المواجهة بين اسرائيل وحزب الله واصطفاف الفضائيات

حجم الخط
0

المواجهة بين اسرائيل وحزب الله واصطفاف الفضائيات

يحيي اليحياويالمواجهة بين اسرائيل وحزب الله واصطفاف الفضائياتمنذ الثاني عشر من تموز (يوليو) من العام 2006 (تاريخ اندلاع المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله) توارت الفضائيات العربية، الحكومية منها كما الخاصة سواء بسواء، خلف ثلاثة مواقف كبري لازمتها منذ ذات التاريخ، وإلي حين الإعلان عن وقف العمليات الحربية بين الطرفين بداية شهر آب (اغسطس): موقف التماهي الكامل مع المقاومة بالخطاب التجنيدي، كما بالتغطية الحية المباشرة، كما بالتعليق المواكب لمجريات المواجهة كما بغيرها، لدرجة اضحت الفضائيات إياها الرافد الإعلامي للمقاومة بالكلمة وبالصورة والصوت.وموقف الوسيط المحايد ، الذي تعاملت بموجبه الفضائيات العربية (أو الجزء الكبير منها بالداخل كما بالمهجر ) مع مجريات المواجهة كأي حدث عابر، تتم تغطيته بنشرة الأخبار الرئيسية (إن توفرت)، ليتم التغاضي عنه جملة وتفصيلا لتعود الشبكة البرامجية إلي طبيعتها/الأصل غناء ورقصا وفرجة وما سواها. وموقف المتحيز ضد المقاومة، المزايد علي سلوكها، المشكك في أهدافها وارتباطاتها إذا لم يكن بالصريح المعلن، فبالتلميح الذي لا يقبل كثير تأويل أو عميق اجتهاد.وإذا كان الفريق الأول من الفضائيات يجاهر علانية بتبنيه لنهج المقاومة، ويتفاخر بكونه رافدها الإعلامي الأساس (حالة المنار تحديدا أو الفضائية السورية أو بعض الأقنية اللبنانية العمومية والخاصة)، فإن الفريق الثاني لم يعرها كبير اهتمام كون أمرها لا يدخل في نطاق نهجه الإعلامي ، ولا مادتها واردة بدفتر تحملاته، وإدماجه بالشبكة لا يمت إلي التزاماتها الأصل بصلة. في حين عمد الفريق الثالث إلي اعتبارها (المقاومة أعني) عملا مغامرا وغير مسؤول ، قياسا في تصوره، إلي موازين القوي القائمة والعواقب المحتملة من استفزاز أكبر قوة عسكرية بالمنطقة .هناك، إذن بمحصلة أولية، فضائيات قاومت مع المقاومة وأخريات قاومتها وزايدت عليها، في حين تم غض الطرف عنها بالجملة والتفصيل من لدن فصيل ثالث، تراءي له أن دمار لبنان وخراب ضرعه وزرعه وبشره يهون أمام طقوس الغناء والطرب والرقص ومسلسلات المجون. وعلي هذا الأساس، فلو تسني للمرء أن يسائل الخلفيات الكبري التي ثوت خلف موقف هذه الفضائية أو تلك، لتبين له بالواضح القاطع أن ناظمها الأساس مجتمعة إنما خاصية الاصطفاف العميقة التي طبعت سلوكها، وحددت نظرتها لمجريات المواجهة لأكثر من شهر من الزمن ولربما إلي اليوم: فقناة المنار (كما بعض فضائيات الدول المساندة لحزب الله ولثقافة المقاومة بوجه عام) كرست كل مفاصل شبكتها البرامجية ليس فقط لمتابعة مجريات المعركة أو تغطية أطوارها، بل وأيضا لتعظيم عناصر النصر الذي ترتب عن واقع صمود المقاومة، وحقيقة استحالة دحرها بالأرض كائنة ما تكون درجات اختلال موازين القوة العسكرية.لم تصطف قناة المنار خلف المقاومة فحسب، بل كانت ناطقها الإعلامي المباشر وأداتها البالغة في الدفع بالحرب النفسية التي دارت رحاها بشدة، تماما كشدة المواجهة بالميدان أو أكثر. وقنوات المجون أمعنت في الإبقاء علي سريرتها، ولم يكن لبنان حاضرا من بين ظهرانيها إلا من خلال كليبات صاخبة لمطربين لبنانيين من المتعذر حقا حصر عددهم ولا استذكار أسمائهم ووجوههم، ولا معرفة لمن يقدمون فنهم وجزء من بلدهم يحترق فيما الجزء الآخر يدمر ويخرب. نحن، بهذه الحالة، إنما بإزاء اصطفاف من نوع خاص لفضائيات تغيأت منذ البدء التمييع وإفساد الذوق العام، واستهدفت تحريف شرائح واسعة من الشباب عن الاهتمام بقضايا بلدانهم الكبري، أو بجدوي تمرير ثقافة المقاومة والممانعة من بين ظهرانيهم. أما فضائيات مصر والسعودية والأردن والعديد سواها بالخليج كما بالمغرب العربي، فقد اصطفت جملة وتفصيلا (ومنذ اليوم الأول) خلف موقف نظمها، فاعتبرت في أعقاب تصريحات حكوماتها، ما أقدمت عليه المقاومة مغامرة غير محسوبة و عملا غير مسؤول (بوجود حكومة مسؤولة، يقول ذات الموقف) ونددت، فوق كل هذا وذاك، بعملية أسر الجنديين… بل وطالبت بإعادتهما لأهلهما تجنبا لتهلكة حتمية قادمة ، لن يسلم منها لا حزب الله ولا لبنان ولا سورية ولا النظام الإقليمي برمته والمرتكز علي مسلمة ألا خيار خارج خيار السلام . لم تكتف الفضائيات إياها بموسطة ما عبرت عنه النظم القائمة من مواقف وتصريحات، بل استنفرت لتزكية ذات الأطروحة نفرا من الخبراء و علماء السياسة والاستراتيجيا و متخصصين في قضايا الشرق الأوسط و باحثين من مراكز دراسات وأبحاث متخصصة و ضباط كبار متقاعدين و وزراء خارجية سابقين وقس علي ذلك… لا حديث لهم، جماعة وفرادي، إلا حديث المزايدة علي المقاومة والتحذير من مخاطر ما هي مقدمة أو أقدمت عليه بحكم عدم إدراكها لدقة المرحلة وهكذا.لم ينحصر الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلي حد تماهي هؤلاء مع الخطاب الرسمي ومجاراته، حتي إذا تسني لهذا الأخير تغيير موجته ونبرته (بعدما تأكد من مقدرات المقاومة العالية وصمودها)، تلونت الفضائيات معه (وخبراؤها أيضا) لتلبس لبوسه وتتحفظ من الأحكام القطعية التي لوكها ولوكتها علي شاكلته بالشكل كما بالمضمون ولأيام طوال.قد يبدو من الطبيعي أن تسلك الفضائيات الرسمية مسلك النظام الرسمي الذي تعتمل بداخله، أو يملك ناصية السلطة من بين ظهرانيها، برأس المال أو بالتأثير عبر تقاطع الموقف من المقاومة أو بما سوي ذلك. وقد يبدو من الطبيعي أيضا أن تواكب الفضائيات إياها تموجات ذات الخطاب أو ردود فعله أو توجهاته، أو تحولات الموقف الذي قد يترتب عن ظروف غير منتظرة من لدنه. لكن الشاذ حقا، هو أن يعملوا معا (نظاما رسميا وفضائيات) علي تجريم المقاومة وإبراز إسرائيل بصفة الضحية، وإلزام الصمت المطبق طيلة أكثر من شهر اللهم إلا ما يقدم من صور الدمار والخراب ولكأن لسان حالها يقول: ألم نحذركم من مصير كهذا؟ ألم نقل لكم إن الحسبة خطأ وأن الجرة وإن سلمت في الـ2000 أو ما بعده، فإنها لن تسلم هذه المرة مع غريم لا قبل لكم به قوة وجبروتا؟ وقس علي هذا المنوال. وإذا كان للمرء أن يجد للنظام العربي الرسمي وفضائياته، بعضا من الشفاعة فيما اتخذوا من مواقف وروجوا من آراء، كونهم مهد ثقافة الهزيمة بامتياز أمام إسرائيل لأكثر من نصف قرن من الزمن، فإنه لا يستطيع أن يجد لهم العذر (بعد انتهاء العمليات الحربية) في تماهي مواقفهم مع مواقف إسرائيل والولايات المتحدة، بجهة تجريد حزب الله من سلاحه والتحايل علي عنصر القوة الأكبر بوجه إسرائيل، بعدما تعذر دحرها فيما مضي بجيوش نظامية أضحت اليوم متهالكة المفاصل. بالمقابل، فإذا تفهمنا (جزئيا علي الأقل) خطاب تلفزيون المستقبل مثلا، كونه الناطق الرسمي باسم مجموعة 14 آذار المناهضة لسلاح الحزب، فإنه من الصعب حقا فهم رسالة قناة الجزيرة طيلة هذه المواجهة… علي الأقل من زاويتين: فهي قدمت تغطية لمجريات الأحداث بالصوت والصورة وبالمباشر الحي في العديد من الأحايين مع الاتكاء علي خبراء ومحللين أكفاء في عدد لا بأس به، لكنها مررت طيلة الحرب للموقف الإسرائيلي أيضا، اعتبارا منها للرأي الآخر الذي تحمله شعارا وتوجها.هي من هنا، إنما كانت واسطة إسرائيل المثلي لمخاطبة الجماهير العربية واستفزازها وتحدي شعور الملايين ضمنها، والتجاوز علي سلوك الممانعة الذي لم تعبر المقاومة إلا عن مظهر من مظاهره. لم يكن المرء بحاجة لمعرفة موقف إسرائيل ولا موقف الناطق الرسمي باسم جيشها. هي كانت تعبر عنه بالطائرات والقنابل، بمحاصرة البر والبحر، بتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها وتهجير مئات الآلاف من اللبنانيين… عن أي رأي آخر كان يبحث القائمون علي فضائية الجزيرة؟ والقناة بتغطيتها لمجريات الحرب، لم تغفل أنها لسان حال دولة قطر، دولة المنشأ والمقر. ولم تغفل أنها تبث علي بعد كيلومترات فقط من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية بالخليج. لذلك، فعندما شحنت القنابل الذكية علي عجل من قاعدة السيلية بقطر، لم تأت قناة الجزيرة علي ذكر ذلك، ولا علي ذكر أن وزير خارجية قطر حط بإسرائيل، قبل أن يلتحق بقمة وزراء الخارجية العرب ببيروت ليشاهد بأم عينيه فؤاد السنيورة وهو يبكي. باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية