قضية سياسية لم تسقط بالتقادم اغتيال بن بركة الفيلم البطل في مهرجان الإسكندرية

حجم الخط
0

القاهرة ـ “القدس العربي”: يواجه مهرجان الاسكندرية السينمائي في دورته الثانية والعشرين هذا العام تحديات صعبة لعدة أسباب أولها الظرف السياسي الراهن وما يخيم علي الأجواء من سحب سوداء نتيجة الحرب الصهيونية علي لبنان، حيث يؤثر ذلك بالطبع علي استقرار منطقة حوض البحر المتوسط والتي تشارك بعض دولها في المهرجان فضلا عن التحديات الداخلية التي تواجهها جمعية كتاب ونقاد السينما الداعية للمهرجان والداعمة له نتيجة بعض الانشقاقات والخلافات بين رئيس الجمعية ممدوح الليثي وأعضاء مجلس الإدارة المنتخب أو بعض عناصره، إضافة إلي الأزمة المالية الطاحنة الناتجة عن عدم وجود مصادر تمويل ثابتة واعتماد إدارة المهرجان علي الدعم المؤقت من وزارة الثقافة وبعض نفحات وزارة المالية، الأمر الذي يهدد استمرار انعقاد دورات المهرجان في توقيتاتها المنضبطة واهتزاز الثقة الدولية بما يعني تحويل المهرجان من حدث دولي الي احتفالية محلية، لا سيما أن هناك مخططات صهيونية لتقليص دور مصر الثقافي للقيام بأدوار بديلة في المنطقة بالتحالف مع بعض الدول الموالية، فالعدو الصهيوني يزعجه أن تجتمع كبري دول العالم المطلة علي البحر المتوسط في مناسبة ثقافية ـ سياسية علي أرض مصرية، خاصة أن المهرجان يشكل من ناحية اخري لوبي عربيا موحدا تتلاقي فيه كل الأطراف بمعزل عن القرارات الرسمية وهو الشيء الذي تخشاه إسرائيل فهي تدرك أن الثقافة تلعب دورا اكثر فاعلية من المساعي الدبلوماسية في لم الشمل العربي ووقوف الشعوب الشقيقة علي قلب رجل واحد تعويضا عن الدور المفتقد للحكومات.

ولعل من دواعي الخوف الصهيوني أن لبنان يحتل موقع الصدارة في المهرجان الفني ـ الثقافي ـ السياسي من الناحية السينمائية والإعلامية، فالعالم كله يتطلع الي ما يمكن أن يقدمه من أفكار وأطروحات درامية في ظل محنته علي اعتبار ان السينما وسيلة تخاطب نافذة بإمكانها نقــــــل صورة حية عن المجتمع اللبناني وما كان عليه قبل الحرب وما يمكن أن يصبح عليه بعد ذلك، وهو بالفعل ما يطرحه الفيلم الروائي الطويل يوم آخر للمخرجة جوانا حاجي وزوجها خليل جريج في تجربتهما الثنائية الفريدة التي تلامس الواقع في العاصمة بيروت قبل اندلاع الحرب بشكل بانورامي يشير الي المتغير الاجتماعي والنفـــــسي في حياة أسرة لبنانية فقـــــــــدت عائلها وكيف أن ذلك لم يؤثر علي رسوخ الكيـان الأسري بقدر ما يعطي خلفية انسانية لحياة الأب وماضيه من خلال تتبع مسيرة الأب ومسيرة الوطن التي تقودنا اليها الأحداث لنصل عبر تفاصيل انسانية الي اللحظة الراهنة التي يتأكد فيها صمود الشعب اللبناني وتجاوزه للحدث، فالأيام تتجدد تباعا إذا وجدت الرغبة في الحياة. يوم آخر هو تجربة متميزة تضاف لتجارب المخرجة جوانا حاجي وزوجها خليل غريغ فقد قدما من قبل عدة افلام من بينها الفيلم القصير خطيئة الهويات عام 1969 ثم الفيلم الروائي الطويل البيت الزهر عام 91 تلاه بعد ذلك فيلمين تسجيليين هما خيام في عام 2000 والفيلم الضائع 2003. ويضاف الي الابداع اللبناني السينمائي ابداع سوري يأتي مساويا في القيمة والتأثير ويتمثل في فيلم تحت السقف للسيناريست والمخرج نضال الدبس وهذا الفيلم حاصل علي الجائزة الفضية من مهرجان دمشق الدولي وتدور أحداثه في اطار رومانسي فهو يحكي قصة حب عاطفية بين شاب وفتاة تجري وقائعها علي خلفية سياسية ـ اجتماعية تبدأ منذ الاجتياح الصهيوني الأول للبنان عام 82 وتستمر حتي الآن، ويقوم بالبطولة في هذا الفيلم نخبة من كبار النجوم السوريين فارس الحلو، أمل عمران، أدهم مرشد، رامي حنا، رغدة شعراني وآخرين ونظرا للطبيعة السياسية التي تشهدها المنطقة قررت إدارة المهرجان برئاسة إيريس نظمي عرض مجموعة من الأفلام الروائية الوثائقية التي تدين العدو الصهيوني وتكشف مخططاته الاستعمارية من بينها فيلم عرس الجليل، باب الشمس، كفر قاسم، ناجي العلمي، يد إللهية، حتي إشعار آخر، الجنة الآن، زنار النار المخدعون، يوميات بيروت، وسوف تقام مائدة مستديرة لمناقشة الافلام وإلقاء الضوء علي أبعادها السياسية والاجتماعية يشارك فيها المخرجة اللبنانية مي المصري والمخرج الفلسطيني جاك شمعون ونور الشريف والمخرج السوري رأفت شركس والممثلة الايطالية ماريا تاوتشي والمخرج الصربي أولج فوفكوفيتش واليوناني جورجيوس بابليوس، بالاضافة الي عدد من الكتاب والنقاد.

ووسط هذا الزخم الفني الدرامي تتجلي المفارقة في مشاركة مصر بفيلم واحد هو لعبة الحب يغلب عليه الطابع الرومانسي، كما لو كان مخرجه محمد علي مغيبا عن الأحداث أو أنه لا يملك فطنة التوظيف باختيار العمل المناسب في الظرف المناسب، ولكن للأسف لم تلتفت لجنة المشاهدة الي هذا الاعتبار وقبلت مشاركة الفيلم في المسابقة، ربما لأنه الفيلم الوحيد المناسب من بين أفلام التسالي والضحك المصنوع، وفيما تطرح السينما المصرية مساخرها ويحلق نجومها خارج السرب بأفلام أقل من المستوي المطلوب تتأجج مشاعر المشاهدين بفعل أفلام المقاومة التي تعرض علي هامش الدورة والتي يأتي علي رأسها فيلم الخبز الحافي للمخرج الجزائري رشيد بن حاج المأخوذ عن رواية الأديب المغربي الكبير محمد شكري الذي رحل عام 2003 وتروي الأحداث حكايات عن الفقر والجاسوسية، والعمالة، وقد حصل فيلم الخبز الحافي علي جائزة الجمهور من مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية في حين صودرت الرواية الاصلية ومنعت من التداول في عدد من الدول العربية إبان صدورها قبل ترجمتها الي العديد من اللغات الاجنبية، وهذه الرواية هي نموذج لأدب السيرة الذاتية الذي عبرت عنه السينما بصدق ووضعت رشيد بن حاج علي طريق الواقعية التي تمزج بين الروائي والتسجيلي.

ويفتتح مهرجان الاسكندرية دورته 22 بفيلم شاهدت اغتيال بن بركة انتاج مشترك لثلاث دول هي فرنسا وأسبانيا والمغرب وتدور أحداثه حول قضية اختفاء الزعيم المغربي المعارض المهدي بن بركة في ظروف غامضة عام 1965م بتخطيط من المخابرات الفرنسية، والفيلم يفتح الملف الأسود لأجهزة المخابرات الغربية وعملائها في الشرق الأسود وهو إعادة انتاج لما يحدث الآن في واقع مليء بالخونة والعملاء والجواسيس، كأنها آيات الاستدلال علي تطابق الأمس واليوم!2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية