئ لهذه الفذلكة اللغوية المنطقية… لأنها في غاية الجدية، ما دامت فضائحها، تشكل، ويا للأسف، أهم محاور الصراع السياسي خلال الحرب وبعدها..لننتبه اذن الي هذا العطف الزمني الوارد في هذه المعادلة التي يراد لها ان تكون حجة قاطعة علي تبعية حزب الله لايران:فلأن الحرب قد اندلعت في تزامن مع الصراع الدائر حول ملف ايران النووي، اذن، يستنتج من هذا التزامن، أي من عطف الحرب علي الملف النووي، ان حزب الله يقاتل بالوكالة، وعلي أرض لبنان، لصالح ايران!!القبول بهذه الحجة يتضمن سلفاً، التسليمَ، بأن الذي قرر الحرب وأشعلها هي ايران وحزب الله. وهما معا يتحملان ـ بالتالي ـ كل مسؤولياتها السياسية والأخلاقية والقانونية! وبهذه المراوغة المنطقية، ينقلب الشك والاتهام الي براءة لصالح اسرائيل وأمريكا!!لكن، وان سلمنا بهذه الحجة كفرضية، فلكي يكون لهذا العطف الزمني بعض المصداقية، كان ينبغي ان تتوفر للقيادة الايرانية ضمانتان أساسيتان:ـ من جهة، ينبغي لها ان تكون متأكدة يقينا من ان الانتصار في الحرب سيكون حتما لصالح حزب الله. لأن خسارتها ستؤدي بالضرورة الي اضعاف وخنق وحصار ايران.ـ ومن جهة ثانية، ان يكون هذا الانتصار المحتمل بالمستوي الذي سيردع الهواجس الأمريكية ـ الاسرائيلية تجاه السلاح النووي المحتمل هو الآخر لدي ايران. بحيث لا يعود بمقدورهما ممارسة الضغط الدولي عليها. وبكلمة واحدة، ان يكون هذا الانتصار المحتمل في المستوي الذي يسقط هذا الخلاف الاستراتيجي في توازن القوي بالمنطقة، والحاسم بالنسبة لاسرائيل!والحال، ألم يكن هذان الاحتمالان في كل المعطيات الملموسة أقرب الي الغيب من الفرضيات المعقولة!لنعد الي جوهر الموضوع:بدل هذه الفوبيا تجاه ايران، والتي ركبت بعض الدول العربية ومشايعيها، علينا ان نفكر عقلانيا في طبيعة التناقضات القائمة بالمنطقة.ان مقولة الحرب بالوكالة التي ورثناها عن زمن الحرب الباردة، مقولة سطحية ومضللة لا في الماضي ولا في الحاضر، ان أغنتنا عن التحليل الملموس للواقع الملموس في كل حالة حالة. فلا أظن ان أحداً يجادل علي سبيل المثال لا الحصر، ان الثورة التحررية ـ الفيتنامية هي ثورة وطنية أصيلة، رغم تحالفها الايديولوجي والسياسي والمادي مع الاتحاد السوفياتي ومع الصين، في وقتها.لذلك، كان ينبغي طرح بعض الأسئلة علي مكنونات هذا النفوذ الايراني الذي يخشاه بعض العرب، والذي يتداولونه بخطاب عدائي، وكأنه يحمل في ذاته العداوة بالبداهة.ومن هذه الأسئلة: هل هذا النفوذ، سياسي أم اقتصادي أم عسكري؟ واذا كان سياسيا، وهو الممكن فقط، فهل سيأخذ شكل وصاية جديدة علي لبنان، بضوء أخضر دولي كسابقه، أم هو مجرد تحالف سياسي تتفاوت درجات الندية والاستقلالية فيه مع أطراف عربية بحسب طبيعة كل منها؟ وفي كل الحالات، أية وظيفة يخدم هذا التحالف من زاوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ وهل هو نفوذ اقتصادي يطال الثروات العربية أو مجرد تنافس تجاري في زمن العولمة هذا؟ أم هو نفوذ عسكري (…) أو مجرد توازن عسكري مختل (…) ومع حساب التحالفات العسكرية القائمة بين هذه الأنظمة العربية والولايات المتحدة و.. و؟