كديما في طريقه للانحلال
لا ريب في أن الشخصية المأساوية السياسية هذا العام هي وزير الدفاع عمير بيريتس. أُنظروا ما الذي حدث له منذ التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، وهو العام الذي صعد فيه من لا مكان، وتغلب علي شمعون بيرس في الانتخابات لرئاسة العمل ودفع جانبا جميع المسؤولين الكبار في الحزب الذين حلموا بالوراثة. آنذاك، بدت السماء هي الحدود. قفز العمل في استطلاعات الرأي الي 28 نائبا، وتجمع أناس بارزون حول بيرتس، وبدا خصما جديا لشارون. اليوم أصبح كيس ضرب للجميع، يحارب عن حياته السياسية، ولا يعُده أحد في استطلاعات الرأي مرشحا لرئاسة الحكومة.
لقد استحق ذلك باستقامة، بعدد من الاجراءات المخطوءة. اذا تجاوزنا الصلف الذي أصابه بعد الانتصار، والذي أصدر عنه تصريحات متبجحة حماسية وكشفا بائسا عن الزعامة (مثل الأمر لوزراء العمل أن يستقيلوا من الحكومة)0، اخطأ بيرتس منذ الانتخابات خطأين أساسيين، اعتمدا علي تقديرات غير صحيحة. هذان، مع الوضع الأمني الذي دُفع اليه لغير مصلحته، وإن كان ذلك بذنبه هو بقدر غير ضئيل، لم يستطيعا إلا جلب كارثة سياسية عليه.
كان الخطأ الاول أنه ترك خارج الحكومة أفيشاي بارفرمان وعامي أيلون، في المحل الرابع والسادس في قائمة العمل للكنيست. لقد أراد إضعافهما لأنهما يُعرضان زعامته للخطر، وعيّن بدلا منهما فؤاد وايتان كابل، صاحبي القوة في الحزب. آنذاك كتبت، واسمحوا لي أن أُذكر، أن هذا تقدير مخطوء، لأن خطر بارفرمان وأيلون أكبر وهما خارج الحكومة. يتحقق هذا اليوم. هذه الخطوة سببت الصدع الاول في الثقة العامة ببيرتس. إن من يفخر في المعركة الانتخابية بالقائمة الممتازة المتجددة لحزبه، وبارفرمان وأيلون من أساطينها، لا يستطيع حينما يحين الوقت لتحقيق امتيازهما والوعد الكامن بوضعهما في أعالي القائمة، أن يطرحهما كثياب مستعملة الي مقاعد اعضاء الكنيست من الحاشية. الخطأ الثاني الذي حطم الثقة به حقا، كان موافقته علي اقتراح اولمرت أن يُعيَّن وزيرا للدفاع. كان ذلك اجراءا ساخرا – مصلحيا من الجانبين، علي حساب الدولة. أراد اولمرت هيرشيزون مقربه في وزارة المالية، ولهذا أوجد تعيينين غير مناسبين. وقد أمل ايضا أن يفشل زعيم العمل في الوزارة التي لا يعرف عنها شيئا وليست له تجربة في مجالات عملها. بيرتس من جهته، أغرته الفكرة المعاكسة، وهي أن ولايته وزارة الدفاع ستُطوره في الرأي العام كمرشح ملائم لرئاسة الحكومة، وباع الموضوع الاجتماعي الاقتصادي، الذي رفع رايته عاليا دائما، في مزاد أمني.
في هذا المقام نقول إن المواضعة التي فحواها أن ولاية وزارة الدفاع تُقدم من يتقلدها، دُحضت مرة بعد مرة، ومع كل ذلك تمسكوا بها لسبب ما. هاكم طائفة من وزراء الدفاع الذين لم تُقدمهم الولاية البتة، بل إن بعضهم أرجعته القهقري: بنحاس لافون، وموشيه ديان، وعيزر وايزمن، وموشيه آرنس، واسحق مردخاي، وشاؤول موفاز بل ارييل شارون، الذي نجح بعد عشرين سنة بأن ينعش نفسه من ولايته وزارة الدفاع وأن يصل الي رئاسة الحكومة.
علي أية حال، خرج اولمرت وبيرتس ايضا محطمين من هذه الحيلة الهازئة. ووزير الدفاع علي نحو أشد. كان هذا بالقياس اليه عصا مرتدة فتاكة. في الحقيقة أن بيرتس قد انكشف كغير ملائم لعمل وزير الدفاع، وإن كان يجب الاعتراف بأن الحرب التي سقطت عليه من الفور في بداية ولايته، لم تُمكّن من امتحان قدراته امتحانا نزيها. لكن ليس هذا هو الذي حطمه في الحقيقة. إن هربه من ميدان القتال من اجل الفقراء والشيوخ والمرضي والمحتاجين علي اختلافهم ومن اجل تغيير جدول الاعمال الاجتماعي، الي البرج الفخم في الكرياه في تل ابيب، هو الذي قضي عليه في الرأي العام.
إن من زعم لسنين بأن النفقة الأمنية تأكل نفقة الرفاهة، لا يستطيع أن يزعم فجأة أن ليس الأمر كذلك، من غير أن تُمس الثقة العامة به. إن من لا يُلائم كرامته أن يتقلد منصب وزير في موضوعات الرفاهة والاجتماع، يفقد سلطته العامة. الآن، يحاول بتهديدات تتصل بالموازنة أن ينقذ نفسه وأن يعود الي ميدانه الاجتماعي الطبيعي. هذا متأخر جدا من جهة المس بالثقة به.
ينشأ وضع سياسي جديد في الدولة. ربما تُحل مشكلة الميزانية، لكن لجان التحقيق أو التحقيق الجنائي مع رئيس الحكومة، اذا ما وُجد، قد يُسبب تغييرات في علاقات القوي السياسية. يبدو أن كديما ماضٍ الي انحلال. ستنشأ فرصة جديدة للاحزاب الاخري. لا يملك حزب العمل برئاسة بيرتس احتمالا كبيرا بأن ينجح في الانتخابات. عليه أن يُبدل الحصان. يجب علي اعضائه ومؤيديه أن يقولوا لبيرتس: إمضِ الي البيت، لا من وزارة الدفاع فقط، بل من قيادة العمل ايضا.
ابراهام تيروش(معاريف) ـ 6/9/2006