الأسطورة

حجم الخط
0

الأسطورة

الياس خوريالأسطورة لا تحتاج الأسطورة الي دليل. يكفي ان تذهب الي الجنوب كي تراها. انها الحكاية التي لم تُكتب وربما لن تجد كاتبها. بيوت مهدمة، طرقات محفورة بالقذائف وصمت. هناك، في طرقات القري تستمع الي صوت الصمت وتكتشف ايقاع الهباء، وتري البطولة. بطولة تتجسد امامك وتأخذك الي قممها العاليات. بطولة صنعها فلاحون من جبل عامل، لا يظهرون الا ليختفوا، ولا يحفلون بالمواكب. جنوب لا تري فيه سلاحاً، لأن الرجال زينة السلاح وليس العكس. تمشي فوق الركام، وتشعر بدبيب انفاق لا تراها. عالم من السحر والخراب، عالم من المآسي المجبولة بأحلام قديمة نسيناها او ادعينا ذلك.اصاب عباس بيضون حين تكلم عن بطولة في غير اوانها، عن فيتكونغ لبنانيين تأخروا ثلاثين عاماً. لكنهم جاؤوا ولا يسعنا سوي استقبالهم مثلما يليق بالذاكرة ان تفتح ابوابها قبل ان تنطفئ. لا تحتاج الأسطورة الي دليل، لأنها تدل علي نفسها وتجعلك عاجزا عن الكلام. ماذا تقول لروائح البيوت التي ابتلعها الركام؟ ماذا تقول لوديان لا ترتوي من دماء الفلاحين؟ ماذا تقول لقلعة الشقيف التي تقف في الريح هازئة بالغزاة والضحايا؟اخطأ وليد جنبلاط حين دعا السيد حسن نصرالله الي اهداء لبنان النصر، واخطأ السيد حين تكلم عن اصحاب النصر. ما جري في جنوب الحرب كان اسطورة، والأسطورة لا تُهدي ولا تُفسر في زمنها وبزمنها، الاسطورة ابنة التأويل وصانعته في آن معا، وهي لا زمنية، حتي المكان يصير عصياً علي التحديد ويتخذ ملامح قارئه.هل كان حزب الله يعي الي اين يمضي بنفسه وبلبنان صبيحة الثاني عشر من تموز (يوليو)؟اغلب الظن ان لا، وقد حسم نصرالله الشك باليقين حين اعلن في مقابلته التلفزيونية مساء 27 آب (اغسطس) الجاري، انه لو كان يملك تقديرا بنسبة واحد في المئة عن حجم الرد الاسرائيلي لما قامت المقاومة بعملية الوعد الصادق . لا يندرج هذا الاعلان في خانة السياسة اللبنانية، لأن هذه السياسة بلا ضوابط، لذا لا مكان للمحاسبة هنا. حتي بعدما كشف تقرير سيمون هيرش في مجلة نيويوركر (14/8/2006)، النوايا الامريكية ـ الاسرائيلية للعدوان علي لبنان، كمقدمة للحرب علي ايران، فان المسألة يجب ان تقرأ في مبناها الأسطوري وليس في السياسة.المأزق الذي وجد حزب الله نفسه فيه يعود الي العام 2000، يومها انجز التحرير، واصيب النظام السوري بارتباك خانق، لأن استراتيجية المواجهة مع اسرائيل بواسطة الجناحين اللبناني والفلسطيني وصلت الي طريق مسدود. في لحظة انتصار تاريخية غير مسبوقة في تاريخ العرب الحديث وجدت المقاومة الاسلامية نفسها في المأزق. فهي اكبر من لبنان علي المستوي الايديولوجي واصغر منه علي المستوي الاجتماعي ـ الطائفي. آفاقها تمتد الي اممية اسلامية صنعتها الثورة الايرانية، وواقعها محصور في الطائفة الشيعية في لبنان، او في جزء منها. وبدلا من ان تترجم المقاومة انتصارها علي المستوي السياسي عبر الاستيلاء علي السلطة، مثلما فعلت جميع حركات المقاومة التي انتصرت، وجدت نفسها اسيرة مأزقها البنيوي، فاضطرت الي الانضواء في ظل الهيمنة السورية علي لبنان وادواتها الداخلية، ولم تجد وسيلة لتحصين نفسها لحظة اندلاع انتفاضة الاستقلال سوي في اللجوء الي ما عرف باسم التحالف الشيعي، مما افقدها زخمها الجامع ووضعها في خانة الالتباس اللبنانية.لكن يجب ان يسجل لهذه المقاومة ميزتها الاساسية، اذ لم يسبق لطائفة دينية في بلاد الشام، التي اكتوت بنار الغزوة الصهيونية، ان قاتلت العدو الوطني منفردة. المقاومة الاسلامية انفردت لاسباب متعددة بالمقاومة بعد تحرير جنوب الليطاني، وانفردت بخوض حرب شاملة ضد اسرائيل صيف 2006.تحرير عام 2000، يندرج في شكل كامل في السياسة، اذ جاء علي ايقاع القرار 425، وكاستكمال لترتيبات نيسان (ابريل) 1996، متوجا مقاومة عسكرية وسياسية صنعتها اجيال متعاقبة من المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين.غير ان حرب الوعد الصادق مختلفة.هنا سُفحت البطولة علي وديان جبل عامل وفي قراه، حتي صارت اسطورة متكاملة العناصر، وتراجيديا انسانية كبري.يصعب ان نجد ترجمة سياسية لهذه المواجهة الملحمية. بلي، نجد منطقا سياسياً وحشياً عند العدو الاسرائيلي، وفي دهاليز السياسة الاجرامية الامريكية. فالحلف الامريكي الصهيوني انطلق من العملية كي ينفذ خطة عسكرية جاهزة من اجل تحطيم القدرة العسكرية للمقاومة. وعندما فشلت الخطة بفضل الصمود، وجدت المقاومة نفسها في المأزق، لأنها وللمرة الثانية لا تستطيع توظيف صمودها علي المستوي السياسي اللبناني.كما قد نجد ترجمة مستلة من تاريخ الأممية الشيوعية، حين فرضت الستالينية منطق العمل من اجل وطن العمال والفلاحين الأول، وجعلت من حركات شيوعية وجماهيرية مجرد ادوات لخدمة الدولة السوفييتية. قد يكون حزب الله قد حاول علي المستوي الاستراتيجي ان يكون بداية مشابهة لأممية اسلامية تلتف حول الثورة الايرانية، لكن التعقيدات الطائفية في لبنان والعالم العربي، تجعل من هذا الاحتمال اقرب الي روح التضحية منه الي السياسة.لذا لم تستطع ملحمة الصمود في الجنوب اللبناني ان تجد ترجمتها السياسية، فالنظام السوري صار عاجزاً عن تقديم خدماته القديمة، عبر توظيف دماء اللبنانيين والفلسطينيين في صفقاته. اما الدولة اللبنانية فلا تستطيع ان تكون بديلا الا في وصفها مظلة يحتمي بها لبنان من احتمالات الحصار الامريكي – الاسرائيلي. كما ان ايران لا تستطيع اجتياز الحاجز العربي، والمفاجأة الاستراتيجية التي صنعتها حرب الكاتيوشا لا تتكرر بسهولة.المقاومة الاسلامية في الملحمة، وستدخل تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي في وصفها احدي اكثر لحظاته تراجيدية، كما انها ستكون احد فصول هذا الصراع الذي اتخذ لنفسه اسماء متعددة، لكنه مستمر طالما استمر الظلم الصهيوني.غير ان نزول الابطال من النص الملحمي الي الواقع السياسي سوف يظهر حدود اللعبة، وسوف يجبرهم علي دخول السياسة اللبنانية من ابوابها المصنوعة من التسويات، وهذا ما لا تستطيع الايديولوجية الشمولية احتماله.من هنا يأتي المأزق.وفي المأزق يبدأ الدرس الأول في السياسة، وهو درس سوف يكون صعباً في غابة الذئاب اللبنانية، وفي وطن لا يزال مشرّعا امام احتمالات الساحة في اي لحظة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية