الهجرة في الأدب العربي المعاصر لعمر الشارني (2 من 3)
محسن توفيق الحكيم نرجسي ومثالي.. و مصطفي سعيد الطيب صالح يقيم استعلاءه علي خضوعه ويتقدم الي بوابة الواقع عصفور من الشرق تجربة عن وعي الاصطدام والصدمة.. وذاكرة الجسد عن ذاكرة متوحشة تستند علي مجابهة الوعي لذاتهالهجرة في الأدب العربي المعاصر لعمر الشارني (2 من 3)سعيد بوخليط علي ضوء ما سبق، يحدد الأستاذ الشارني طبيعة المفكر الذي يتوخاه، فهم لا يخرج عن المقدمات النظرية التي وضعها الباحث لعمله، ثم قناعاته الذاتية وكذا الحمولة الايديولوجية التي استند عليها من خلال توجيه نقد بل وفضح واقع عربي يعيش في مستنقع التاريخ، بمؤسسات ينخرها الموت طولا وعرضا. وانسجاما حتي مع النصوص الأدبية والنماذج التي جاء بها الأستاذ الشارني للحديث عن الهجرة. انه بكل بساطة: المثقف الكوني التقدمي الملتزم بقضايا وطنه وشعبه: ان المفكر هو دائما مسؤول أمام شعبه وقياسا الي وطنه. وما يحدث لهذا الشعب من خير أوشر، لأنه الوحيد الذي بامكانه ان يحتضن بنظرة خاطفة زمانه وكذا زمان الآخرين، ثم ثقافته وثقافة الآخرين .تتغير المفاهيم اليوم بسرعة أنفاسنا، العالم يتقلص في كل لحظة. الأجناس المعرفية تذوب بعضها في البعض الآخر، الحدود تنهار. كيف يمكن اذن اقامة منظومة فكرية حداثية جامعة ؟ قادرة علي التماهي مع هذه السياقات الجديدة. الأمر بسيط: أن نتكلم لغة العصر. فرضيات لا تأخذ كامل ممكناتها وأقصي احتمالاتها الا بتحطيم أصنام الدوغما وأصول العقائدية العمياء. التي لا تؤدي الا لمزيد من الارتكاس والتراجع.نحن ذات تاريخية، والتاريخ يفترض الاحتراس واليقظة وأخذ زمام المبادرة بالخصوص. وبالتالي، فان كل عطالة أو جمود أو استكانة تقود الي التلاشي. وفي أحسن الأحوال الي الأوهام وهي كثيرة في ثقافتنا العربية.يؤكد الأستاذ الشارني، بأن النصوص الروائية التي وظفها في عمله هذا تمثل مرحلة متقدمة وعميقة، فيما يخص قضية ادراك علاقة الذات بذاتها وكذا الآخر. التطور الذي حصل داخل وعي بعض الأدباء العرب، هو ما سعي الي التقاطه والوقوف عليه. الا أنه من الصعب الاجابة أو معرفة التأثير الذي يمكن أن يحدثه عمق هذه النصوص علي الواقع العربي.لكن لماذا الأدب بالضبط وجنس الرواية بالخصوص؟ يقول الأستاذ الشارني: الأدب هو أجمل تعبير عن هذه الحرية والرواية زهرته. بقدر ما يكون المسرح حبيس ديكور ومشهد ووحدة المكان والزمان. وبقدر ما تكون القصيدة نشيد عندليب في الغسق. وبقدر ما يكون الرسم تثبيتا متخلفا ومخادعا للحظة شاردة وغير تامة أبدا. فان الرواية تصنع وتفكك عالما يمكن الروح من أن تعيش بكل هناء، وأن يشاركها ويخلصها كذلك من آلامها وأحزانها. انه في الآن ذاته فضاء للتأمل والسعادة، وكذا التعلم والتمتع. فضاء للصحبة أو العزلة. انه النظري الذي تحول الي التطبيقي بعد أن خلصه من خبائثه وقصاصاته. يأخذه ويتسامي به الي درجة عالية من الشفافية والنقاء. الفن الروائي هو هذا الفن الذي يرتكز علي أن يقارب في الحياة المشاهد المألوفة أكثر والوقائع الأكثر اعتيادا، ولكنه يعمق فيها الخصيصات النوعية الي حد أن يجعل منها لوحة رائعة .الكتابة الروائية حسب الأستاذ الشارني تجمع وتوحد بين القصيدة والرسم والمسرح ثم الموسيقي، كل ذلك في حركة واحدة. وبالتالي، يتم الرهان عليها هنا من أجل ايصال الرسالة الحضارية والتاريخية التي يتوخاها الباحث.روايات الهجرة التي يحللها في مؤلفه هذا. تضيف الي الخصائص الاستتيقية للرواية، مجموعة من المعطيات النظرية الأخري، تعكس الأطروحة المركزية التي قام عليها الفكر والثقافة العربيان، أي حدود العلاقة بين الأنا والآخر ومن خلالها علاقة العرب بذواتهم.اشكال الهجرة الي اوروبالقد أخذت الهجرة الي أوروبا أشكالا اقتصادية وثقافية وسياسية.واذا ارتبطت الأولي بحاجة أوروبا الي يد عاملة في لحظة تاريخية ما من أجل تشغيل دواليب اقتصادها. فان الثانية والثالثة تبقيان ذات أهمية قصوي ليس فقط ارتباطا بطبيعة الوعي الذي أحدثته ولكن خاصة من خلال عينة الذوات التي كانت موضوعا لهذه الهجرة.أكثر الذوات احساسا بالحياة، هي التي توجهت الي أوروبا لأنها أصطدمت بخيبة أمل في هذا الواقع العربي. وبالتالي وجدت في أوروبا فضاء رحبا وواسعا من أجل بلورة أفكارها بالخصوص.أوروبا بمؤسساتها الثقافية وجامعاتها الراقية، ومعاهد ومراكز البحث… ثم المناخ الملائم الذي تخلقه أجواء اللبيرالية والحرية… . كل ذلك، جعل منها ملجأ حقيقيا لكثير من المثقفين العرب، الذين اختنقوا بالأجواء السائدة داخل مجتمعاتهم. وتجب الاشارة، الي أن كثيرا من هؤلاء المثقفين تحولوا الي أسماء دولية بفعل ظروف الاشتغال والبحث التي وفرتها لهم أوروبا.تبقي الهجرة اذن ظاهرة سوسيو- تاريخية، تحكمها مجموعة من الحيثيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. لا تقتصر في حقيقة الأمر علي المجتمعات العربية بل تشمل كل المجتمعات الانسانية، مما يعطيها بعدا انسانيا. الاختلاف فقط يكمن في نسبية المعطيات التي تحكم الظاهرة وتختلف من مجتمع الي آخر. اضافة الي الموقف والبعد المفهومي ان صح التعبير الذي يمكن أن تأخذه الهجرة وكذا مستويات الموقف وردود الفعل الذاتية من قبل الشخص المهاجر.لا شك أن الأستاذ الشارني اختار نماذجه الروائية: الحكيم الطيب صالح أحلام مستغانمي وهي تتباعد زمانيا. وربما كل نموذج يجسد حقيقة زمانية بكل تطلعاتها وأحلامها واحباطاتها.توفيق الحكيم، نموذج للمثقف العربي الذي هاجر الي باريس في بداية هذا القرن من أجل العلم والمعرفة. وبالتالي سنقف في هذه الحكاية علي نوع من الصراع الفكري والايديولوجي بين الشرق والغرب، أي بداية تشكل ملامح صراع حضارتين مختلفتين من ناحية الأسس والغايات والقيم والمفاهيم.هذه المرحلة أعطاها الأستاذ الشارني تسمية الوعي النرجيسي حيث جسد الحكيم هذا الاحساس المفرط والمرضي بالذات في مواجهتها للآخر الأوروبي. لأنه: ظل لصيق ذاته، مكتفيا بالحكم علي حياة يرفض معرفتها أو فهمها . فهي ذات مكبوحة ملتفتة الي ما سلف. ذات تبقي سجينة ذاتها وأوهامها وهلوساتها. ثم ترفض أي شكل من المواجهة مع الحاضر .مصطفي سعيد ومرحلة تاريخيةفي حين مصطفي سعيد مع موسم الهجرة الي الشمال يمثل مرحلة تاريخية تعود الي سنوات السبعينات، وهجرة أستاذ سوداني قصد التدريس في الجامعة البريطانية. وهو علي العكس من محسن عند توفيق الحكيم، فان البطل هنا: يقيم استعلاءه علي خضوعه، ويتقدم الي بوابة الواقع، أي بوابة التاريخ .بينما تدخل ذاكرة الجسد لأحلام مستغلانمي، ضمن نموذج آخر سعي من خلاله الأستاذ الشارني، فحص واختبار مفهوم الهجرة السياسية مع لجوء أحد المقاومين الجزائريين القدماء الي باريس. نوع من المنفي الاختياري، احتجاجا علي واقع قد لا يتحمل حتي ذاته. ليستبدل هذا العمل تاريخنا الميت بمفهوم آخر يؤسس: لذاكرة متوحشة وثائرة، تأخذ كل أهميتها التراجيدية من خلال مجابهة الوعي لذاته. العنصر الجديد في هذا الشأن، هو أن الأمر لا يتعلق بتاريخ عبء ولكن تاريخ -قوة. قوة حية لا تقهر، تسكننا وتوجهنا وتضغط بثقل علي أفكارنا وأفعالنا، لم يتم وضعها داخل خزانات الزمان. هي تاريخ تراجيدي، لأنها لازالت رهان حاضر يرتجف ويهتز حياة وعنفا .كل واحدة من هذه المسارات تمثل لحظة وعي مختلفة ومتميزة داخل الوعي العربي هناك: 1 ـ النرجيسية. 2 ـ الثورة. 3 ـ النقد الذاتي.اذا تأملنا التمرحل، سنلاحظ بأن الوعي العربي يتطور وينمو تصاعديا داخل هذه النماذج الابداعية. فالنرجسية لا يمكنها في جميع الأحوال الا التعبير عن حالة مرضية باثولوجية. تظهر عجز الذات عن التفاعل بشكل موضوعي مع المحيط والأشياء. تمركز جنوني حول الذات، يحتكم الي موقف طفولي وساذج.أما ثورة مصطفي سعيد الانطولوجية، فانها تشكل بداية أسس وعي نقدي. أي ملامسة الذات في نسبيتها وجدلياتها وتوتراتها، سواء عبر تاريخها أو علاقتها بالعالم ومكوناته.انه تطور حضاري راق جدا، يعكس مستوي نضج كبير عند ذات شجاعة وجريئة. ما دام، أن الموقف يفترض في حقيقة الأمر مواجهة حقيقية وحساسة تمس الاختيارات الكبري للذات والتي تتوزع بين احساسين نفسيين يتأرجحان بين النجاح أو الاخفاق. ولاشك أن النتيجة الثانية لا تكون دائما مضمونة النتائج.لذلك، اذا دل النقد الذاتي عن شيء فانما يدل علي قدرة الذات بفاعلية لمواجهة العالم، وأن تعيد بشكل دائم ومستمر صياغة ممكناتها، وبأن جوهرها منفتح باستمرار لا يمكنه الارتهان الي احتمال بعينه. انها تحس بالحياة، وبالتالي فهي ذات تاريخية وسوية من الناحية النفسية…. أشياء ظلت تفتقدها الذات العربية.السياق العام للكتاب وأطروحته التاوية وكذا الظاهرة، يفكران في مدي قدرتنا علي القيام برؤية جذرية بخصوص قضايانا السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية. والتخلص من هذه النرجسية الفارغة التي شكلت مأساة العرب ولاتستند علي أي منطق تاريخي أو مبررات سيكولوجية.لقد ظلوا عند حدود التغني بماض مجيد يمدحونه في كل لحظة وآن. شاهد الماضي هو الحاضر، والحاضر لا يمكننا موقعته الا بتملك المستقبل. فالعلاقة متداخلة ومترابطة بشكل كلي، بحيث يصعب تفكيك خيوطها.الوقوف عند الماضي وامتداحه بل استشرافه عاطفيا ولغويا ان صح هذا التعبير، يفلت منا حتي هذا الماضي نفسه، وهو في أبسط تعريف ليس ماضينا فقط بل ارث تقتسمه الانسانية جمعاء.مثلما أن الحضارة الفرعونية ملك لكل انسان أينما وجد حتي وان كانت جنسيتها مصرية. فان المنطق ذاته ينطبق علي الارث الفكري اليوناني أو النظام السياسي الروماني وحضارة بلاد الرافدين. ابن رشد يتقن كل اللغات، والمتنبي يزرع الحياة في جميع الأنفس الحالمة، مثلما أن سقراط أستاذ للكل….يجب أخذ الأشياء بحس ووعي تاريخيين، حتي نتجاوز هذا التمركز المرضي حول الذات، وكذا مجموع العقد السيكولوجية التي ترتبت عن ذلك وبالتالي حاصرت بشكل واع أو لاواع الذات العربية.فـ: le moi aui عليها القيام بمجموعة من الثورات، وعلي واجهات كثيرة ومتعددة حتي تتحول الي أنا مسؤولة بنضج وحرة، قادرة علي مواجهة التحديات في زمان يتغير بسرعة قياسية.اختيار الأستاذ الشارني لنصوصه. كان ذكيا وموجها، يستند علي خلفية سياسية ومعرفية انسانية بالدرجة الأولي. تلاحق تطور ونمو الوعي العربي من النرجسية الي الثورة والنقد الذاتي. يقول محددا الخاصية الفكرية والنظرية للأعمال المنتقاة للحديث عن الذات المحاصرة: هناك نفس جديد وغير معروف في الأدب العربي: ادراك النقد الذاتي، ليس كذنب ذاتي فردي يسلب الأنا حتميا. ولكن كانفصال للذات باعتبارها تمزق أو تقطع لأنا متأهبة، حيث تتبادلان الاتهامات فيما بينها. لكن كذلك يقر أحدهما الآخر كليا في هذا التعارض: الواحدة تسكن الأخري وتتنكر لذاتها. الأخري تسكن ذاتها وتهرب من الآخر. يمكننا أن نقول في الواقع، بأن رواية مستغانمي تمثل نمطا جديدا في الأدب العربي، حيث ينزاح الوعي عن مركزه، ويتخلي عن نرجسيته الطفولية، ويتجاوز تمزقه التراجيدي المميت لكي يقبل ويتحمل الآخرية بثقة ونضج. تظهر الهجرة كما يجب أن تكون، أي كحيز للابتعاد والتوسط. ما دام أن وظيفتها بالضبط تكمن في تباعد الذات عن ذاتها. انها ليست بمرآة تحيلها الي ذاتها كما هو الحال مع الحكيم، ولا بصحراء تجذبها وتذهب بها الي تحققها الكلي، كما هو الحال مع الطيب صالح. بل هي علي العكس من ذلك، مجال للسكينة والصفاء تكتسبها الذات من خلال وصولها الي سن النضج أي العقل .لاشك أن هذه الأعمال وبهذا العمق النظري والمفهومي، وكذا مستوي التغير الكيفي في رؤية العالم، تمثل مسارا جديدا في تراكم انتاجات الأدب العربي المعاصر. مما يفترض كذلك مقاربة نقدية جديدة، من أجل تمثل أفق هذا الوعي الذي يتجاوز بشكل جذري بنيات واقع اقتصادي وسياسي وثقافي متخلف ومتأخر تاريخيا. هناك مسألتان أساسيتان بهذا الصدد:1 ـ ان الوعي الاقتصادي العربي عليه استثمار هذا التطور من أجل بلورة وعي نقدي متقدم علي مستوي البنيات الاقتصادية والاجتماعية. مما يعيد طرح معادلة كون البنيات المادية وان كانت تلعب دورا أساسيا في تأسيس الوعي، الا أن العلاقة ليست حتمية أو ميكانيكية بل هي جدلية ونسبية كذلك. وقد تكون البنيات السوسيو ـ اقتصادية متأخرة لكنها تحقق عطاءات أدبية وفنية راقية جدا. والأمثلة كثيرة في هذا الصدد يكفينا الاستشهاد بروسيا القرن. وكذا أدب أمريكا اللاتنية.2 ـ المسألة الثانية، تحيل علي الدور الكبير للهجرة في زعزعة اليقينيات الجامدة لمجموعة بشرية ما. ذلك أن العامل الخارجي وتسلل عنصر الآخر الي منظومة ثقافية ثانية، ومن خلال عنصر المغايرة والاختلاف. يؤدي الي اعادة النظر في مجموعة من الثوابت والبديهيات . وبالتأكيد، فان المثقفين الليبراليين هم أول من دعا الي ذلك في تاريخنا العربي.مع هذه التجارب الروائية، تتحمل الذات مسؤولية اختياراتها، لتعيش مصيرها بكل حرية. تخرج من شرنقة التصورات الميتافيزيقية الممزوجة بأبعاد أسطورية عن الذات والقدر والمصير والاختيار والجبر….التخلص من ذلك، يكمن في موضعة الذات داخل التاريخ، ونقل وعيها الزائف القائم علي مجموعة من المحددات السيكولوجية والعصابية المرضية، الي وعي ناضج ومبدع يخلق مسافة موضوعية وعقلانية بين الذات والآخر والعالم. لكي يحصل الوعي العربي علي حريته ويتجاوز المناحي والروافد الدينية واللاهوتية التي تحاصره وتعمل علي تسييجه، ثم يدخل في علاقة واقعية ومباشرة مع التاريخ. يصنع البشر مصائرهم، مسؤولون عن اختياراتهم وعليهم اقتحام الأشياء بكل جرأة وشجاعة. فالاحساس بالضعف والهزيمة يتأتي من غياب الذات علي مسرح التاريخ.الحصاريفسر الأستاذ الشارني مفهومه للحصار بقول مضمونه ان الذات المحاصرة تعني أن كل مبدع من المبدعين الثلاثة محاصر نفسيا وتاريخيا بل ووجوديا من خلال وضعية تعمل علي كبحه وايقاف اندفاعه وكذا انطلاقته. العوائق هي: 1 ـ النرجسية 2 ـ القدر والمصير 3 ـ الذاكرة.فالحكيم أو الطيب صالح أو أحلام مستغانمي، ومن خلال الصورة التي يجسدها كل واحد من هؤلاء: 1 ـ صورة الطائر في قفصه 2 ـ صورة بطل حبيس وسجين مصير مرفوض، 3 ـ ثم صورة المونشو الواقع تحت سيطرة العزلة والذاكرة.صورة أو صور في بعدها المجازي تعكس كليا وضع العالم العربي المحاصر في ماضيه وحاضره وكذا مستقبله. ويشمل كل المظاهر الممكنة للحياة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.كيف السبيل اذن للخروج من هذه الوضعية؟الجواب علي هذا السؤال في الحقيقة لا يتأتي لفرد واحد كالشارني أو أي مثقف تقدمي آخر. بل هو خيار جماعي ومشروع تاريخي مرتبط بمصير أمة وكتلة من البشر، موجودة في بقعة جغرافية ما ويتحتم عليها الالتقاء بمجموعات انسانية أخري، لأنها لا تعيش في جزيرة منعزلة. كما أن التاريخ يصنع آلياته ويديرها في غني عنا وعلي الرغم من تطلعاتنا وطموحاتنا. لذلك يجب التوفر علي سرعة البديهة وقوة الحدس وذكاء الحواس لفهم ألغازه. بين التاريخ والجسد توفيق الحكيم: عصفور من الشرقتجسد هذه الرواية نموذجا شبه كاريكاتوري لتلك النفس السعيدة الغارقة في نرجسيتها والمتمحورة علي ذاتها بشكل مرضي، لكي تجعل منها مركزا للعالم ومصدرا وحيدا لكل التصورات والاحتمالات الممكنة حوله.لقد مثل محسن حقا هذا النزوع النرجسي، من خلال دفاعه المستميت علي امتداد الرواية، علي الأطروحة التاريخية المغلوطة التي تؤكد تفوق المشرق علي الغرب، انطلاقا من كون المشرق منبعا لقيم روحية سامية. في حين أن الغرب مرتع لنزعات مادية الحادية ولا أخلاقية، ستؤدي به حتما الي الانحطاط.ظل هذا التصور مغلفا الوعي العربي، بل ولا يزال يتمظهر بشكل أو بآخر في مجموعة من الكتابات، تؤكد بأننا الأقوي بقيمنا وعقيدتنا. في حين أن الحضارة الأوروبية بفلسفتها الفكرية الوضعية ، تقود الانسانية لا محالة الي الانهيار!!! لذلك ظل محسن ـ بطل عصفور الشرق ـ ومن ورائه توفيق الحكيم، يشعر بأنه عليه القيام بمهمة: اعادة فتح سبل العالم الآخر أمام الأنفس الضائعة بـ الحضارة المعاصرة . وحيث يرتبط بعزم وقوة: بطريق السماء، مؤكدا بأنه قادر علي تخطي كل العوائق. اذ يظهر بان كل تجربته في مملكة الأرض تشتغل كتجربة مضادة للكشف عن البطلان وبالتالي ضرورة الرجوع الي السماء .تمثل رواية عصفور من الشرق نموذج الهجرة التي كانت غايتها الدراسة وكسب العلم. طالب يحمل بين حقائبه تمثلا نوستالجيا عن فضاءات وأمكنة الولادة. صور تشتغل سلبيا عن الذات الحاملة لها،مما يجعلها عاجزة وجوديا عن الاندماج الفعلي والحقيقي في المجتمع الجديد.فشل محسن في عصفور من الشرق في ادراك الواقع الموضوعي للمؤسسات التي تشكل وتؤثث المحيط الجديد، تحول عنده الي كبح وعجز نفسيين. تم التعويض عنهما بالهروب الي الماضي أو ابداع وخلق صورة وهمية ومتوهمة عن هذا الواقع الجديد. وزائفة في تصورها المطلق لماض رائع ومثالي . الشيء الذي يعكس عدم قدرة محسن ـ ومن خلاله الوعي العربي المعاصر ـ عن امتلاك الحاضر وبالتالي الدخول الي التاريخ من بابه الواسع.لقد انطلقت الرواية اذن من اعتقاد أساسي، مضمونه تفوق وتميز الشرق العربي عن الغرب الأوروبي. عناصر هذا الاعتقاد، تفعله مجموعة من العلاقات الضدية والعكسية. تنصهر في تقابلين كبيرين:1 ـ عنصر مكاني: حياة باريس الحديثة والعصرية.2 ـ عنصر زماني: زمان الماضي بالهاماته التي ترتكز علي مجموعة من القيم الروحية.ينتقد محسن بشكل حاد وعنيف مفهوم المكان / الحاضر باريس. من خلال بعض المظاهر وكذا التجليات الثقافية التي تتمظهر كذلك اقتصاديا: الفوارق بين الأغنياء والفقراء، اضمحلال القيم النبيلة، بداية الامبريالية الجديدة وكذا تبلور أشكال أخري للعبودية. ثم المكانة التي اصبح يحتلها المال في عقول الناس وأحاسيسهم مقابل كل القيم الأخري…. باختصار، فان محسن يعبر بشكل من الأشكال عن قيم الرفض البروليتارية انطلاقا من احتكاكه المباشر بالوضع الاجتماعي لأسرة عاملة استضافته أثناء هجرته لفرنسا.وقد احتد شعوره هذا حين زيارته للمسرح والأوبرا، ووقوفه المباشر علي الفارق الطبقي الصارخ بين الغني والفقير في المجتمع الباريسي، مؤكدا في كل لحظة علي ضرورة العودة الي مملكة السماء وبالتالي تمثل قيم الشرق الروحية باعتبارها ملاذنا وخلاصنا الوحيد.فضح الواقع الأوروبي والكشف عن مأساته وانحلاله وكذا ضياعه تقابله في الجهة الأخري حتمية ضرورة العودة الي السماء لكي يتخلص الانسان من العبودية والخضوع. لذلك، سنلاحظ بأن كل مكونات الأنا في عصفور من الشرق تسير وفق استراتيجية هذه الثنائية القطبية. وهو ما سيأخذ منحي آخر، في اللحظة الثانية مع مصطفي سعيد في موسم الهجرة الي الشمال من خلال تغير موقف الأنا حيال العالم والآخر وكذا الأشياء المحيطة بها. يقول الأستاذ الشارني معقبا: الاستعلاء والخضوع كثنائية قطبية، تظهر وتخفي بشكل تناوبي الاحساس بهذا الشعور أو ذاك. ولكنها تقسمه بانصاف بين الواقع والخيال. ثم بين مملكة الأرض و مملكة السماء 20.يضع الأستاذ الشارني ترسيمة نظرية لرواية توفيق الحكيم، تقوم علي ثلاثة حدود أساسية:1 ـ الانسان المتخيل.2 ـ صلة الانسان بالعالم.3 ـ الفلسفة التي تسند وتدعم هذه العلاقة.تقوم اللحظة الأولي علي سلسلة من التعارضات، تشتغل انطلاقا من تقابل جوهري بين الجسد والروح، الواقع والمتخيل، السعادة والحرمان: كل واحد من هذه العناصر يتطور من خلال عنصر ساخر Ironique، ، يحمل مضمونه إلي مستوي مبالغ فيه، بحيث أنه يختزل وضعية مأساوية -هزلية . يرتدي محسن في هذه اللحظة جسدا بسيطا زاهدا متنسكا، خاصة وأنه قد تشبع منذ صغره بقيم: التزهد، ولم يتخيل أبدا سعادة ، مثل سعادة السماء .لقد اختزل هذا الجسد إلي مجرد كيان يتم تأمله من بعيد، ينظر دون أن يعطيه اسما أو هوية أو صوتا فهو مجرد جسد / شبح. روح منعزلة ملقاة إلي مملكة الأرض وفي عالم المادة، حيث: تؤسس لتجربة الألم والحرمان كما لو أنها عوقبت بسبب مغادرتها السماء…، يعشق محسن ـ الفكر، جسدا/ صنما! هذا هو عنصر السخرية .أما التعارض الثاني، فيتحدد انطلاقا من صلة الواقعي بالمتخيل. موقف وجودي يعكس إخفاق وخيبة محسن في تجربته العاطفية وفشله في الحياة: تتغذي اللذة بالحرمان والألم، مثل النقيض من نقيضه…، ولكن هذا الإشباع في الحرمان وبالحرمان يدعمه تعويض نرجسي، والذي بالرغم من الفشل وفقدان الشيء، فإنه يبرز الذات ويسمو بها أمام أعين الآخر. هكذا يتحول الإستمتاع من الشيء المفتقد إلي صورته كما تنعكس في المحيط والإشعاع الذي يبرز منها. المأساوي- الهزلي، في أوجه ما دام من جهة تعترف الذات بفشلها وشقائها. وإن كانت تضلل ذلك بآلية دفاعية. ومن جهة ثانية، تعوضه بالشفقة والعطف في حين يشتغل التعارض الثالث علي تقابلات السعادة والحزن، الفرح والمعاناة، الابتهاج والحرمان.كل تلك الروافد ترسم بطريقة شبه تراجيدية الصورة / الأساس في عصفور من الشرق : الطائر في قفصه .لقد ظل محسن محتجزا في قفصه، بينما كانت باريس تشدو ألحان عصرها الذهبي. حيت سيأخذ القفص كل دلالته: كمعبد للحقيقة والحرية، ومحراب للفكر ثم مملكة للسماء . كما يتهيأ من أجل تلقي النقاشات النظرية الكبري صورة الطائر في قفصه تحكم إذن، بل تختزل كل علاقات محسن بالعالم. وهي لا تقوم فقط علي إحساس ذاتي باطني، ولكن تساهم في صياغتها كذلك الصور التي يبعثها الآخرون. إنه أكثر حرية واعتباطا من كل هؤلاء الذي يعيشون خارج هذا القفص وينعمون بالحرية الفعلية.يستوعب محسن العالم باكمله انطلاقا من هذا الفضاء الصغير، معطيا بذلك لكلمة شباك كما توظفها اللغة العربية، كامل تعدديتها الدلالية، جاعلا من المسافة القائمة بين الواقعي واللاواقعي حيزا متميزا للحقيقة. يقول الأستاذ الشارني بهذا الخصوص: يأخذ إذن القفص ثانية كل معناه، وهو يكشف عن خلفيته التاريخية الثقافية ومحيلا علي هذه المجتمعات حيث زمان الحلم ينتشله من زمان الواقع . وحيث أفضل ما يمكن أن يصنعه لحياته هو استعمالها بصبر .لا شك أن تأملات محسن، تحمل نزعة روحية إشراقية تعمل علي خلق إطار من الأحكام والتقييمات، تفاضل بين المقولتين الكبيرتين المشكلتين لمحور الرواية أي التقابل بين الشرق والغرب. وبالتالي بين منظومتين فكريتين: الشرق وما يجسده، حسب محسن من تعال و سمو روحي. ثم أوروبا وما تعكسه مؤسساتها السوسيو-ثقافية من قيم مادية تستند إلي فلسفة إلحادية.المشرق في عصفور من الشرق هو الخلاص والملجأ وطوق النجاة. إنه الرحيل الأبدي للإنسانية إذا أرادت تجاوز انهيارات الغرب. لذا فإن محسن يستميت في الدفاع عن هذا المشرق والمشارقة، محولا هذا العشق الوهمي إلي نرجسية مرضية تبرر الأشياء والسلوكات بطريقة لاعقلانية.لا تمثل مملكة الأرض شيئا بالنسبة لمحسن، إنها سقطة وورطة. نهر من الدموع والأحزان، وبالتالي من الأفضل أن لا نرتبط بها كثيرا، وأن نتسامي بخيالنا ومشاعرنا نحو مملكة السماء لأنها حقيقتنا ومصيرنا الأبدي. وبالتأكيد فإن القفص يؤسس بامتياز هذا المكان / الحصن الذي يشكل حاجزا بين الذات والموبقات التي تسود العالم الخارجي وبالتالي من الضروري الاعتزاز والافتخار بهذا المكان البديل: سيتحول القفص الذهبي، ظرفيا إلي معبد للحقيقة والحرية .يحلم محسن كثيرا، وبالتالي يفرض الواقع معطيا أسبقية للمتخيل. يباعد بين: قوة الخيال المتيم بوجد ملتهب إلي جسد- شبح ثم الحرمان علي أرض الواقع، بل وخلوه. يظهر هذا التباعد، التباين بين ذاتية زاخرة، وموضوعية مترنحة حيث تنجح بالكاد عناصرها في تغذية وتقوية الوهم تغييب محسن لمبدأ الواقع، ظل يشكل نواة مأساته، لأن ذلك يؤدي إلي تمزق وشرخ نفسيين خطيرين. لا يريد حتي ولو علي مستوي السيكولوجي، الإقتناع بكون الشرق كحقيقة إنسانية وثقافية تسري عليه نفس القوانين البيولوجية والتاريخية التي تحكم باقي الجغرافيات الأخري. حقيقته لا تختلف في أي شيء عن أية بقعة ثانية .هنا كذلك يولدون ويموتون، يفرحون ويحزنون، يفكرون وينفعلون، يخطئون ويصيبون…. باختصار، المشرق ليس كيانا إلهيا يحلق في السماء بل هو أولا وأخيرا ماهية بشرية.يمثل إذن توفيق الحكيم ومعه محسن ، لحظة الوعي الأولي في علاقة الذات العربية بالغرب، ذلك أن الاصطدام والمجابهة المباغتة أديا إلي ارتجاج في التوازن النفسي لهذه الذات. وكان منطق رد الفعل لا عقليا بالتأكيد.7