المسافة المفهومية بين السلم والسلام: حول التباس العودة العسكرية لأوروبا الي المشرق

حجم الخط
0

المسافة المفهومية بين السلم والسلام: حول التباس العودة العسكرية لأوروبا الي المشرق

مطاع صفديالمسافة المفهومية بين السلم والسلام: حول التباس العودة العسكرية لأوروبا الي المشرقكل مشروع حرب محتاج الي التسويغ اللفظوي. ليس التصويب بالقنابل والحمم النارية وحدها، بل بالكلمات وأشباه المفاهيم. الحرب محتاجة الي أنبل ما في قاموس السلام من المصطلح الثقافوي الرائج. أي أن الحرب تعجز عن تأسيس حقيقتها لا بادعاء حقيقة نقيضها. انها حرب ـ من ـ أجل السلام، لكي تحفظ السلام، لكي تعيد السلام الي أرض الخراب والجريمة. هذا ما يقيِّم مشروعية الحرب، أي فيما تغتصبه عنوةً من مشروعية السلام عينه. فالقذف بالأفكار مرافق للقذف بالمدافع. والأول لا يخفي الثاني ولكن يبرره، أو هكذا يحاول أصحابه. فان أخشي ما تخشاه الحرب هو أن تضبط عاريةً سافرةَ الوجه من دون أي قناع. هو أن يعلو صمتُ المقتول بطريقة ما فوق صخب القذائف. هو أن يغلب الموت كلّ أسمائه الأخري في محصلة كل معركة أو كارثة، بل مجزرة. ذلك أنه في نهاية كل حرب، الأبرياءُ هم الموتي وحدهم. وهؤلاء لم يعودوا يحتملون أي توصيف أو تزييف يقال عنهم، أو يقذف فوق قبورهم المجهولة أو الممحية، انهم الناجون الوحيدون من الأدلجة. لكن يبقي مع ذلك أنه للأحياء أن يتلاعبوا بأوصاف موتاهم. وهم أولئك الصنف من الأحياء المصّرين علي احتراف مهنة القتل الجماعي بخاصة، كوسيلة لسرقة حرية الآخرين وكرامتهم. انهم يؤلفون ذلك النوع من الانتصاريين الذي يعتقدون (يؤدلجون) أن رسالتهم الحضارية تتلخص في ايقاع الهزائم الكارثية بكل من يشاركهم في الانسانية لالغاء هذه الشراكة عينها كواقع تأكيداً لنسفها كمبدأ.اذا كان الموتي هم الأبرياء وحدهم في الحروب، فكيف اذن يمكن اقامة جمهورية السلام لا بأيدي القتلة من الانتصاريين الباقين دون سواهم؟ ذلك مستحيل حقاً ومع استمرار القاعدة التقليدية بأن السلم هو هدنة بين حربين. لا بد اذن أن يحلّ عصر السلام المستدام الذي كان أول المبشرين به فيلسوف الحق (كانط). انه ليس سلم الهدنة الذي يعني توقفاً مؤقتاً عن الحرب، كما لو كان القتل المتبادل هو الحال المستديمة، والسلم عارض طارئ عليها. والفارق بين لفظي السلم والسلام بالعربية قد يساعد في ادراك التمييز الدقيق بين الدلالتين. فالأول الا تتم دلالته لا باستدعاء نقيضه الذي هو الحرب. السلم حالة ايجاب تضاف علي الحرب. انه اللاقتال. فالأصل اذن هو القتال. والسلم هو التوقيف المؤقت، أو الممر أو الاستراحة الضرورية بين حلقتين من سلسلة الحرب المتواصلة. أما السلام فدلالته ترجع الي ذاته. انه ينبني بعوامله الموضوعية، مانعاً في الوقت عينه من توليد ما يضادّه. بمعني أن مجتمع السلام قد توصل داخلياً الي اقامة كل الشروط والمؤسسات المشروعة عقلانياً وأخلاقياً الكفيلة بتنمية دفاعاته الحضارية الايجابية، والعاملة في الآن عينه علي منع اختلافات التكوين والتكامل بين جماعاته وأفراده من التحول الي خلافات وصراعات لا تجد حلولها داخل جغرافيتها البشرية الخاصة، ما يضطرها الي الانعكاس خارجياً علي مجتمعات الآخرين التي تشكو هي أيضاً من ذات الأعراض.فالفارق المفهومي بين السلم والسلام هو عنوان النقلة / القطيعة بين حضارة العنف والمدنية. ما يجعل الفكر الاستراتيجي المعاصر موزعاً بين موقفي التشاؤم المفرط غالباً، والمتفائل القليل المتلعثم، بالنسبة لمصير انسانية القرن الواحد والعشرين الذي لن يكون أفضل من سابقه الموصوم بقرن الأنواع المطلقة من كوارث الحروب العالمية والمجازر الكلية. لكنه مع ذلك قد سجّل، في محصلته علي الأقل، مكان المدنية كمشروع علي أرض التحقق الجيوسياسي وليس مجرد نزوع طوباوي. فلم تكن ولادة الاتحاد الأوروبي، مثلاً، قابلة أخيراً للارتسام وتغطية وجه هذه القارة العجوز، وهي الممثلة الفريدة لحضارة العنف: لفلسفتها وتاريخها ومقابرها ومتاحفها، لو لم تحقق تلك القفزة الأنطولوجية، والاستثنائية في التاريخ العالمي، من عصور الارتهان لحاكمية الحرب والسلم وثنائيتها المستبدة بكل شؤون المصائر العامة لشعوب القارة، صانعة حضارة العنف وأسيرتها الأزلية، الي عصر السلام الثقافي أولاً بين حضاراتها القومية، وبالرغم من موسوعة الصراعات بأنواعها المنشئة لشبكية علاقاتها فيما بينها. ها هي أخيراً تقف علي أعقاب تلك المدنية التي طالما دعا اليها فلاسفتها ومبدعوها. قد تقف في عتبة المدنية وتقرع أبوابها، ولكن دون أن تدخلها تماماً وتغلق الأبواب وراءها. انها فخورة في البداية بنوع من انتصارية غير مألوفة في ساحات الوغي، انتصارية علي الارتهان لحاكمية الحرب والسلم. ولكن ضمن حدود قارتها فحسب. أما في العالم، فلا يبدو أن ذلك هو من شأنها اليوم، أو علي الأقل من همومها العاجلة. لكن بعد حروب (الشرق الأوسط) وانذاراتها المتوالية بالامتدادات خارج زمكانها، وجغرافيتها، راح يطرح الفكر الغربي، وبأصوات البعض من رموزه الكبار، ذلك التساؤل شبه المسكوت عنه حتي الآن، وهو: الي متي يمكن لمدنية السلام أن تشكل في التاريخ الكوني حادثاً استثنائياً، أن تعيش وتتنامي في جزيرة مغلفة وسط محيطات العوالم القديمة، المستعبدة بحاكمية الحروب المستدامة، وانقطاعاتها السلمية العابرة؟هذا مع العلم أن اطلاق التساؤلات من النوع الأنطولوجي والكوني، لا ينتج ثمة فعالية مؤثرة الا حينما يقترن بفواجع الواقع اليومي الانساني. والعدوان الاسرائيلي علي لبنان لم يكن ليوقظ لحظة بعض الضمير السادر، لو أن سرائيل خرجت بفوز واضح، كما تفعل كل يوم بقتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم، ومن دون أن يثير حالة استفظاع واستنكار واحدة علي المستوي الرسمي الاتحادي الأوروبي، ان هزيمة اسرائيل هذه المرة لها مفهوم واحد لدي العقل الاستراتيجي الغربي، وهو أنه الاشارة الأولي، ولكن الأقوي علي عقم المشروع الصهيوني من أساسه العقائدي الايديولوجي. اسرائيل لم تخسر معركة في حربها المستدامة لكنها خسرت هذه الحرب نفسها، مع سقوط عقيدتها المؤسسة لسيرورتها من البداية، وصولاً الي هذه النهاية المخيبة تماماً لكل مقدماتها. اذ أن دولة تقوم فقط علي الردع، أي الحرب وحدها، فانها ساقطة حتماً بسقوط قاعدة وجودها تلك.كل ايديولوجيا هي طغيانية في طبيعة تكوينها، لأنها مضطرة الي اختيار العنف وحده وسيلة للدفاع عن أساطيرها، بدلاً من قوة البرهان والمحاججّة علي الحقيقة التي لا تمتلكها بل تدعي تأويلها بما يضادها أي بالوهم وحده. وبالتالي فان دولة الايديولوجيا هي دولة الحرب المستدامة. هذه النتيجة ليست من مستوي بديهة نظرية، انها الراسب المتحصل من تجارب حضارات العنف كلها، وأقربها أمثولات القرن العشرين. ولكن تكرارها علي صعيد واقع غير أوروبي لن يمنحها أية مصداقية زائفة، بقدر ما يدعم تهافتها.النتيجة الوحيدة التي لا بد أن يعترف بها بعض عقلاء الغرب أخيراً هو أن لا مستقبل أبداً لما يمكن أن يسمي بالتعايش بين الكيان العبري ومحيطه العربي. وكل الحلول علي هذا الطريق قد ثبت بطلانها. كما أن عطاء الحرية لمنطق الثنائية الاستبدادية المتمثلة بحاكمية الحرب المستدامة، كيما تكتب بالنار والدم مستقبل الانسان في هذا الجنوب الأوروبي الآخر، لن يشكل سوي محاولة استقلاب لتاريخ أوروبا القريب نفسه في جوانبه الأكثر عقماً ودموية؛ أما خارطة الطريق نحو الحل الأبقي، فينبغي أن تعيد التمسك بالغاء دولة الدين الواحد، واقامة دولة فلسطين الواحدة لكل سكانها الأصليين، ولمن يريد البقاء في ظلها من الطارئين.تطويق لبنان بالحرس ـ عفواً بالعسكر الأوروبي، لن يسجن المقاومة المظفرة، ولن يلغي نتائج صمودها عملياً واقليمياً. أما الرسالة الأوروبية فينبغي أن تكتب بغير هذه الرموز والاشارات، انها الفرصة التاريخية حقاً لأن تمارس أوروبا، بدلاً من حصار الشعب المقاوم وحرمانه من جني ثمار الصمود، واجباره فقط علي الاستنفاع في الجانب الآخر من وعثاء الحرب وأثمانها العمرانية والانسانية الباهظة، أن تمارس بعض ما تمليه عليها ثقافة السلام المستدام للقطر الصغير بالعزم الحقيقي علي دعمها وتأبيدها بسلام الوطن الكبير، وبدءاً كذلك من رسم خارطة دولة هذا السلام من فلسطين الواحدة لجميع أبنائها.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية