الآف ماتوا علي معابر تستخدمها اسرائيل لتجويع مليون فلسطيني ونحن صامتون
غزة محتلة من جديد. علي العالم أن يعرف ذلك وعلي الاسرائيليين أن يدركوا ذلك. وضعها أفظع من أي وقت مضي. منذ اختطاف جلعاد شليت، وخصوصا منذ اندلاع الحرب في لبنان – انفلت الجيش الاسرائيلي في غزة دون كوابح، وليس هناك وصف آخر لما يقوم به من قتل ودمار وقصف من دون أي تمييز غير كلمة الانفلات.
لا يفكر أي أحد بتشكيل لجنة تحقيق، فالقضية ليست موجودة بالمرة علي جدول الاعمال، ولا يسألون لماذا يتم ذلك ومن الذي قرر ذلك. ولكن، تحت غطاء ظلام الحرب في لبنان عاد الجيش الاسرائيلي للتصرف في غزة وكأن فك الارتباط ليس قائما. لذلك يتوجب أن نقول بصورة قاطعة: فك الارتباط مات. باستثناء المستوطنات المدمرة، لم يتبق أي شيء من فك الارتباط هذا ومن وعوده. كم تبدو سخيفة ايضا كل الوعود التي أُطلقت مع هذه الخطة، وكل الأحاديث عن نهاية الاحتلال و تقسيم البلاد: غزة محتلة وبغلظة ووحشية أكبر من أي وقت مضي. ليس هناك أي أساس للقول بأن من الأسهل للمحتل أن يسيطر علي غزة من الخارج، ولا علاقة له البتة مع ظروف حياة الخاضعين للاحتلال التي لا يمكن تحملها.
في الوقت الحيوي من ساعات النهار لا توجد في غزة كهرباء. اسرائيل قصفت محطة الطاقة الوحيدة في غزة وأكثر من نصف امدادات الكهرباء مشلولة لمدة سنة اخري علي الأقل. المياه ايضا تتوفر بصعوبة. ولأن الكهرباء غير موجودة فامدادات المياه للمنازل مشوشة تماما. غزة آسنة وأكثر قذارة من أي وقت مضي: بسبب المقاطعة التي فرضتها اسرائيل والعالم علي السلطة المنتخبة ليست هناك رواتب، وعمال النظافة مُضربون منذ عدة اسابيع. القمامة مُكدسة وسحابات الدخان والروائح تخنق القطاع. يحوّلونه الي كالكوتا.
غزة ايضا تشبه السجن أكثر من أي وقت سابق: حاجز ايرز فارغ، ومعبر كارني فتح في الشهرين الأخيرين لعدة ايام فقط. كذلك الحال مع معبر رفح. 15 ألف مواطن انتظروا طوال أشهر للخروج من غزة الي مصر، بعضهم ما زال في الانتظار ومن بينهم المرضي والجرحي بنسبة كبيرة. 5 آلاف آخرون ينتظرون في الجانب الآخر من المعبر للعودة الي منازلهم. بعضهم ماتوا خلال فترة الانتظار. يتوجب أن يري الواحد منا هذه المشاهد في رفح بأم عينه حتي يدرك المأساة الانسانية التي يمر بها الناس هناك. هذا المعبر الذي لم يكن من المفترض أن تكون اسرائيل موجودة فيه، ما زال وسيلة تستخدمها للضغط علي مليون ونصف مليون انسان في غزة. هذه عقوبة جماعية مثيرة للصدمة والخزي. الولايات المتحدة واوروبا الذين أرسلوا شرطتهم الي رفح يتحملون المسؤولية هم ايضا عن الوضع.
غزة ايضا أفقر وأكثر جوعا من أي وقت مضي: ليس هناك دخول للبضائع، ومن المحظور الصيد في البحر، وليست هناك رواتب لعشرات آلاف من موظفي السلطة، أما العمل في اسرائيل فحدّث ولا حرج.
