رشاد أبوشاور
سيدي الشيخ علي مديد القامة، يمشي بتؤدة، وعيناه تنظران بعيداً، في ظهره انحناءة طفيفة، عصاه علي كتفه وقد علق فيها (بقجة) ملابسه (ثوب أبيض، وسجادة صلاة عتيقة، وسواك، وبعض البخور). من عادته أنه يحني جسده قليلاً، ويمر براحة يده علي رؤوسنا نحن الصغار، وهو يتمتم بآيات من الذكر، أو الأدعية، يبارك أعمارنا، ويرجو من الله لنا التوفيق والهداية، وحسن الطالع. أخبرتني خالتي ( فضة) أن الشيخ علي اعتاد زيارة قريتنا (ذكرين) قبل اللجوء، وأنه سعي لمعرفة إقامتنا بعد نكبة عام 48، وبعد تعب اهتدي لمعرفة عناوين أهل قريتنا فأخذ يزورنا في مخيماتنا، فنحن، كما تقول خالتي: تفرقنا يا حسرتني، وكأننا أهل يوم القيامة، فبعضنا في مخيم (النويعمة)، وبعضنا في مخيم (الدهيشة)، وبعضنا في مخيم (الفوار) وبعضنا في مخيم (عين السلطان) وهو المجاور لمخيمنا (النويعمة) … هو يأتينا بأخبار أقاربنا، وجيراننا الذين يزورهم في كل عام، فهو يقسم عامه علي زيارات للجميع والاطمئنان علي أحوالهم. يكتب الأدوية الشافية لمرضاهم، وينصح النسوة بالتقي، ورعاية الأبناء والبنات والأزواج، وقد يكتب (حجاباً) لإحداهن ليحبها زوجها، ولأخري لتنجب إن شاء الله، ولكنه يأبي أن يكتب ما يفرق، أو يثير الغيرة والحسد، أو يوقع الأذي. ينصح دائماً بالابتعاد عن الحسد، والكيد، والنفث في العقد (من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد). كان ينظر إلي بشيء من الحزن، ثم يمسد علي رأسي ويدعو الله أن يحميني، فهو يعرف أنني إبن (زينب) التي ماتت في (بابور الطحين ) ، ودفنت هناك في قريتنا، وبجوارها أختي الصغيرة (معزوزة) التي لحقت بها بعد شهرين… جرؤت مرة، وقد رأيته يضع عصاه علي كتفه، ثم يمشي ببطء مبتعداً، بعد أن ودع جمهرة النساء ـ الرجال يسرحون مع الفجر ويعودون مع غياب الشمس، بعضهم يشتغل في مزارع الموز، في منطقة (العوجا) علي طريق نابلس، أو مشروع (العلمي ) شرقاً باتجاه الجسر قرب نهر الأردن ـ علي مناداته بلهفة:
ـ سيدي الشيخ علي انتظر. .. توقف في ظل دار (أبو غيث) الصرفندي، فالطقس حار والشمس تشوي الرأس، حتي وإن كانت علي رأس الشيخ علي عمامة. اقتربت منه، وقلت له وأنا أرتجف: ـ سيدي الشيخ علي، أنا باحب البنت (…) وبدي منك تعمل لي حجاب علشان تصير تحبني. .. سألني وقد وضع راحته الكبيرة فوق رأسي:
ـ أنت ابن المرحومة زينب! البنت ما بتحبك؟
ـ بعرفش، أنا باستحي أسألها! ـ خلينا نحسب حروف اسمك واسم أمك، ونشوف برجك. .. أخذ يحسب الحرف، ثم تنهد ونطق بسر البرج:
ـ برجك ( ناري)، يعني لازم يكون برج البنت (ترابي) أحسن بعدين تحرقوا بعض. .. فاهم؟ إذا برجك ناري وهي برجها ناري مثلك بتحرقو بعض.. روح إعرف لي اسم أمها، وبعدين السنة الجاية لما أزوركم تخبرني به، فإن كان برجها ترابي نفعل ما يقدرنا الله عليه، لأنها ستكون مناسبة لك. .. مشي الشيخ علي بخطوات قصيرة ثقيلة، وتواري في منعطف الشارع، أما أنا فلبثت حائراً، أفكر في كيفية معرفة اسم والدة ( …) شقيقة زميلي وصديقي (هاني) في المدرسة، وفي نفس الصف، حتي أننا نجلس دائماً متجاورين علي نفس المقعد. لم يعد الشيخ علي في العام التالي إلي مخيمنا، ولم نعرف ما جري له، فنحن تشتتنا، ورحلنا عن مخيمنا، فمنا من أقام في مخيمات عمان، ومنا من رحل إلي مخيم البقعة، ومنا من لا ندري أين انتهت رحلة تشرده. .. ظلت ( …) في بالي كل هذه السنوات، حتي بعد زواجي، وإقامتي في بيروت، ودمشق، وتونس، والعودة إلي عمان بعد غربة عشرين عاماً. وأنا أهبط السلم الكهربائي في (السيف وي)، رأيتها، إنها هي، والله هي!
أردد في سري هي، وقلبي يخفق بقوة، وارتجاف، ووهن، وفرح، ولخبطة، ورغبة أن أندفع وأحملها بين يدي وأدور بها صائحاً: والله العظيم هي، بعد كل هذه السنوات، هي والله العظيم، هي بلونها، بوجهها، بنظرتها التي اخترقت قلبي وجعلت روحي ترفرف كالعصفور، هي التي ضربت. . ماذا أقول؟!. . ضربتني، صعقتني. . بنظرة حب من لما كنت في أول المرحلة الإعدادية، وحتي السنة الدراسية الأخيرة سنة التوجيهي… ثلاث سنوات من الحب الصامت، من وله بها، من نظرات قلبي وعيني وروحي اللهفي، من استغاثات بأن تبتسم لي وتقول لي كلمة واحدة تجعلني أطمئن وأهدأ، ويسكن قلقي… أقترب، لا كما عهدتني متردداً، وأهمس باسمها، فتتراجع خطوتين وتبتسم، ثم تضحك، وتضرب كفاً بكف:
ـ أنت!.. يااااه.. بعد كل هالعمر!
وقفت ذاهلاً أتأمل وجهها. ـ لم تتغير كثيراً، شوية شيب علي الصدغين، و.. أين كنت، هل تزوجت، لماذا لم تسأل عن، عن. . أخي صاحبك و.. ؟!. وبدون وعي أسألها: ـ ما اسم أمك؟ تضحك بصوت عال دون اهتمام بالناس المتسوقين. .. ـ لماذا تسأل عن اسم أمي؟!
ـ لأن الشيخ علي. .. ـ الشيخ علي، أي شيخ علي؟!
ـ الشيخ علي طلب مني أن أعرف اسم أمك!
ـ اسم أمي. .. ـ تلك حكاية قديمة. . تصوري لقد تعلمت من كتاب (أبو معشر الفلكي) أن أعرف أبراج المحبين و.. ـ أنت!
ـ أنا. .. ـ قرأت لك مقالات، وقصصاً، ورأيتك مرة علي التلفزيون، وسمعت أخبارك و… ـ ولكن: ما اسم أمك فعلاً؟
ـ نعمة. .. ـ ياه، لقد خجلت أن اسأل شقيقك صاحبي عن اسم أمه، والشيخ علي لم يعد في السنة التالية، لقد وقعت حرب 5 حزيران و.. تفرقنا… حسبت أرقام اسم أمها بسرعة، ووجدتني أتمتم:
ـ برجك ترابي، يعني لو لم تقع حرب ( حزيران )، ولو عاد الشيخ علي، حتي لو لم يعد، لكنا، أقصد كنت لا أجرؤ أن أقول لك بأنني، ولكن لو لم يفرقنا (حزيران) لكنت تشجعت وقلت لك بأنني. .. ـ بأنك ماذا؟!
ـ بأنني كنت. .. ـ كنت؟!
ـ وما زلت، وسأظل. . التفتت حواليها، ثم لفت جسدها وكما لو أنها تقوم بنفس الحركة عندما كانت تخرج من بوابة مدرسة البنات لتبحث عني بعينين تمسحان زوايا الشارعين المتقاطعين أمام المدرسة، وأشارت بيدها لأحدهم، فبادر للاقتراب منا شاب مديد القامة، عرفتني به:
ـ إبني. .. ذكرت اسمه المطابق لاسمي، فمد يده، فهمست له باسمي بحيث لا يتبينه تماماً، هو غير المعني بهذا (العم) الذي ظهر فجأة:
ـ الأستاذ.. من مخيمنا، صديق خالك، وجارنا أيام مخيم (النويعمة)، مخيمنا الذي حكيت لك عنه، القريب من أريحا.. ما أحلاها تلك الأيام، أيام (النويعمة) و(أريحا) ! كنا نعيش علي الأمل، لكنها راحت… قال بلامبالاة:
ـ تشرفنا. . وإذ ابتعد الشاب متشاغلاً بتناول حاجيات عن الأرفف، شعرت بأن ناراً تندلع في جوفي، في رأسي، في يدي، في ساقي، في شراييني. .. أيقظني صوتها القلق:
ـ أتشكو من شيء؟
ـ الشيخ علي أخبرني أن برجي ناري، وأنني بحاجة لمن برجها (ترابي) … لما عاد ابنها، ومدت يدها تودعني، شدت علي يدي وكأنها تعد بأننا سنلتقي. .. رأيتها تخرج من الباب إلي الشارع لتختفي مع ابنها في سيارتهم الخاصــة، ثم لتحين منها نظرة، نظرة من نظرات أيام زمان، أيام خروجها من بوابة المدرسة، نظرة انتظرتها بلهفة خمسة وعشرين سنة. .. وإذ توارت السيارة، وغابت الابتسامة، داخلني شعور بأنني توهمت كل الذي جري. .. انزلق جسدي بجور الجدار، وتكومت علي نفسي وداخلني شعور بأنني أتحول إلي كيس من الرماد بعد سنوات من الشوق والاحتراق. .. آخ يا سيدي الشيخ علي، أكان لا بد أن يدهمنا 5 حزيران ليبددنا؟!…