ايران لا تريد تدمير اسرائيل وامتلاكها سلاحا نوويا للردع فقط
برنارد لويس: احمدي نجاد وجماعته يؤمنون بقرب ظهور المهدي والمعركة الاخيرةايران لا تريد تدمير اسرائيل وامتلاكها سلاحا نوويا للردع فقط طوال أكثر من اربعة عقود من الحرب الباردة مُنعت الابادة الجماعية للناس بسبب الرادع الديني بين الدولتين الأعظم في العالم. الاستقرار الاستراتيجي ارتكز علي ميزان من الردع والخوف مما يمكن تسميته التدمير المتبادل الأكيد . لكل واحد من الطرفين يوجد مخزون كبير يُمكّنه من أن يفاجئ خصمه ويهاجمه في كل لحظة بأسلحته الذرية التي يمتلكها، ولكن ما يتبقي في أيدي الطرف المهاجَم من القنابل يمكن أن يهاجم به الاول ويُدمره بصورة تامة.نظريات الردع النووي، التي تطورت بالأساس من قبل الاكاديميين الامريكيين، دخلت عليها الكثير من التغييرات منها الطفيف والآخر الأكثر عمقا خلال السنوات الاربعين، والي أن تطورت بوسائل اخري منذ سنوات الستين وحتي الآن، وخصوصا من قبل وزير الدفاع الامريكي روبرت ماكنمارا، ومع ذلك، ومنذ اللحظة التي نجح فيها ماكنمارا باقناع القيادة السوفييتية بأن الشيء الأفضل للطرفين هو الكشف عن القوة التدميرية الكاملة التي لديهما، هو الذي أوصلهما الي لحظة يعتبر فيها الردع استقراراً، فمنذ ذلك الوقت تحولت النظرية الي حجر الأساس للردع النووي الذي أسس واستمر طوال هذه العقود مخيما علي العالم.انضمام دول اخري الي النادي النووي لم يؤد الي إحداث تغييرات في هذه النظرية، بريطانيا، فرنسا والصين لم تدخل في هذا النادي بالتحدي، وكان واضحا بأن المخاوف من الدمار الشامل من قبل الاتحاد السوفييتي (في حالة بريطانيا وفرنسا) أو من قبل الولايات المتحدة (في حالة الصين)، فان هذا يردعهما من استخدام السلاح النووي.التجارب النووية التي قامت بها الهند والباكستان منذ شهر أيار (مايو) 1998 أوجدت مخاوف لتغيير النموذج القائم علي أساس الردع المتبادل بين الدولتين. الحديث يدور عن فوارق ثقافية بين الدولتين، وعلي التركيبة الدينية في الصراع الدائر بينهما وعلي التطرف الباكستاني. وهنا، وبعد مرور سنة، نشب بين الدولتين، الهند وباكستان، صراع، عرف باسم ازمة كرغيل ، والذي هدد في ايصالهما الي مرحلة الحرب. واتضح بالتحديد هنا أن السلاح النووي الموجود لدي الدولتين أدي الي تهدئة القيادتين. والخوف من التدهور في تلك الازمة الي حرب نووية منع التصعيد بينهما.أزمة كرغيل عززت النظرية التي تقول بأن زعماء الدول التي تمتلك الاسلحة النووية يمتنعون عن استخدامها أمام الدول النووية الاخري. وهذا أمر مختلف تماما، لأن نظرية كهذه ووجهة نظر من هذا النوع، هي ما هي ديانة هؤلاء الزعماء وما هي نظرتهم للعالم. الخوف من الدمار الشامل لدولتيهما، بل ومن الأقرب لذلك موتهم جميعا، هو الذي يردعهما. القائد لا ينتحر مع دولته، ولا توجد لأي دولة مصلحة قومية كهذه أن يكون امتلاكها للسلاح طريقا للانتحار والصراع عليه مع الخصوم.هذا التفكير، الذي بموجبه السلاح النووي هو الرادع الفوري، هو الذي أوصل دافيد بن غوريون الي أن يقود اسرائيل الي برنامجها النووي. وكذلك زعماء بعض الدول العربية المتطرفة جدا، التي تتطلع الي تدمير اسرائيل، يرتدعون من تحقيق واثبات غضبهم، اذا فهموا بأنه يوجد في أيدي اسرائيل سلاح نووي. ودروس الحرب الباردة أثبتت أكثر نظرية ووجهة نظر بن غوريون، وأوضحت بأنه في لحظة الحقيقة فان السلاح النووي الاسرائيلي سيردع كل من يتطلع الي تدمير دولة اسرائيل.وهنا جاء البروفيسور برنارد لويس، من كبار المستشرقين في العالم، ومن الذين لا يعتقدون بصحة تلك المرحلة وباحث متخصص في الشرق الاوسط، حيث يقول بأن ما كان صحيحا في مرحلة الحرب الباردة، هكذا يحدد لويس، لا ينطبق علي ايران، يوجد فرق متطرف بين ايران والحكومات الاخري التي تمتلك اسلحة نووية ، هكذا كتب لويس في صحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 8/8. الفرق هو في وجهة النظر والاعتقاد للزعماء الحاليين الموجودين في ايران، التي تظهر بوضوح في خطاباتهم، وفي المقالات، بل ايضا في الكتب الدراسية، والتي تتبلور منها سياسة محمود أحمدي نجاد. الكتب الدراسية في ايران التي تفرض علي مواطني الدولة الشبان الاستعداد للصراع العالمي النهائي ضد العدو الظالم، الولايات المتحدة، واعداد أنفسهم من اجل الفوز بالموت المقدس .استنتاجه هو أنه اذا كان في أيدي ايران سلاح نووي، فان زعماء هذه الدولة لن يجلبوا علي أنفسهم الخراب، لذلك فان قسطهم كزعماء للدولة النووية سيُخيف الدول الاخري بالتأكيد. ولكن هناك خوف كبير، هكذا يكتب، أنه بعد تزودهم بالقنابل النووية، أن يقوموا باطلاقها تجاه اسرائيل. هجوم مباشر علي الولايات المتحدة ، هكذا يحدد لويس، هو أقل احتمالا في المستقبل القريب. واسرائيل هي الهدف الأسهل والأيسر لايران، ونجاد سبق وأن أثبت ذلك بتفكيره وبتصريحاته المشابهة .يتعامل لويس مع ادعاءين منفصلين آخرين يقودهما اشخاص آخرون ممن يؤكدون امكانية الردع الموجودة والتي يمكن أن تُستخدم بواسطة القوة الايرانية الذرية. الاول هو حقيقة أن هجوما يمكن بواسطته محو دولة اسرائيل عن الخارطة سوف يؤدي تلقائيا الي دمار الفلسطينيين، والثاني هو الخوف من أن هجوما ذريا علي اسرائيل سيؤدي الي ردود جدية وفاعلة من قبل اسرائيل، وهذا ما يمكن أن يؤدي الي اتخاذ الكثير من الخطوات الأولية لدي اسرائيل لأن تقوم هي بانزال الضربة القاتلة الاولي.أما بالنسبة لامكانية تحقيق الدمار لاسرائيل، فسوف يؤدي الي موت ملايين الفلسطينيين، هكذا يقول لويس، علي سبيل المثال فان انفجار السفارات الامريكية في كينيا وتنزانيا علي أيدي عناصر القاعدة عام 1998، تلك العمليات التي أدت الي موت الكثير من الدبلوماسيين الامريكيين ومئات القتلي المسلمين هناك، ويكتب ايضا: دائما يكون واضحا أنه للارهابيين العاملين باسم الاسلام لم تكن أمامهم أي عقبات، بل ايضا وعلي ضوء الاحتمالات بامكانية قتل أعداد كبيرة من الإخوة المسلمين، التي تعني أن إن الله يعرف ما له ، تستخدم هناك بطريقة لتوضيح الامتناع والتوقف في هذه الحالة، وتفسير ذلك أنه في الوقت الذي يكون فيه الكفار، غير المسلمين، في طريقهم الي جهنم، فان المسلمين يكونون هم في طريقهم الي جنة عدن. وحسب وجهة نظرهم فان الارهابيين يقومون فعليا بخدمة هؤلاء الضحايا المسلمين .الردع الكامن في العنصر الثاني هذا ـ الخوف من رد اسرائيلي مُدمر ـ ضعف بشكل كبير بسبب التعقيدات التي خلفها الوضع الحالي في أقسام كثيرة من العالم الاسلامي ، وهذا التعقيد أصبح مهما للغاية في هذه الايام، كما يكتب لويس، بسبب الرؤية الشمولية للقادة الايرانيين، فلدي المسلمين الشيعة الحديث يدور عن رؤيتهم لظهور الأئمة المختفين، والذين لدي ظهورهم، الذي ينتظرونه يوميا، فان العودة ستكون للانتصار النهائي لقوي الخير علي الشر. أحمدي نجاد ومؤيدوه، هكذا يكتب لويس، يؤمنون بالتأكيد بأن الوقت لهذا الصراع الشمولي قد حان وقته، وأن الوقت قد بدأ وأصبح في مراحله المتقدمة. في هذا السياق ، يقول لويس، الردع الكامن في هذه الفكرة، التي عملت بشكل أساسي في هذه الايام تعني، أنه في نهاية هذه الايام سيكون بالتأكيد عملية دمار كاملة. والشيء الذي يُغير في وجهة الهدف النهائي هو الذي يعني كيفية مسار الموتي، فالكفار الي جهنم والمسلمون المؤمنون الي الجنة. الي هنا كانت هذه النظرية الشمولية التي يتحدث عنها لويس، والمخيفة، ولكن ليس باعتراف كبير، مثل هذا التصور لدي لويس الذي يرتكز علي الأبعاد المنطوية علي الحوادث الشخصية لبعض المنتحرين ولو كانت علي صعيد قومي، إلا انها تختفي من التجربة التاريخية ولا تجد مكانا لها لدي الزعامة الايرانية في الصورة الاجمالية السابقة.