كل هذا ولم نتطرق بعد للموت والدمار والرعب. خلال الشهرين الأخيرين قتلت اسرائيل 227 فلسطينيا، 62 منهم اطفال و25 امرأة. هي قصفت وصفّت ودمرت من دون ازعاج أو عراقيل. ليس هناك ما يبرر القتل بهذه الكمية حتي وإن كان خلايا القسام أو أنفاق التهريب. ليس هناك يوم من دون قتلي، والقسم الأكبر منهم هم من الناس البسطاء.
أين هي الايام التي كان فيها عندنا نقاش وجدل حول سياسة التصفيات: اليوم يقوم الجيش الاسرائيلي باطلاق عدد لا يحصي من صواريخه وقذائفه علي المنازل ليقتل عائلات بأكملها علي طريق عملية اغتيال جديدة. المستشفيات في حالة انهيار مع نحو 900 جريح. في مستشفي الشفاء في غزة، الذي ربما يمكن أن يُسمي بالمستشفي، شاهدت في الاسبوع الماضي مناظر تقشعر لها الأبدان. اطفال مقطوعو الأطراف تحت التنفس الصناعي، مشلولون، عجزة الي الأبد. عائلات قُتلت وهي في سباتها، أو خلال امتطائها حمارا أو مرورها في الحقول. اطفال مرعوبون من المشاهد التي رأوها ينغلقون في منازلهم. صحفي من اسبانيا كان قد قضي الفترة الأخيرة في غزة وشاهد عددا كبيرا من الحروب ومناطق الكوارث في العالم قال لي انه لم يتعرض ابدا لمثل هذه المشاهد الصعبة التي رآها ووثقها في غزة في الاشهر الأخيرة.
من الصعب معرفة من الذي قرر كل ذلك. هناك شك أن يكون الوزراء عالمين بالواقع القائم في غزة. هم يتحملون المسؤولية عن ذلك. من القرار البائس حول المقاطعة مرورا بقصف الجسور ومحطة الكهرباء وانتهاء بالتصفيات الجماعية. اسرائيل مسؤولة منذ الآن مرة اخري عن كل ما يحدث في غزة.
الأحداث في غزة تكشف ايضا عن الخدعة الكبيرة التي قامت بها كديما: هي صعدت الي الحكم علي أجنحة النجاح المزعوم لفك الارتباط الذي اشتعلت فيه النار الآن، وقد وعدت الناس بالانطواء إلا أن اولمرت قد تراجع عن هذا الوعد الآن. من اعتقد أن كديما هو حزب وسط سياسي، سيدرك منذ الآن أنه ليس إلا حزبا احتلاليا يمينيا اضافيا، مثله مثل حزب العمل: وزير الدفاع بيرتس مسؤول عما يحدث في غزة بدرجة لا تقل عن اولمرت وأيديه ملوثة بدمائها مثله تماما. لن يكون بامكانه أبدا أن يطرح نفسه مرة اخري كـ رجل سلام. الاجتياح البري يجري في غزة اسبوعيا وفي كل مرة لموقع جديد. هذه عمليات قتل ودمار من البحر ومن الجو ومن البر بأسماء مغسولة مثل أمطار الصيف أو جنة مغلقة. ليس بامكان أي تفسير وذريعة أمنية أن توضح دائرة الجنون هذه، وليس بامكان أي تعليل مدني أن يبرر صمتنا جميعا المثير للغضب. جلعاد شليت لن يعود بهذه الطريقة، واطلاق صواريخ القسام لن يتوقف. بل علي العكس. في غزة تحدث جريمة بشعة وهي قد تؤدي الي منع بعض الاعمال الارهابية علي المدي القصير، إلا أنها سرعان ما ستتمخض عن ارهاب أكثر دموية وفظاعة. اسرائيل ستقول بصورة متصنعة حينذاك: أولم نُرجع غزة لهم؟
جدعون ليفيمحلل خبير في حقوق الانسان(هآرتس) 3/9/2006