تبدو منطقة الشرق الاوسط اليوم اشبه بمرجل ضخم يغلي بشتي احتمالات التفجير.. بحيث لم تتعرض المنطقة تاريخياً لمثل هذا الضغط العالمي الذي ربط معظم قضاياه بما يجري في داخلها وتحولت مشاكل شيكاغو وبرلين ولندن وموسكو وغيرها الي مشاكل تنبع من الرياض وكابول ودمشق وبيروت وبغداد وباقي مدن وعواصم العالمين العربي والاسلامي.. حتي بدا الامر بالنسبة للمواطن الاوروبي او الامريكي ان بلاد العرب والاسلام عبارة عن شبكات اخطبوطية من العقائد والاموال.. شبكات اكثر تنظيماً ودقة من الشركات العابرة للقارات.. او من مافيات نيويورك وروما. ولو اتفقنا اننا شعوب لم ندرك لغة العصر كما ينبغي تلك اللغة التي صعب عليها ترجمة (داحس والغبراء) وسيرة بني هلال التي تثقل كاهل ملايين الشباب العربي والمسلم.. ولم نستطع الدخول عبر بوابة العصر الحضارية التي لم تتسع بدورها لعمائمنا وعباءاتنا الفضفاضة.
ولو اتفقنا ان عجلة التاريخ لدينا تسير نحو الوراء وتحولنا عقداً اثر آخر من طوائف الي مذاهب الي قبائل تضرب في عمق الصحراء بحثاً عن الكلأ والماء.
ولو اتفقنا مع الدكتور سمير امين في اطروحته الهامة (تقدم التخلف) تلك التي يري فيها عالمنا العربي والاسلامي يسير ويجر معه مكنسة هائلة تحوي كل ما يعيق وعينا الكوني وحضورنا العصري.. وذلك بفعل (لعنة النفط) من جهة ولعنة (الاستبداد) من جهة ثانية.
اقول لو اتفقنا مع هذا العالم علي كل ذلك.. هل يمكن لهذا العالم ان يتفق معنا علي معايير الحد الادني التي نصّت عليها مواثيق حقوق الانسان في الامم المتحدة.. ناهيك عن مواثيق الله والاديان والاعراف والتاريخ؟
اننا لا نفهم اليوم هذا الزخم من (الحقائق) التي يمطرنا بها جورج بوش وتوني بلير وايهود اولمرت حول ضرورة بناء شرق اوسط جديد يتمتع الناس من خلاله بظلال الحريات العامة وخيرات النعم الاقتصادية وعظمة الكرامة الوطنية.
في ظل هذا المطر (الشرق اوسطي) الذي بللنا حتي العظم نجد انفسنا وقد تعرينا من كل ما يمكنه ان يقينا شر التحول (البيولوجي!!) من بشر فضلتهم الاعراف علي باقي مخلوقات الارض الي كائنات لا هم لها سوي البقاء علي قيد الحياة.
فلا تهديم بيروت علي رؤوس اهلها.. ولا استباحة احياء بغداد.. ولا اجتياح جرافات اسرائيل ودباباتها لمناطق السلطة الفلسطينية اعطانا بصيص امل من ان هذا العالم يتعامل مع شعوبنا علي انها بشر تتمتع بشيء من كرامتها الانسانية.
فكرة اخيرة.. يبدو ان المواطن العربي سيحارب الامبريالية اولاً والانظمة الحاكمة ثانياً.. ولقمة الخبز ثالثاً.. ورابعاً.. وللمرة الالـــــــف.. وهو يســــــير عارياً تحت امطار صيــف الشرق الاوسط الجديد.. الساخنة!! فخر الدين فياضسورية6