حتي ما قبل بضع سنوات قوبلت نظريات لويس علي أنها ممكنة وصحيحة، وأنها قاعدة يمكن الاعتماد عليها لبلورة السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. إلا أنه، وبعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، والتي في أعقابها تخلي عن الحذر الاكاديمي ، كما يقول منتقدوه، فان وجهات نظره في الخلاف الحاد تسود بين المستشرقين. لويس كان من الأوائل الذين ضغطوا علي الادارة الامريكية للخروج في مواجهة مسلحة ضد صدام حسين في أعقاب تدمير البرجين التوأمين، ولويس كان يشكل ثقلا كبيرا في القرار السابق وللحرب سنة 2003، وأن نظريته اعتبرت من الاسباب التي دفعت الي اقامة نظام ديمقراطي فيما بعد في العراق.ودون الدخول الي جدل بين لويس ومنتقديه، فمن الواضح أن وجهة نظره والتطورات التي تشهدها هذه المنطقة تواجه صعوبات كبيرة في الأفكار والدراسات الحالية، وعلي ارضية كهذه يجب فحص النظريات الشمولية لدي الايرانيين. لويس يقطع بأنه باسم الارهابيين المسلمين كان يمكن القيام بعمليات لضرب أهداف غربية من خلال المعرفة بأنهم سيقتلون أعدادا كثيرة من المسلمين، والقادة الايرانيون هنا لن يترددوا بضرب اسرائيل حتي لو أدي ذلك الي مقتل ملايين المسلمين، وهذا معني ينطبق علي التفكير الفردي وكذلك القومي، الذي لا يلقي الكثير من التأييد، ولا يثير الكثير من الضغط حول قرارات القيادة الوطنية هناك.تجربة الماضي تُعلمنا بأن القيادة الايرانية المتطرفة، بزعامة المتطرفين وعلي رأسهم أتباع الخميني، تصرفت بواقعية واضحة في اللحظات الحقيقية أثناء الازمات. هكذا وجدنا ذلك خلال الحرب الايرانية العراقية، حيث أعلن الخميني بأنه لن يوقع أبدا علي اتفاقية وقف اطلاق النار مع العراق، إلا اذا استسلمت الأخيرة، إلا أنه، وبعد عشرات الصواريخ العراقية التي أصابت طهران وآلاف المواطنين الايرانيين القتلي والمصابين، غير الخميني موقفه ووقع علي اتفاقية وقف اطلاق النار مع صدام حسين، ففي حادثة كهذه كانت الصواريخ التقليدية هي التي حددت مسار الحرب، وهي التي حاليا، تهدد اسرائيل مع أن الخوف الأكبر هو أن تتحول الي صواريخ تحمل رؤوسا نووية. لا يوجد أي معطيات لمصلحة قومية ايرانية تؤكد أن دماراً كاملاً يحل بايران، يمكن أن يكون مبررا لضرب اسرائيل، هكذا يدعي لويس، لأن تصديق حقيقة تدمير ايران يمكن أن ترتكز عليها رؤيا جديدة وشاملة للعالم مع أن الموضوع قد اختلف من ناحية وجهة النظر الايرانية، وعلي الرغم من كونهم مسلمين، فانهم لا يختلفون أساسا عن البنية المعروفة للانسان في هذا العالم.الردع المتبادل سيكون مرتكزا علي عموميات اللعبة الجديدة، التي بها تحدد الخطوط الحمراء التي تضعها اسرائيل أمام ايران. وعلي سبيل المثال، سيكون من الواضح لايران أنه في اللحظة التي يسقط فيها صاروخ موجه منطلق من ايران، فان اسرائيل ستفعل بشكل فوري ما في استطاعتها ودون انتظار حتي لسقوط الصاروخ ومعرفة ما اذا كان تقليديا أم نوويا، وبالاضافة لذلك، سيكون واضحا لايران أنه في حادثة تصاب فيها اسرائيل فانها، أي الأخيرة، ستطلق صواريخها دون أن تنتظر للاستيضاح ما هي طبيعة رأس هذا الصاروخ، والآن يبقي في أيدي اسرائيل ما يكفي من الصواريخ الذرية التي يمكنها أن تُدمر ايران بكاملها.رؤوبين بدهتسوركاتب دائم في الصحيفة(هآرتس) ـ 7/9/2006