محفوظ و الكلاب

حجم الخط
0

محفوظ و الكلاب

سهيل كيوانمحفوظ و الكلاب كثيرة هي التعازي التي أرسلت للسلطات المصرية برحيل الأديب والروائي العالمي نجيب محفوظ، ولكن أكثرها إثارة والتي بلا شك هزّت مشاعر المثقفين العرب حتي الدموع هي تلك التي أرسلها الرئيس الأمريكي بوش الغني عن التعريف بثقافته الشاملة والذي وُصف أكثر من مرة بأنه أذكي وأكثر رؤساء الولايات المتحدة اطلاعا علي ثقافات الشعوب وخصوصا العربية والإسلامية منها، هناك جانب مجهول في حياة الرئيس الأمريكي الطيب لا يعرفه إلا المختصون بتاريخه، وهو عشقه الكبير الذي يصل حد الهوس للثقافة العربية والإسلامية، مثلا هو يحفظ عن ظهر قلب أجزاءً كبيرة من رباعيات الخيام رغم أن مؤلفها فارسي سعي لإنتاج المياه الثقيلة، ويردد بعض الرباعيات كلما استبد به حنين للكأس والصبابة، وكثيرا ما حرّض توني بلير علي العرب أقصد التعرف علي ثقافتهم وعدم الإنجرار وراء المتطرفين العنصريين وأخذ أمة كاملة بجريرة أفراد! ومن مآثر بوش الثقافية أنه أوصي جيشه قبل غزو العراق وبتأثر من وصية أحد الخلفاء الراشدين بأن لا يقتلوا عجوزا ولا طفلا ولا امرأة ولا يقطعوا شجرة ولا يهدموا بيتا أو قرية إلا علي رؤوس أصحابها وفقط بطائرات الـ 54 B كي لا تري العين ولا يحزن القلب. قلائل هم الذين يعرفون أن بوش يحتفظ بنسخة نادرة من الفتوحات المكيّة للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي كان قد أوصي جنراله جون ابي زيد بإحضارها له ولو نهباً من متحف بغداد! وهو الذي أمر شخصيا بتهريب آثار العراق الي أمريكا أو حتي الي سوق الآثار السوداء في اسرائيل لحفظها من رعاع بلاد الرافدين ليضمن سلامة تراث هذا الشعب العريق الذي قال عنه بوش إنه شعب يستحق الحياة ولو في زنازين أبو غريب ! هناك سر لا يعرفه سوي القلائل بأن بوش تدخل شخصيا لوقف تدمير لبنان بعد أن تمادي عمير بيريتس وجيشه وكادوا يدمرون آثار بعلبك التاريخية وبعد أن تعطلّت بعض دور النشر في بيروت عن عملها بسبب الحرب! كذلك يسجل لبوش أنه قارئ نهم للأدب العربي وهو مطلع علي مؤلفات يوسف ادريس ومحفوظ وميخائيل نعيمة بشكل خاص حتي قبل رحيلهم وطبعا قبل حصول المرحوم محفوظ علي نوبل بسنين طويلة! وكثيرا ما ردد في جلساته الخاصة أنه أحب شخصية سعيد مهران بطل رواية اللص والكلاب ومنها استقي أفكاره بالعفو عن المظلومين والمستضعفين في الأرض وهذا سر تعاطفه مع السيد حسن نصر الله وإمهاله مدة شهر لتحطيم وحدات النخبة وتلقين (المركباه) ومرسليها درسا في الفن والأخلاق! تأثر بوش برواية أولاد حارتنا جدا وهذا يفسّر رؤيته التاريخية الفلسفية المتسامحة والمتفهمة للآخر وللضعف الإنساني وقد وصل به الأمر الي التهديد بوقف المساعدات الأمريكية عن مصر ما لم تسمح سلطاتها بنشر الرواية ومن هنا مصدر مقولته الشهيرة لا فضل لأمريكي علي عربي إلا بالصواريخ الذكية والقنابل العنقودية ! بوش صديق المبدعين ومستعد أن يؤجل حربا فقط كي يشاهد برنامجا أو فيلما عن حياة مبدع، يقال أنه أجل اعطاء الضوء الأخضر لعرفات بهدم الكنيست علي رأس شارون وحكومته لعدة ساعات لانشغاله بمشاهدة برنامج خليك بالبيت مع زاهي وهبة! ولهذا فهو يتأثر ويحزن الي حد الاكتئاب برحيل المبدعين الناطقين بالضاد، هكذا كان موقفه عند وفاة محمد الماغوط وقبله سعد الله ونوس وممدوح عدوان وابن المقفع الذي تقطع قلبه عليه عندما سمع بخبره، وهناك سر أصبح معلنا أن سبب توتر علاقاته مع سورية هو موقف النظام السوري من بعض المبدعين المناوئين للنظام، ولكنه لم يعلن هذا صراحة خوفا من اللوبي الصهيوني في البيت الأبيض.أما السبب الحقيقي في انقلابه وحقده المتفاقم علي العرب في السنوات الأخيرة فقد جاء كردة فعل طبيعية علي محاولة اغتيال نجيب محفوظ بيد متطرف عربي إسلامي عام 1994! يومها قال مقولته الشهيرة إذا وفقني الله وصرت رئيسا بعد والدي فسوف أقتل من العرب مليونا من غزة الي عيثا الشعب مروراً بالفلوجة كي لا يخرج من سلالتهم من يرفع يده علي مبدع! بوش ظاهرة نادرة في عالم السياسة المنصهرة بالثقافة، فهو الذي نصح آل سعود (من تحت بطن) بعقد الصفقة العظمي بترجمة كل التراث الأدبي والعلمي الإنكليزي الي العربية بتكلفة 17 مليار دولار! في طريقي الي الناصرة سمعت المذيعة المصرية تقرأ تعزية بوش التي يستهلها بأنه شعر بالحزن علي رحيل محفوظ فضحكت من كل قلبي كما لم أضحك منذ تشجيع بوش لإسرائيل علي إلقاء 300 ألف هدية عنقودية الي أطفال لبنان! وتخيّلت نجيب محفوظ في جنات الخلد وقد تقدم منه أحد الملائكة ليخبره بأن الرئيس الأمريكي بوش حزن لرحيله! الله بوش زعلان علي شان خاطر وفاتي! إيه المسخرة دي ويطلق قهقهته الشهيرة!فوجئ مرة ثانية لا بد أن السيد حسن نصر الله الذي لم يتوقع أن تصل همجية العدوان الإسرائيلي الي ما وصلت إليه وكذلك لم يتوقع بأن يصل التواطؤ العربي الي حد التشجيع علي تصفية المقاومة، فوجئ مرة أخري للتفسيرات الحاقدة والشامتة والتافهة التي تناولت اعترافه الذاتي الشجاع والذي في نهاية المطاف يضيف قوة لقوته وعظمة لعظمته وانتصارا لانتصاره الواضح كعين الشمس.كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية