يستقيم العالم في ايلول
عناية جابريستقيم العالم في ايلوللا أتذكر امثلة وتواريخ تشرح هذا، غير ان الحرب في ذهني مرتبطة دائماً بالصيف. كلما اتي الصيف أهجس بالحرب، ومن الصعب بالنسبة لي عدم تلازمهما. أكيد، هناك من لا يوافقني علي ما اقول، فمنذ بدء الخليقة والحروب ناشطة صيفاً وشتاءً، خريفاً وربيعاً والفصول كافة تدفع الجزية.فكرة ان الحرب صيفية، ليست سوي طريقتي لاعلان كرهي لكليهما، الحرب والصيف، وهكذا احترم كرهي وادلله. امس، في احدي رسائله، سألني ان كان البحر يتغير عندنا في ايلول. إجا ايلول اذن، انتبهت فجأة الي اننا في ايلول فعلا، والي ان الحرب خلصت، والي ان لون البحر قد تغير فعلاً.دندنت: ورقو الأصفر/ شهر ايلول/ تحت الشبابيك.ذكرني ورقو/ دهب مشغول/ ذكرني فيك .أحلي ما لحن فيلمون وهبي وغنت فيروز. في ايلول، ما من مكان للحرب بالتأكيد. ليس بعد علي اية حال، فهذه النسمة الباردة تخصني وحدي، واعتكار السماء بغيمات قليلات ايضاً لي، والرذاذ هذا واجهل من اين يهطل، يهطل لأجلي، وباختصار، مع اقتراب فصل الشتاء، يصبح للايام هدف، ومذاق ولا يعود يتخللها اية شكوي.يتغير اجل، البحر في ايلول. قلت لك ذلك غير انني لم أشرحه. لم اصفه لك انت الذي تحبني قدر ما تحب البحر. لا اغفرلك انك تعيش بعيداً عن بحرنا، سوي انني ادعو الله ان يدعك تعيش فحسب. لا اتعاطف مع فكرتك عن العيش اينما كان ولكني افهم وجهة نظرك، حتي اني اشعر بالادرينالين يتصاعد في جسمي عندما اتخيل انك قد تأتي لزيارة هذا البحر تحديداً، كما ينبغي لقصة ان تنتهي نهاية سعيدة. نهاية فيلم عربي.لو اننا معا في ايلول هذا، لعكفنا علي دراسة تغير درجات الالوان للبحر في ايلول، ولضحكنا من الحرب القذرة التي عبرت، كما لو ان سحر وجودنا معا في ايلول له علاقة بشجاعة الحب، وشجاعة استئناف الحياة من لحظتها التي فلتت، اكثرها رحابة.ليست لديك اية فكرة ـ اخبرك ـ عما يتطلبه تنظيف بحرنا من التلوث القاتل، وعن المذلات التي اضطرت الامواج الي تحملها.حسناً، سألتني عن لون البحر؟ لو تعرف، انه ليس ازرق ولا اخضر ولا تدرجاتهما. انه ليس النثار الفضي، وما من لطخة رمادية. رأيت موجات مقبلات قبل قليل، وواقفة انا الان علي الشاطيء، واقسم لك، انها في اعلاها حمراء برتقالية قليلا وزاهية جدا. اجل حمراء برتقالية ولم يسبق لي ان رأيت موجة بهذا اللون في حياتي. انها تشبه المرجان، وبلون اليقطين، ولكنه اقوي.سألتني عن لون البحر الان في ايلول، وقد خلصت الحرب واقترب الشتاء!! الان علي الاقل، عاد البحر جميلا كفاية لاستقبالك. ان معارك الامواج ضد الحرب وضد تلويث بحرها ـ بما فيها من حنان وغموض ـ انتهت جميعها تقريبا بعد ان احتدمت طيلة شهر واربعة ايام.حكيت لك عن الموجات البرتقالية. هناك البيضاء والسكرية اللون ايضا، ويكون لونها هكذا لانها تأتي من البعيد، ولان البعيد، بعيد جداً، من عند الافق تقريباً، وتقترب لتنفق وتتلاشي علي الشاطيء، لاحسة اصابع اقدام الساهين والمغرومين والواقفين يتطلعون الي البعيد. موجات خصبة تتوالد في طريقها، حيث تظل اعاليها معلقة ومختبئة في الغيم، ومن هناك تنزل لتلتحق بالبقع الملوثة، او الدانتيللا السوداء وتمكث ما زالت في الازرق الكبير.هل يتغير البحر في ايلول؟ يبدأ يشتد ماؤه ـ كالزيت ـ المخيب للآمال في الصيف، يبدأ يتحرك، يسافر، يعاود سلطته. بالطبع لا يستطيع ان يصير هو الله، بيد انه اداته، عدالته.انا ككائنة محبة اطيع البحر في ايلول، لانه تحديداً يشتد، ولانه في ايلول، لا يباري. يتغير! أجل، وتتقوس موجاته علي شاكلة تنانين ضخمة تسبح لتبلغ نقاطاً في الافق غير مستقرة، ومضللة.تبتدع مياهه اشكال اشخاص لاهين وعراة، يداعب احدهم الآخر، ويتناثرون في اصطفاف موجع، ويبدو كما لو البحر يمجن.غيوم صباحية ترش ارقّ رذاذ رأيته في حياتي. لكنك تعرف هذا. ما من حاجة الي وصفه لك.تأتي. تكون ليالي باردة والشمس تعجز عن تدفئة المياه، أيضاً، وقبل ان انسي، لمحت موجات زرقاء تشوبها خضرة في اماكن لا تصلها المراكب ولا الصيادون. لكن شيئاً يبقي ناقصاً، انت تعرف. فقط تحيرني هذه الطاقة في حين يقترب الشتاء في ايلوله ذي اللونين الوردي والعنبري. أفيق في ايلول بالغمغمة الراضية، كما لو استقام العالم الي الابد.0