كاتب واقعي بامتياز
عبد الحميد عقاركاتب واقعي بامتيازنجيب محفوظ واحد من كبار الروائيين عربيا وعالميا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. قيمة نجيب محفوظ الفكرية والفنية لها عدة مصادر وأسباب من أبرزها أن نجيب محفوظ واحد من الذين رسخوا جنس الرواية في اللغة العربية وآدابها، وهو يتميز بغزارة الإنتاج، فقد توالي صدور رواياته منذ نهاية الثلاثينات إلي التسعينات، وهذه الغزارة جعلت من رواياته ذخيرة أدبية وفنية، ستظل دوما تغني الأدب الإنساني بتجربة في الكتابة فريدة ومتميزة.نجيب محفوظ كاتب واقعي بامتياز، بمعني أنه تجاوز في رواياته الرؤية الرومانسية والمثالية نحو تشخيص رؤية تحاول أن تصور كل متنوعات التجربة الإنسانية من خلال تجربة فردية ومستوعبة داخل محيطها الزماني والمكاني. لكن واقعية نجيب محفوظ ليست بجامدة ولا بساكنة، لقد تحولت الكتابة الروائية لدي نجيب محفوظ من استيحاء التاريخ الفرعوني القديم إلي استيحاء التراث السردي العربي والإسلامي للمهمشين والحرافيش أو للرحلة وحياة المتصوفة والقديسين. وكان نجيب محفوظ يسعي إلي إبداع شكل روائي خاص من خلال هذا الحوار مع التراث. فضلا عن ذلك، نجيب محفوظ رفض بوعي نقدي ساخر تجربة التبرجز التي شهدتها مصر منذ ثورة 1919. هذا الصنف من روايات محفوظ شخص ما واجهه الأبطال من صعوبات التأقلم مع التحولات السريعة للمجتمع، وصور أيضا أنواعا من القلق والحيرة تتحكم في أبطال العديد من الروايات، نتيجة إخفاق النظام في تحقيق الآمال التي كانت معلقة علي الناصرية. ففي مفتتح الستينات أخذ نجيب محفوظ ينشر سلسلة من الروايات مدارها الصراع اللامتكافئ بين الفرد المتطلع إلي قيم التجديد والمساواة والعدل، وبين مؤسسات الدولة والمجتمع الكابحة لتطلعات هذا الفرد.قيمة نجيب محفوظ تعود، أيضا، إلي لغته الروائية، فاللغة بالنسبة إليه عملية لاشعورية، القصد منها هو تحقيق المطابقة أو الملاءمة بين موضوع الرواية وأبطالها وأساليب التأليف والتشخيص.لم يكن نجيب محفوظ يكتب للنقاد، بل راهن علي أوسع الفئات من القراء، ولذلك مال إلي لغة وُسطي أقرب إلي اللغة المحكية وحافظ علي الحبكة وأعطي أهمية قصوي لتصوير الشخصية الروائية.ستظل روايات نجيب محفوظ مرآة لما شهده الوعي الأدبي والجمالي من تحوّل. وستظل منجما غنيا يسمح بتعدد القراءات والتأويلات لما حققه المجتمع من تغير، أو ما أصابه من انتكاس وإخفاق. ہ رئيس اتحاد كتاب المغربعمنا نجيب.. نحبك كثيرامنهل السراجہ كنت في الثانية عشرة حين دخلت إلي البيت ورميت أمي بورقة علاماتي الكاملة، فتحتها ثم غنت فرحة: الأولي، الأولي، الأولي.. ياناس صفقوا لها. ابتسم أبي راضياً. وفي المساء أحضر هديته شوالاً من القنب. نظرت في الكتلة السمينة والمربوطة، محاولة توقع مافي قلبها. لم يكن في ذلك الوقت ألعاب ضخمة تهدي إلينا، ومن غير الممكن أن يكافئني بشوال من الفاكهة مثلاً أو عرانيس الذرة. فكرت وفكرت دون فائدة، لم أحزر ولم يسعفني حدسي. صعد أخي إلي الكنبة فك الربطة ورفع الكيس ثم قلبه، وأفرغه دفعة واحدة. هبط قلبي مع سقوط الكتب. روايات وكتب فلسفة وقصص أطفال وكتب الألغاز بمغامريها الأربعة وكتب الألغاز بمغامريها الخمسة، وطبعا كلها كتب مقروءة وليست جديدة. كان أول ماشدني من تلك الكومة، غلاف قصر الشوق . تناولت الرواية وهربت إلي غرفتي غير عابئة بنداء أمي كي أساعدها في نتف الملوخية. قرأت وقرأت وكم كنت متباهية بنفسي أني أقرأ قصص زنوبة المحرمة، وبعد أن قطعت الكثير منها، جاءت أختي وبيدها بين القصرين ، قالت بسخرية: عاملة حالك فهمانة؟ ماتقرأينه جزء ثان لهذا. وأشارت لما بيدها. تضايقت لأني لم أكتشف فوراً أني في الجزء الثاني، وتضايقت لأن قلبي انخلع أنها سبقتني إلي تناول الجزء الأول من الثلاثية. أجبت بلااكتراث مفتعل: لم تعجبني روايات نجيب محفوظ لن أكمل القراءة. قهقهت أختي، ثم ناولتني بين القصرين ومضت. شربت الثلاثية قبل أن ينتهي موسم الملوخية الخضراء. وكانت صيفية هائلة، كأنني نهضت بعمري سنين عديدة. ظل أهل الثلاثية يعيشون معي، وظلت القاهرة مدينة الثلاثية. بعد أكثر من عشرين سنة، حان وقت زيارة القاهرة، حين صعدت إلي الطائرة، كنت بحال من اللهفة شديد لرؤية الحارات، التي عرفتها من الثلاثية. استدرت إلي صديقتي الجالسة بجانبي، أوشكت أن أقول: أخيراً سأري قامة سيد أحمد عبد الجواد ووجه أمينة المطيعة ذي الشفاه الرقيقة… ثم تذكرت أن هؤلاء الأشخاص مجرد أبطال من خيال الكاتب. أمسكت لساني واستدرت لمراقبة السماء تحت الطائرة. ومن جديد قفزت قهقهات زنوبة الفاجرة فاستدرت لصديقتي لأخبرها أن أول مشوار سيكون إلي حارة قصر الشوق. ثم أمسكت نفسي، من جديد، ورحت أحدق في البياض السميك قلقة من هذه الهجمة العنيفة من الثلاثية… داهمتني ابتسامة كمال الساخرة، وحب فهمي علي السطوح لمريم بنت الجيران، وارستقراطية عايدة وفيلا عايدة والشبان الأربعة..سرحت تماماً ورحت أبتسم. تساءلت صديقتي: ـ هل تخفين أمراً ما؟ كنت أخفي كل الحكايات التي حكاها في رواياته، وأنتظر أن تري عيني وتلمس أصابعي كل مارواه وحدثنا عنه.لكن حين وصلت القاهرة، وبعد قضاء أول أسبوع في المتاحف والأهرامات، وتأمل المراكب.. لاأنكر أني من شدة عشقي للنيل راودني شعور وسواسي لحظي أن أرمي نفسي فيه. لكن لم أعثر علي أي من أبطال الثلاثية ولم أر أي حارة من حاراتها ولانافذة من نوافذها ولا عربات خيولها ولاعوامات غوانيها.. ولأني فتشت طويلاً عن القاهرة التي أخبرنا عنها نجيب محفوظ. ولم أجد، بت عصبية. وكدت أتهم الكاتب بالكذب علينا. نعم أمعن نجيب محفوظ في تشكيل دنيا أخري غير الدنيا. وجمح في الخيال حتي توهنا ودوخنا. ولم يعد يرضينا الواقع الحالي إن لم يهيئه لنا خيال كاتب، ويقدمه معجوناً بألم وصدق من طراز هذا الرجل. بعد أن احتارت ذاكرتي بأمرها، قررت ولوحدها أن ترجع إلي دنيا نجيب محفوظ وأرجعت كل حي إلي مكانه، وأرجعت القاهرة خاصة نجيب محفوظ، فهدأت. عمنا نجيب محفوظ.دنياك أجمل بمالايقاس.اقبل بعض الياسمينات واغف.نحبك كثيراًہ كاتبة من سوريةدنيا نجيب محفوظ أحمد أبو حسينہ كم عدد أصحاب الملايين؟ الأقارب والأصهار والطفيليون.. المهربون والقوادون والشيعة والسنة.. حكايات ولا ألف ليلة وليلة.. الاستيراد بدون تحويل عملة.. أنواع الجبنة.. البنوك الجديدة.. بكم البيضة اليوم؟ والنقوط في ملاهي الهرم.. ماذا قال امام الجامع علي مسمع جنود الأمن المركزي؟ لا مرحاض عاما في الحي كله.. لم لا نؤجرها مفروشة؟ ما هو الا ممثل فاشل.. وضرب المفاعل العراقي؟ صديقي بيغين.. صديقي كيسنجر.. الزي زي هتلر والفعل شارلي شابلن.. ويسود صمت شامل ريثما تذهب امرأة قادمة من الطريق الي بيت دعارة وراء المقهي، وتعقد مقارنة بين تضخم عجيزتها والتضخم المال. متفائل يؤكد أنها تشتغل لتجمع رسوم رسالة الدكتوراه وأن قلبها أنقي من الذهب.. لا خلاص الا بالخلاص من كامب ديفيد . هذا كلام كتبه نجيب محفوظ في يوم قتل الزعيم بعد مقتل الرئيس أنور السادات، كتبه وهو جريح القلب والكرامة في مقهي ريش وسط البلد (القاهرة) التي تعوّد أن يرتادها كل صباح. كان واضحا له آنذاك أن لعبة السلام تتكشف عن تسليم ما، وهو يراقب حركة السيّاح الاسرائيليين وأضواء ميدان طلعت حرب أصبحت مثيرة للأعصاب، نقتبسه هنا لا لكشف قدرتة التصويرية للحياة المصرية، ولا للحديث عن واقعيته، فهو مؤسس الرواية العربية بامتياز وأحد علماء الكلام (حكائي) من الدرجة الأولي، له أسهم وتأثيرات لها ما بعدها في صياغة شخصية المواطن العربي الصافنة أمام التلفزيون ليل نهار، وأعمال وعالم ودنيا نجيب محفوظ تعرض يوميا وتختصر في زمن العولمة حتي في خلخال وجلابية بنت بلد تعرض سيقانها في كليبات غنائية تنافس في حركاتها الاغرائية سماجة فتيات أخريات اقتطفن عن الشجر يرقصن وراء مطرب خليجي يرتدي الدشداشة . نجيب محفوظ، الرواية والقصة القصيرة، الثلاثية وأولاد حارتنا، السينما والأحياء الشعبية، زحمة السيارات والأغاني تنطلق من التاكسيات وكباريهات النيل، الفتوات والجبلاوي، المرأة والحب والاثارة وقصر الشوق، الفقراء والطبقة الوسطي والانتهازية وكمال عبد الجواد ابن سي السيد ، الناس والقاهرة، قاهرة نجيب محفوظ هي القاهرة التي نعرفها منه، مصر أم الدنيا ولأنها كذلك لم يتركها يوما، كشف لنا أسرارها وأسرار بناتها وحاراتها وأحيائها الشعبية و لعبة كل المدينة .. نقصد من وراء الاقتباس من يوم قتل الزعيم كشف مساحة المناورة التي لعب فيها ابن ابراهيم عبد العزيز الباشا دورا للتحايل علي السلطة السياسية لنشر موقفه، وقف مع السادات في مبادرته، لكن بعد مقتله كتب يقول ان الموت أنقذه من الجنون ، كان يداهن النظام، يتأرجح بين مثقف السلطة و المثقف الاصلاحي ، كان يصل حدود الأولي في الموقف السياسي ويتعايش مع الثانية في الموقف الأدبي والأخلاقي، تتذبذب مواقفه وفق المرحلة، جريئا وانتهازيا في آن، كان يعرف متي يوجه سهامه، نال من عبد الناصر والمرحلة الناصرية، لكنه لم يتعرض للاعتقال، لم يمنع له كتاب، حتي أن أولاد حارتنا نشرتها الأهرام أيام هيكل في عام 1958 علي حلقات. يتراجع كسلوك البرجوازي الصغير عن موقفه عند رحيل الحاكم لكنه يعود عودا أحمد، يسجل موقف أولاد الحارة الذين ينحاز لهم ويكتب العرائض والشكاوي للمظلومين منهم.نجيب محفوظ روائي حكايات الحارة المصرية، حكايات أم الدنيا التي رواها في دنياه. غاب في زمن الغياب، كان يروي في زمن الهزائم.. يقول محفوظ نحن قوم نرتاح للهزيمة أكثر من النصر، فمن طول الهزائم ترسبت نغمة الأسي في أعماقنا، فأحببنا الغناء الشجي والمسرحية المفجعة والبطل الشهيد .. لن نقول سقوط هرم كما يبالغ اخواننا المصريون، خوفا علي ما تبقي من أهرامات حقيقية، فرحيله رحيل، وموته المعلن خسارة فادحة للثقافة العربية. لن نسمع بعد الآن زقزقة عصفور يغرّد كلاما له معني.. عن أرض سمراء وقاهرة وضفة ونهر ومراكب.. ورفاق مسيرة عسيرة.. وصورة حشد.. ومواكب في عيون صبية بهية عليها الكلمة والمعني .. يا مصر قومي وشدّي الحيل…ہ كاتب من فلسطينبداية الحكي الجميلنور الدين محققہ إن كتابة نجيب محفوظ، قد شكلت البداية الحقيقية للفن الروائي، فرغم عظمة رواية زينب لمحمد حسين هيكل، ورغم كتابات طه حسين وتوفيق الحكيم الروائية، الرائدة، ما في ذلك شك، يبقي النص الروائي المحفوظي، هو منطلق شعلة هذا الفن الذي أصبح بلا أدني ريب، ديوان العرب الجديد، فانطلاقـا من الثلاثيـة الخالدة، ومرورا بـ ثرثرة فوق النيل و أولاد حارتنا ووصولا إلي الحرافيش و أفراح القبة وأخيرا أصداء السيرة الذاتية ، برهن نجيب محفوظ علي إخلاصه المستميت لفن الرواية، وتشبثه بها. هناك أيضا مسألة أخري قد استطاع نجيب محفوظ أن يحققها، وهي لا تتحقق إلا مع كبار الأدباء في كل العصور، تلك المسألة هي القدرة العبقرية الجامعة بين السمو الفني الكبير وتحقيق اللذة النصية الشاملة لكل متلقي أدبه، بحيث يستطيع حتي القارئ العادي الاستمتاع بهذا الأدب، وتذوقه بل والهوس به. لقد صدق رولان بارت حين أعلن: كلما كان هناك مزيد من الثقافة، كلما كانت اللذة أكبر وأكثر تنوعا .إن هذا الأديب، قد ترك بصماته الواضحة في الأدب العربي، بصمات قوية لا يمكن لأحد أن يشك في قيمتها أو يشكك فيها، مهما تشابكت الأمور وتعقدت، وبالرغم من أن أجيال الروائيين الذين توافدوا من بعده، قد استطاعوا، أو علي الأصح، قد استطاع بعضهم أن يحقق لهذا الفن الروائي، إنجازات كبيرة، استطاعت أن تخترق مكتبات العالم بأسره، وأن تفرض نفسها علي جمهورها المتعطش لهذا الأدب المختلف، إلا أنه يبقي لنجيب محفوظ فضل تعبيد الطريق وفتح الفرص أمامه، إن علي مستوي العالم العربي، أو حتي علي المستوي العالمي قاطبة.لقد استطاع نجيب محفوظ أن ينتزع اعتراف النقاد العرب الأوائل ـ الذين ابتدأ حياته الأدبية في عصرهم ــ بعد السكوت عن إنجازاته طويلا وعدم الاهتمام بها، بل ملاقاتها باللامبالاة، لكن هذا التجاهل وهذا الصمت علماه أن زمنه آت في مستقبل الأيام، مع بروز الأجيال الجديدة التي حتما ستشعر بأهمية أعماله وتعانقها بفرح لا نهائي، وهكذا كان. فلقد ألف غالي شكري، وهو آنذاك ما يزال شابا يخترق ميدان النقد الأدبي، كتابه المنتمي وكرسه بأكمله للحديث عن التجربة المحفوظية في المجال الروائي، كما توالت دراسات أخري تشيد بأعماله الأدبية وتدعو للترحيب بها، وإعطائها ما تستحقه من عناية. وهكذا قدم الزمن نفسه اعتذاراته إليه.ہ أديب مغربي والنص من كتاب قيد التشكل تحت عنوان هكذا تكلم أورفيوس .في حضرة نجيب محفوظ:الكاتب الذي عاش بسيطا ومات عظيما.. د.عبد المجيد شكير رحم الله نجيب محفوظ!!توقعت خبر الوفاة في أي لحظة منذ أن تم نقله إلي العناية المركزة.. ومع ذلك لم أستوعب الوفاة حين قضي الله الأمر.. ألأنني أري الرجل أكبر من الموت؟.. أستغفر الله العظيم!!حين يستطيع الكائن الحي الذي من طينة نجيب محفوظ التغلغل في الوجدان بالحب والبساطة والتواضع، لا تستطيع يد المنون أن تمتد إليه وتلغي وجوده، لأنه يكون قد سجل خلوده سلفا، وصار متناسخا في المجايلين وما تعاقب بعدهم من أجيال.. وكيف لا يتناسخ وجوده وهو صاحب الابتسامة العميقة التي لا تذبل و لا تصفر حتي وإن اقتحم حبل وريده سكين غادرة من يد ظلامية جاهلة لم يستطع حيالها إلا أن يكون متسامحا؟.. وهو صاحب الروح المرحة والنكتة التلقائية التي تجعل الساعات إلي جانبه تسيل كما الثواني فلا نعرف كيف مر الزمن؟.. عاش بيننا زمنا طويلا (95 سنة) ومع ذلك كان أقصر من حاجتنا إليه، وهو المبدع الذي خبر دنياه جيدا في إنصات دقيق لمحيطه الصغير والكبير، وفجره ينابيع مختلفة بين الحرف والصورة.. فكان مرآة حقيقية تمكّن من قراءة تاريخ برمته، بالطول والعرض والعمق، من خلال ما أبدعه في الرواية والسينما.ہہہأذكر ـ بهذه المناسبة الأليمة التي لا يسلوها إلا التذكر ـ أن وجهتي كانت دار الهلال للقاء يوسف القعيد وفاء مني بموعد ضربناه بمسقط للقاء بالقاهرة، ووفاء منه بوعد بلقاء الراحل نجيب محفوظ (هل رحل حقا؟).. ذكرت الأستاذ يوسف برغبتي تلك.. لم يجبني، وإنما استعمل الهاتف فورا لاجراء جملة مكالمات خيرني بعدها بين موعدين اخترت الأول منهما.. لقاء نجيب محفوظ في مساء اليوم نفسه بفندق سوفيتال المعادي في أي وقت أشاء بين السادسة مساء والعاشرة ليلا.. وقبل أن أغادره، ذكرني بأن أي مشروب أشربه هناك فهو علي حسابي الخاص!!وصلت حوالي السادسة والنصف مساء.. الفندق محاط برجال الأمن كما لو أن البلد في حالة طوارئ، ظروف مصر الأمنية آنذاك تقتضي ذلك، خاصة بعد حادث الأُقصر الذي لم يكن قد مضي عليه وقت طويل.. كانت كل مؤسسة رسمية، أو بناية بنكية، أو مكاتب الصرف، أو وكالات أسفار يقف عند بابها رجال أمن مدججون بالسلاح.. سألت في الاستقبالات، فدلوني علي الطابق الثامن حيث أسلمني عامل المصعد إلي رجل بلباس رسمي يقف علي باب الغرفة بادرني قبل أن أسأله:ـ حضرَتُك المغربي اللي بِيِستناه الأستاذ؟فَتَحَ الباب وأومأ لشخص خرج إلي سأعرف فيما بعد أنه مخبر مكلف بحراسة نجيب محفوظ، يتبعه كظله ولا يتركه برهة منذ أن تعرض للاعتداء الشنيع، استقبلني ببشاشة كما لو أنه ليس مخبرا .. بدا فعل معاشرته لأهل الأدب واضحا علي سلوكه وتصرفاته.. كان نجيب محفوظ ـ رغم وهنه وضآلة جسمه ـ يجلس كالصقر في صدر الغرفة يحيطه ثلة من أصدقائه سأعرف فيما بعد أن لا علاقة لهم بالكتابة والأدب.. منهم صديق لطفولته شوش علينا الجلسة بثرثراته التافهة وحكاياته الباردة التي كان يستغل فيها صمم نجيب محفوظ لينتزع منه الموافقة علي أشياء لم يسمعها أصلا.قام الصقر رغم مرضه ليسلم علي، كان صوته قويا وعاليا يشي بالترحيب والحفاوة.. كنت أعتقده أضخم وأطول مما رأيته عليه.. هكذا كنت أتصوره.. عشت نفس المفاجأة لما قابلت عبد الرحمن منيف بدمشق ووجدته أقصر مما تخيلت.. للتو تذكرت أول مرة التقيت فيها عبد اللطيف اللعبي، قلت له كنت أتصورك أطول من هكذا، أجابني علي الفور بقوله: عندما نتصور العظماء نرسم لهم دائما في الخيال صورا عملاقة .. ربما لهذا السبب، فأنا ما تصورت هؤلاء إلا باعتبارهم عظماء وعمالقة: منيف، محفوظ، اللعبي.. ولا يهم الطول أو العرض .. أخذت مكاني بين الجالسين الملتفين حوله، وصديق طفولته يمطرنا بحكايات وثرثرات تعكر علينا صفو اللقاء بنوبل العرب، ومجد الرواية العربية وعالميتها، وعملاق الكتابة التي أشهرت القاهرة كما لم تشهرها أي قناة إعلامية.. كان المرض قد أخذ منه مأخذا واضحا لذلك بدا نحيفا واهنا، لا يسمع إلا بأذن واحدة وبصعوبة شديدة، كما أنه لا يتبين الأشياء إلا لماما.. تعجبت كيف قاوم الطعنة التي تعرض لها والتي مازال أثرها علي عنقه.. كنت أحمل معي طبعة أنيقة من دمشق لـ أولاد حارتنا لأجل أن يوقع لي صفحتها الأولي، لكني أشفقت علي حالته ولم أتجرأ أن أطلب منه ذلك رغم رغبتي الشديدة في أن أتشرف بتوقيعه.. بالمقابل، لم أتورع في أن أطلب من المخبر أن يلتقط لي بعض الصور صحبته.غادرت منتشيا بهذا النصر التاريخي المتمثل في لقاء عملاق الرواية العربية، و نوبل ـنا العربي الوحيد.. زاد من انتشائي أني سلمته نسخة من إبداعي البكر ذبذبات الصوت الأزرق ، كنت موقنا أنه لن يقرأ قصصها.. وحتي إن شاء فلن يستطيع.. ما كان يهمني أني أسلمته مجموعتي القصصية يدا بيد.. ربما أخذت بعض البركة منه وهو الشيخ صاحب الكرامات”!!ہہہرحم الله ناسج الثلاثية والثرثرة وأفراح القبة.. رحم الله صانع ملحمة الحرافيش ومدبر ما حدث بين أولاد حارتنا والمتلصص علي القاهرة القديمة وزقاق المذاق والبيت السيئ السمعة.. رحم الله المبدع البسيط ابن حي الجمالية الذي لم تأخذه نوبل إلي أبراج التباهي التافهة.. وظل مرتبطا بترابه البسيط وتربته الندية.. فعاش بسيطا.. ومات عظيما.. فمن لبيتنا الروائي ربا يحميه بعدك؟؟ہ كاتب من المغربالمناقشات حول اعمال نجيب محفوظ تمتد الي اولاد حارتنا ومطالبة بطبعها في مصر ودراسة جديدة تفسر العلاقةبين الاديان والانبياء وحياة الناس وعبد القادر المازني نصح نجيب عام 47 باللجوء للرمزية فكانت سببا في محاولة اغتياله!القاهرة ـ القدس العربي ـ من احمد القاعود: تواصل الصحف والمجلات المصرية تركيزها علي وفاة الاديب الكبير نجيب محفوظ، سواء باستعراض مسيرة حياته والي ان تربع علي عرش الرواية العربية. والاشارة لابرز اعماله الادبية وحتي سيناريوهات الافلام السينمائية التي شارك في اعدادها واعادة نشر بعض قصصه وتحليلها، وقد بدأ الاهتمام برواية اولاد حارتنا يزداد ويقوي وسنخصص هذا التحقيق لما نشر عن الرواية.فقد افردت جريدة اخبار الادب مساحة واسعة لدراسة كتبها شريف يونس عن الرواية قال فيها يقدم محفوظ في هذا النص رؤية عميقة لثقافتنا السائدة التي يعرفها رجل الشارع حتي الأمي، يعرفها من الجامع والكنيسة والكتاب والمدرسة والراديو والتلفزيون والصحيفة ومن حوارات الشوارع نفسها، فهي ليست قصة خلق العالم وأديانه، ولكنها قصة وعينا نحن بقصة معينة للخلق من خلال اديان معينة تحكم واقعنا المعاش، ولذلك سنجد كثيرا من خصائصنا باطنا من نص محفوظ.الرواية تخبرنا اننا وحدنا، نحن حملة تراث الاديان الرسالية، شعب مختار في نظر انفسنا، صحيح ان الاسلام والمسيحية دينان عالميان تبشيريان ولكن الانتماء لأيهما يمنح المتمعن في نظر جماعته في بلادنا وضع الانتماء الي فئة مميزة من البشر يحق لها ان ترث ملك الله العريض في الارض وتحكم العالم.وهكذا فنحن نعاني بسبب ايماننا بهذه الرؤية من شعور مركب عميق شعور بالفخر او الانتماء لشعب مختار، وشعور بالبؤس لاننا ببساطة خارج الجنة التي عاش فيها ابونا الاول التي نهفو للعودة اليها، نحن اذن بشكل ما في المكان الخطأ في دار الفناء بمصطلحات رجال الدين الاسلاميين في رحلة تجد معناها النهائي في دار البقاء وفي منفانا هذا نسمع قصص الانبياء التي تحدد معني وجودنا علي هذه الارض ومواعظ الروايات التي تؤكد جميعا ضمنا اننا نعيش في المكان الخطأ، ولكنها تؤكد ايضا حقوقنا في الوقف الذي يمثل خيرات الارض وفي العدل والسلام والكرامة.ويعرض درويش شخصيات الرواية فيقول: فالجبلاوي هو الله والذي اختار ادهم (آدم) من بين ابنائه (مخلوقاته) لينوب عنه في ادارة الوقف، وهو ما أثار حقد اخيه ادريس (ابليس) لانه في نظر نفسه افضل لان ادهم ابن الجارية التي تزوجها ابيه، بينما هو واخوته الآخرون ابناء الهانم وذلك يساوي خلق الانسان من طين وخلق ابليس من نار. وفي العرف العام هم افضل وارقي واكثر قوة، ولا فضل لهم الا معرفة القراءة والكتابة والحساب.والمرأة عند محفوظ هي الارض والواقع منذ البداية لم تكن حياتها في البــــــيت الكبير حياة الحديقة والناس والطيور والسماء، ولكنها حياة ترتبط بما يقال في البــــــــيت الكبير وشؤون الحياة، وحين حملت للمـــــــرة الاولي ساعدت ادريس في اغواء ادهـــــــم ليحاول الاطلاع علي حجة الوقف حتي تطمئن علي نصيب ابنائها المقبلين في الميراث الضخم، ولكنها لا تتحمل الخطيئة وحدها فأدهم رغم لومه لها علي اغوائه كان يعرف ان المرأة تعرب عما في نفسه، وهذا ما يثير حنقه، فشخصية اميمة هي حواء وهي صاحبة قضية ولها هدف، ولها ارادة جعلتها تحرض ادهم، اما ادهم فهو المنفذ المتردد الذي لا يحمل سوي عقدة الشعور بالذنب (لانها في الواقع اعربت عما في نفسه) والوضاعة.ويري الكاتب ان قصة الخلق عند محفوظ هي قصة فكرتنا عن الحياة ومعني العالم: فالحياة في الحديقة مع الناس والطيور (وهي حياة الثراء والفراغ من ناحية وحياة التأمل والتمتع بالجمال من جهة اخري) مقابل لعنة العمل، وخيار البلطجة او انتظار عفو الجبلاوي، وبناء الجنة علي الارض او الامل في جنة لاحقة، فهي فكرتنا في هذه المنطقة من العالم عن انفسنا باعتبارنا منحدرين من مكان آخر، فخورين بنسبنا بوصفنا شعبا مختارا (او اصحاب عقيدة مختارة) والتعساء ايضا بسبب هذا المصير وهم المرتبطون بكل الاحوال بالبيت الكبير، دون ان نراه لانه مختبئ خلف جدرانه العالية ولا نري من باب اولي ساكنه. فحكايتنا كلها مصيرنا ووجودنا، منبثقان منه، ولذا تدور مشاعرنا وافكارنا وحياتنا كلها حوله، وهكذا يقول همام (هابيل ابن آدم): سنظل نتطلع الي هذا البيت الذي لا عزة لنا الا به ولا تعاسة الا بسبب منه.ويشبه ابنا أدهم همام (هابيل) وقدري (قابيل) أباهما وعمهما ادريس فهمام هو الخير وقدري هو الشر، ومثل عمه ادريس يصيح قدري، لا امل الا في هذا الخلاء ابصقوا علي البيت الكبير واريحو انفسكم ويعتبر الكاتب ان الشر في الرواية هو الانفصال النفسي عن البيت الكبير، اما الخير فهو الاتصال به.ويستدعي الجد (الجبلاوي) حفيده همام ويعرض عليه الاقامة معه في البيت الكبير ولكن همام يفشل في اقناع جده بالعفو عن الاسرة بأكملها فيقرر الخروج خشية علي اهله من الشرور المحيطة بهم، وهذا يصور الصراع في الحياة خارج البيت الكبير وهو الجنة.ومقتل همام عند محفوظ لم يكن علي النساء، وانما علي مفهوم الحياة فقدري فخور بقوته والتي لا تقل عن قوة ادريس، بينما هما فخور بدعوته الي العودة للبيت الكبير والتي لن يقبلها، ولكن الدعوة نفسها تعني انه صار مميزا عند الجد، وهكذا يظل الجد الكبير معيارا للقيم، فقدري عندما قتل همام اكتشف عجز القوة، فلقد قتله ولكنه لم يستطع ان يرد اليه الحياة، وهنا تبدأ الحياة علي الارض في ذرية ادهم وادريس وزوجتيهما وتصبح الحياة خليطا من الخير والشر معا.وبعد هذه الحادثة في الرواية يغيب الجبلاوي داخل البيت الكبير فلا يظهر بنفسه أبدا في الحكايات. ولكن تبقي رسائله التي يرسلها لجبل (النبي موسي) ثم رفاعة (عيسي) ثم قاسم (محمد) وهم القادة المصلحون الذين تنصبهم الحارة.ويري الكاتب ان كل من جبل ورفاعة وقاسم استمدوا مشروعيتهم من تلقيهم بشكل او بآخر موافقة وتأييد الجبلاوي لرؤيتهم وكفاحهم. فكان جبل اول من ثار علي الظلم في الحارة حيث تربي في بيت الناظر رغم علمه بانه ينتمي الي آل حمدان (اليهود). رفاعة لاعادة تفسير الحكايات ومحولا اياها الي برنامج عمل ويكلفه الجبلاوي بتوزيع الوقف بين جميع احفاده (جميع ابناء الحارة) بالعدل. ثم يأتي قاسم والذي ينشر العدل في الحارة، مع اعتماده علي العقل والتفكير ويعتبر الكاتب ان محفوظ أنسن التراث الديني ليس فقط بفكرة العدل ولكن بجعله المصلحين ليسوا مجرد ادوات في يد الخالق، ولكن اصحاب رؤية نقدية. ويعلق عبد الرحمن ابو عوف بجريدة العربي الناصري علي تداعيات هذه الرواية فيقول دفع نجيب محفوظ ثمن الكتابة المنحازة والمنتمية للمقهورين والمهمشين من ابناء حارتنا كدلالة رمزية لمصر والعالم ككل، دفعها بان ظل حتي سن الستين مجرد موظف كادح مغمور في اقبية وزارة الاوقاف المظلمة، يعني حياة ابناء الطبقة المتوسطة الصغيرة، ورغم ذلك ظل دؤوبا علي الابداع الروائي الباهر في صمت وكبرياء، ونشرت اعماله علي اوسع نطاق جماهيري وحولت للسينما والتلفزيون والاذاعة واصبح كاتب العصر بلا منازع. حصل علي نوبل الادب قبل اكبر كتاب الرواية المنافسين له، ويري ابو عوف ان الثمن الفادح الدامي الذي دفعه نجيب محفوظ للكتابة هو محاولة ذبحه بيد الفكر الظلامي السلفي، وهو شيخ تجاوز الثمانين مما يدل علي خلل في المجتمع المصري الذي ادت تناقضاته وعشوائيته السياسية والاجتماعية بعد تراجعات كئيبة للتسعينيات والتي احدثتها الثورة المضادة بقيادة السادات الذي اطلق سراح قوي التطرف والتنظيمات الاسلامية ليضرب بهم الماركسيين والناصريين .ويروي رجاء النقاش في جريدة الاهرام رواية لنجيب محفوظ حول قصة لقائه الوحيد بالأديب الكبير ابراهيم عبد القادر المازني 1889 ـ 1949، حيث يقول محفوظ لم ألتق بالمازني سوي مرة واحدة بعد صدور روايتي زقاق المدق سنة 1947 حيث ابلغني عبد الحميد جودة السحار ـ وكان صديقا للمازني ـ ان المازني يريد ان يراني، وذهبت الي المازني في الموعد الذي حدده السحار، واستقبلني المازني استقبالا حارا وافاض علي من المديح ما اخجلني منه، ثم صمت قليلا وقال لي انه يريد ان ينصحني وانا في بداية حياتي الادبية وما زالت كلمات المازني محفورة في ذاكرتي بقوة، فقد قال لي ان الادب الذي أكتبه هو الادب الواقعي، وان هذا النوع من الادب يسبب لصاحبه مشكلات كثيرة . وعلي هذه الحادثة يبدي النقاش ملاحظته: فلقد حذر المازني محفوظ من الكـتابة الواقعية لانها تسبب المشاكل وتثير غضب الناس، ولكنه لم يحذره من الكتابة الرمزية، وهي التي يمكن ان يفسرها البعض تفسيرا سلبيا خاطئا، فمحفوظ لم يتعرض للأذي بسبب كتابته الواقعية، وانما بسبب كتابته الرمزية.ويكمل النقاش، وهكذا كانت متاعب الادب الرمزي اكثر بكثير من متاعب الادب الواقعي التي كان المازني يحذر منها نجيب محفوظ، ولقد نجي الله ـ سبحانه وتعالي ـ نجيب محفوظ من محاولة الاغتيال وانقذه من جريمة غريبة ارتكبها شاب لم يقرأ شيئا لنجيب محفوظ ولم يقرأ علي وجه الخصوص الرواية المتهمة ظلما بان فيها اساءة للاسلام، وهي رواية اولاد حارتنا ، بينما طالب عبد الله كمال رئيس تحرير مجلة روز اليوسف بالافراج عن اولاد حارتنا لكي يكتشف الشعب المصري الملامح الانسانية والفلسفية الراقية في روايات وقصص اديب نوبل ـ علي حد وصفه ـ ونشر اعماله في طبعات شعبية وعلي رأسها هذه الرواية، فان استاذ الفقه بجامعة الازهر ابدي اعتراضه علي اعادة نشر الرواية لأنها تضم نقدا للتاريخ النبوي والفكر الديني وقال لجريدة صوت الامة ـ الخاصة ـ ان اعادة النشر تعد اساءة لمحفوظ نفسه والانبياء والرسالات السماوية، ووافقه الرأي ايضا الشيخ السيد عسكر عضو مجلس الشعب وجماعة الاخوان المسلمين، حيث يري انها رواية رمزية تسيء الي الذات الالهية والي جميع الانبياء والمرسلين.وبالمناسبة انتقد الدكتور محمد عبد الغني شامة مستشار وزير الاوقاف بيان الجامعة الاسلامية الذي نعت فيه نجيب محفوظ واكد لجريدة المصري اليوم ـ الخاصة ـ انه لا يري مطلقا اي مساس للذات الالهية في اولاد حارتنا وانما جاءت لتعكس الصراع بين الخير والشر وقال: كان يجب ان يكون رد الجماعة علي الرواية عمليا من خلال الرد علي الحجة بالحجة، وليس بالترهيب فمحفوظ لم يخطئ او يذنب بها حتي نقول انه تاب وتراجع عن افكاره.0