ليلة ذبح السودان
د. عبدالوهاب الافنديليلة ذبح السودان(1)ربما يستغرب كثير من غير السودانيين حجم الشعور بالصدمة الذي عبرت عنه كثير من الأوساط السودانية إزاء حادث خطف واغتيال الصحافي السوداني محمد طه محمد أحمد ليلة الثلاثاء المنصرمة. فالسودان عند الكثيرين مسرح لكثير من ألوان العنف والحروب الأهلية، وحتي التطهير العرقي والإبادة الجماعية. والسودان كذلك عند كثير من منظمات حقوق الإنسان والجهات الأممية مسرح لانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بما فيها حقوق الصحافيين، حتي كان من بين حفنة من الدول عينت لها الأمم المتحدة في منتصف التسعينات مقرراً خاصاً لحقوق الإنسان. فماذا يزيد اغتيال صحافي فرد إلي كل هذا؟(2)المصيبة السودانية قد تعتبر أيضاً حدثاً عرضياً مقارنة بما يشهده العراق حالياً من ذبح بالجملة لا يوفر صحافياً ولاغيره، أو ما شهده لبنان (الذي شهد بالمناسبة أول حادث اغتيال لصحافي سوداني دبره نظام النميري في عام 1970) من استهداف منهجي للصحافيين، وما شهدته قبل ذلك الجزائر ودول عربية أخري.(3)ولكن لكي نفهم حجم الزلزال الذي يمثله حادث الاغتيال فلا بد أن نقدر ليس فقط غربة حوادث الاغتيال والإرهاب عن المشهد الاجتماعي والسياسي السوداني (رغم اتهامات أمريكا وغيرها للبلد بدعم الإرهاب) وفشلها في أن تجد لها تربة خصبة علي الأرض السودانية، بل فوق ذلك علينا أن نقدر خصائص أخري للواقع السوداني. ولعل أحد أهم هذه الخصائص هو اعتماد النهج الحضاري في إدارة الصراعات والتعايش مع الخلاف.(4)بعض تجليات هذا النهج (مثل التعامل الحضاري بل والودي أحياناً بين ممثلي الأطراف المتحاربة في جلسات المفاوضات) أدهش كثيراً من المراقبين وجعلهم يتساءلون عن دواعي الصراع أصلاً. وقد صمد هذا النهج الحضاري في التعامل لهجمات شرسة من ثوار كثيرين من اليسار واليمين، وكان الإسلاميون للأسف أكثر من أثخن في هذا النسيج تمزيقاً.(5)بعض المعارضين سارع إلي اتهام الحكومة خصوصاً والإسلاميين عموماً بالمسؤولية غير المباشرة عن مقتل محمد طه ناشر ورئيس تحرير صحيفة الوفاق اليومية. حركة حق (المنشقة علي الحزب الشيوعي السوداني) قالت إن مقتل محمد طه يمثل وطأة المشروع الحضاري لسلطة الإنقاذ ومهاويسها الأصوليين، في واحدة من أكثر لحظاته صفاءً ووضوحاً وكثافة . وأضافت لقد شحذت نصال السكاكين والخناجر الذي ذبحت محمد طه، فكرياً، علي أحجار السلفية والأصولية والتطرف والغلو واحتكار الحقيقة والدين وإلغاء الآخر جملة وتفصيلاً ونفي حقه في الحياة التي روجتها الحركة الإسلامية، وحركياً وفعلياً، علي سياسات الإنقاذ التي استجلبت الإرهابيين وغلاة المتشددين من كل أصقاع الأرض ووفرت لهم الملاذ ومنحتهم الحماية والجنسية .(6)هذا الاتهام يفترض ما يرجحه الكثيرون من أن قتلة محمد طه هم من السلفيين المتشددين الذي شنوا حملة عنيفة عليه في العام الماضي حين نشرت صحيفته مقالة تقدح في شخص الرسول صلي الله عليه وسلم ونسبه. وقد حوكم محمد طه علي خلفية تلك المقالة وصدر ضده حكم بالغرامة وإيقاف الصحيفة وقد اعتذر عن نشر المقالة علناً وقام شخصياً بالرد علي ما جاء فيها من دعاوي. ولكن منتقديه من السلفيين لم يرضوا بهذا ودأبوا علي إهدار دمه. وينتسب محمد طه إلي الإسلاميين وهو من أنصار الحكومة. وقد تعرضت مكاتب صحيفته أيضاً لهجوم عنيف من قبل جهات قبلية تناولتها الصحيفة بنقد.(7)الحكومة مسؤولة جزئياً علي الأقل عن المناخ الذي أصبح فيه ممكناً لزوار الليل من الجهات الأمنية أن يطرقوا بيوت المواطنين ويقتادوهم إلي أماكن مجهولة، وعلي أقل تقدير عن عدم توفير الأمن لمواطنيها. ولكن الوقع المزلزل للحادث يأتي من كونه عدواناً علي المنهج الحضاري في التعايش والإحساس بالأمن الذي ظل يسود المجتمع السوداني، علي الأقل في المركز والعاصمة رغم ما أصاب أطراف البلاد من نوازل.(8)الذي نرجوه أن يكون الحادث ظاهرة معزولة وهامشية مثل الهجمات الإرهابية التي طالت المصلين في أعوام سابقة، وتم القبض علي المنظمات التي كانت وراءها وتصفيتها. والذي نرجوه كذلك أن تبدأ العملية الطويلة الضرورية لإعادة بناء النسيج الحضاري السوداني عبر نشر الديمقراطية وتصفية التنظيمات المسلحة من معارضة وموالية والبعد عن التشنج والتطرف إسلامياً كان أو علمانياً، وتوافق كل السودانيين علي احترام القانون والقيم السودانية الأصيلة في التعايش مع الاختلاف. وإلا فإننا مقبلون علي ليل مظلم طويل.9