الشيء الوحيد المؤكد ان مروجي هذه الفوبيا من النفوذ الايراني لا يفصحون بالمرة عما يخشونه بالضبط! أعتقد ان السؤال المفتاح لفهم هذه الفوبيا العربية من ايران يبدأ من التالي: لماذا كانت جل الدول العربية في النظام الرسمي مطمئنة ومتحالفة مع ايران الشاه المتحالف بدوره مع اسرائيل وأمريكا… ولماذا أصابها الذعر بعدما صارت ايران الثورة الاسلامية ، فتحمست للحرب ضدها، ومولتها لسنوات، وجعلت عداوتها في المرتبة الأولي فوق كل التناقضات الأخري؟! ما الجديد اذن، اذا كانت ايران هي نفسها في الحالتين: الفارسية، الشيعية، المحتلة لجزر عربية، الأقوي اقتصاديا وعسكريا في المنطقة؟عند المعاينة يظهر ان الجديد المرعب، أمران:الأول: ان النظام الايراني لم يفقد بعد عنفوانه الايديولوجي ذا المنزع الديني التحرري، رغم ما قد نقوله عن بعض جوانبه المحافظة. قلت لم يفقد بعد ، فهو كأي نظام خرج من أحشاء ثورة شعبية عارمة، يمر حتما من التناقض بين براغماتية الدولة و ايديولوجية الثورة … هذا الجانب الايديولوجي الديني التحرري الذي لا زال يفعل بقوة في دينامية النظام وتشكله، هو الذي يرعب الأنظمة العربية القائمة علي ايديولوجية دينية متأخرة وجامدة.الثاني: في مخاض هذا العنفوان الايديولوجي، لا زالت القضية الفلسطينية تحافظ علي نفس المكانة العقيدية التي نشأت عليها الثورة.ولأن القضية الفسلطينية هي بؤرة الصراع في المنطقة، عربيا وأمريكيا واسرائيليا، فان دخول ايران في الصراع من هذه البوابة، وبحجمها الكبير والقوي، يخربط كل التوازنات التي أقامها النظام العربي الرسمي، مع أمريكا، وحاول بناء استقراره عليها..اذا صح هذا التصور، فهل من المصلحة القومية ان نعادي ايران؟أبداً، فالعكس هو الصحيح… بل ان الأنظمة العربية نفسها ستكون مضطرة في دينامية التوازنات الجارية، ان تطور لمصلحتها، أوضاعها الداخلية وشرعيتها الايديولوجية، ان هي أرادت الاستمرار….لكن، رب معترض يقول: وماذا عن الدور الايراني في العراق المتواطئ مع الاحتلال الأمريكي؟ في جواب مختصر، لا بد من التنبه لثلاث ملاحظات: أولا، ان التحالف لا يعني في الأغلب التطابق في كل القضايا، ولذلك هناك ضرورة لترتيب الأولويات. ثانيا التواطؤ في العراق هش وتناقضي وقابل للانكسار في أية لحظة. ثالثا هناك مسؤولية كبيرة تتحملها النخبة الشيعية الحاكمة العراقية بوعيها المتخلف، والذي لا يقارن مع وعي قيادة حزب الله.لم نتطرق لحالة سورية في هذا المجال، لأنه اذا كنا في الحالة الايرانية أمام فوبيا، فاننا في الحالة الأخري أمام جذبة هستيرية، سرعان ما سيستفيق منها المريض ليري بوعي صالح المصالح المشتركة المتينة التي لا يمكن اغفالها بالمرة…المغالطة الرابعة: هل المقاومة تُناقض بناء الدولة القوية الديمقراطية؟ربما كان موضوع العلاقة بين الحفاظ علي المقاومة وبناء الدولة القوية الديمقراطية، الاشكال الوحيد الموضوعي في كل السجال السياسي الدائر، شرط ان نجرده من بقايا الهواجس الطائفية ومن التوظيفات السياسوية والديماغوجية.فالمقاومة، بقامتها الحالية، وباللون الخاص التي هي عليه، كانت الوليد الشرعي لتركيبة المجتمع اللبناني، ولسيرورة تطوره في ظروف ذاتية حالكة وكسيحة مرَّ منها الكيان اللبناني دولة وشعباً…وبدحرها للاحتلال الاسرائلي، وبتحريرها للجنوب، كسبت المقاومة شرعية وطنية نالت بفضلها تأييد واحتضان كل الوطن. فصارت خلال مسارها النضالي القوة الجاذبة والمنمية لميولات الوحدة المجتمعية، بعد التشظي الذي عاني منه الكيان اللبناني خلال الحرب الأهلية. لم تكن المقاومة اذن تمرداً علي الدولة ولا كانت نقيضا لها، بل هي جزء منها وبانية لها. لذلك، فان التغاضي عن هذه الحقيقة التاريخية، والقفز فوق هذه السيرورة الموضوعية، لا يمكنه الا ان يؤدي الي استصدار أحكام وتصورات في غير محلها، تقود في النهاية الي افتعال أزمة مجتمعية غير قابلة للحل.لو أمعنا النظر عميقاً في العوائق الفعلية الكابحة، التي جعلت الاشكال يظهر وكأنه تناقض بين الدولة والمقاومة، لوجدنا ان العائق الفعلي ليس المقاومة، بل النظام السياسي الطائفي الذي يكبح توليد علاقة سلسة وانسيابية وسوية بين الدولة والمقاومة. فالتناقض الحق، هو ذاك التناقض الخفي، بين الفعل الوطني التوحيدي للمقاومة، والفعل التجزيئي للنظام السياسي الطائفي، الماسك أيضا برقاب الدولة والمضعف لها في نفس الآن.والحال، ليس أمام اللبنانيين في هذا الواقع المعقد، سوي الحوار الجماعي للوصول الي استراتيجية دفاعية موحَّدة، تدمج فضائل المقاومة التي أعطت البرهان القاطع علي فعاليتها في ردع أي عدوان اسرائيلي محتمل، مع تعزيز قدرات الجيش الوطني وجهوزيته التسليحية خاصة في القطاعات التي لا تستطيع المقاومة تغطيتها في مجالات التسلح الجوي والبحري… الخ.ان الاتفاق علي استراتيجية دفاعية موحَّدة، ليس الا جانب في بناء الدولة القوية الديمقراطية. والحــــق، ان هذا المطمح الذي آن أوانه بعد كل الحروب والتجـــارب التي عاشها لبنان، لن يصير قريب المنال الا اذا شرعت النخبة السياسية اللبنانية جديا في الخروج من شرنقة النظام الطائفي نحو مجتمع المواطنة ودولته الوطنية.فالحديث عن التطبيق الصارم لاتفاقية الطائف، التي كثر الجهر بها، بعد ان تجرجر تطبيقها عنوة بتواطؤ بين النخبة نفسها، ينبغي ان ينصب علي هذه القضية المسكوت عنها بالذات، لا علي نص يطالب بحل المليشيات، والذي لم يكن أصلا علي مقاس المقاومة الوطنية. ذاك هو معيار الجرأة السياسية والارادة الحقة في الاصلاح وفي اعتاق لبنان والخروج به من الدوران الدائم في حلقات مفرغة.وفي هذا الأفق، فان المجتمع اللبناني اليوم، رغم كل الحدة الظاهرة في سجالات نخبته السياسية، ينضح بحزمة من الظواهر المساعدة، ومنها:اولا، ان مآسي وآلام وعبثية الحرب الأهلية ماثلة وحاضرة بقوة في الوعي والضمير الجمعيين… فلا أحد، ولا أي فصيل يرغب، أو يستطيع ان يجر المجتمع الي تكرار فواجع الماضي.ثانيا، ان التوزيع السياسي لخريطة التحالفات والتجمعات والتيارات الحزبية، هو غير التقسيم العمودي الطائفي، كالذي كان عليه والي حد كبير في الماضي. وهذا يؤشر الي تراجع نسبي في الهواجس الطائفية، والي تقدم مقابل في الوعي الوطني العام. ولا بد هنا من التنويه بالدور المتميز الذي يلعبه حزب الجنرال عون (وهو يمثل الأكثرية المسيحية) بجانب المقاومة وفي تأمين الوحدة الوطنية.ثالثا، ان تجربة الحرب الأخيرة نفسها، قد عمقت من وحدة المجتمع القاعدية، ان صح التعبير، وخلقت أجواءً تضامنية مناسبة لتشكل وتوسع مجتمعا مدنيا أكثر تحرراً من العصبية الطائفية.وقد أجازف بالقول، ان خلافات النخبة السياسية ذات الترسبات الطائفية، قد أضحت متخلفة عن التطورات الحاصلة في الوعي الجمعي.وخلاصة القول، ان عالجت النخبة السياسية بجدية، ومثابرة، وشفافية، المعضلة الطائفية، فانها آنذاك لن تجد تناقضا بين استمرار المقاومة وبناء الدولة القوية الديمقراطية. ولن تجد بالأحري تناقضا تناحريا بين لبنان الوطن المستقل، ولبنان العروبة المندمج بفعالية في قضايا أمته التحررية.ہ كاتب من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية