هل من مصلحة تركيا التحول إلي حائط عربي لصد الخطر الإيراني؟

حجم الخط
0

هل من مصلحة تركيا التحول إلي حائط عربي لصد الخطر الإيراني؟

عبد السلام بنعيسيهل من مصلحة تركيا التحول إلي حائط عربي لصد الخطر الإيراني؟ أصبحت تركيا في هذه الأيام محط مغازلة مثيرة من طرف النظام الرسمي العربي. إعلام هذا النظام يبشرنا بأن مراهنة الأنظمة العربية كبيرة علي تركيا، لكي تتصدي لإيران، وتمنعها من فرض هيمنتها علي المنطقة العربية. الإعلام الرسمي العربي يتحدث عن خطر إيراني يكبر ويتدحرج، ليتحول إلي تيار جارف للأنظمة العربية التي تجاوره، وأن الجهة الوحيدة المؤهلة لصد هذا الخطر ومنعه هي تركيا.من الصعب تصور أن هذا الهلع الذي يشعر به النظام العربي الرسمي من إيران، هلع طبيعي وصادر بشكل تلقائي من نفوس الذين يعلنون عنه. يبدو أنه خوف مصطنع وموحي به من طرف أمريكا وإسرائيل. الاحتمال الراجح، هو أن النظام الرسمي العربي يفتعل هذا الشعور بالخوف من إيران، أو علي وجه التدقيق، يتجاوب مع الدعوة الأمريكية للتظاهر بحمل هذا الإحساس.إذا كان خوف الحكومات العربية قد بدأ يتضخم من إيران بسبب تمددها في العراق، عقب غزوه من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو، من الذي تآمر علي العراق، وفرض الحصار عليه، وساهم في غزوه واحتلاله، وبارك هذا الغزو والاحتلال، بالاعتراف بالمشاريع التي وضعها الأمريكان في العراق، علي الأقل، منذ سنة 2003 إلي اليوم؟ أليس النظام الرسمي العربي؟ ثم من الذي يحاصر حاليا المقاومة العراقية، ويصفها بالإرهاب، ويضيق عليها، ويحول دونها وطرد المحتلين من أراضيها، أليست الحكومات العربية؟إننا أمام مفارقة مذهلة، فالنظام الرسمي العربي الذي تآمر علي العراق وساهم في تدميره، يتباكي لأن العراق سقط كثمرة طازجة في أفواه الإيرانيين. إننا إزاء نفاق مفضوح، إذ كيف يتأتي للحكومات العربية أن تقبل باحتلال العراق من طرف أمريكا، وتبارك هذا الاحتلال وتتعامل معه، وفي نفس الوقت تذرف دموع التماسيح عن العراق لأنه سقط، من وجهة نظرها، في براثين (الوحش) الإيراني؟ هل افتراس اللحم العراقي حلال علي الأمريكيين، وحرام فقط علي الإيرانيين؟بطبيعة الحال، هذا المنطق لا يمكن لأي كان القبول به، فالسكوت عن الاحتلال الأمريكي للعراق والقبول به، والتواطؤ لوقوعه، يُلغي أي مصداقية عن خطاب الذين يشيرون بالاصبع إلي التدخل الإيراني في الشأن العراقي. الأدهي والأمر هو أن أصحاب هذا الخطاب، لا ينطقون بأي كلمة بخصوص حضور المخابرات الإسرائيلية في العراق، وقيامها بأعمال قذرة، من قبيل قتل العلماء والطيارين وخيرة الأطر العراقية.إذا كان السبب السالف للشعور بالخوف من إيران غير مقنع، فماذا عن الملف النووي الإيراني الذي تريد بعض الحكومات العربية التحجج به لإثارة فزع شعوبها من الدولة الإيرانية؟ الملفت في هذا الموضوع أيضا هو ازدواجية المعايير لدي الأنظمة العربية، ففي حين نجدها تغض الطرف عن الملف النووي الإسرائيلي، حيث لدي العدو الصهيوني أكثر من 200 قنبلة نووية، وهو عدو في حالة حرب مع الدول العربية، مقابل ذلك، تتصنع الحكومات العربية الخوف من الترسانة النووية الإيرانية التي لم تر النور بعد. وهكذا، فإن النظام العربي الرسمي لا يواجه بشكل جدي، خطرا حقيقيا ماثلا أمامه، متجسدا في الدولة العبرية التي تحتل أجزاء من أراضيه، وتسيطر علي الشعب الفلسطيني، وتمنعه من ممارسة حقه في السيادة والاستقلال، ولا تُخفي نزعتها الهيمنية علي المنطقة، يتحاشي النظام الرسمي العربي هذه الدولة، ويصف من يقاومونها بالمغامرين، في حين أنه لا يتورع عن السعي لإثارة الهلع لدي شعوبه من خطر مفترض يسمي القنبلة النووية الإيرانية.إذا كان أصحاب هذا الخطاب عاجزين عن أن يقنعوا به حتي الشعوب التي يحكمونها، رغم أنهم يمارسون عليها الحملات الإعلامية التضليلية الهادفة إلي غسل الأدمغة، فكيف سيقنعون به باقي حكام الدول المجاورة، والمقصود هنا تركيا؟ مهما كان حجم المغريات التي ستقدمها الحكومات العربية لأنقرة لحثها علي الدخول في صراع مع طهران، فإنها لن تنجر إلي هذا المربع، فأمام تركيا التجربة العراقية، إنها خير تجسيد لما آلت إليه أوضاع بلد حارب لما يربو عن الثماني سنوات، نيابة عن باقي الدول العربية المجاورة لإيران، وكانت النتيجة أن جميع تلك الدول تخلت عنه، وتركته وحيدا لمصيره أمام مخلفات حرب طويلة وضروس، بل إن هذه الدول تصالحت في وقت تحرير الكويت، أو تدمير العراق، مع إيران علي حسابه، وإمعانا في التشفي فيه، ولعزله وفرض الحصار عليه، إعدادا للعدة من أجل الإجهاز عليه لاحقا.فهذا جزء من تاريخ المنطقة، ولا يمكن لتركيا أن تعيد إنتاج نفس الوقائع المأساوية من تاريخ المنطقة، إنها دولة يحكمها العقلاء، ولذلك فإنها تستفيد من الوقائع التاريخية التي عاشها الآخرون، خصوصا إذا كان الآخرون جيرانها، وإذا كانت مفاعيل تلك الوقائع ما زالت سارية بآثارها المدمرة والقاسية إلي يومنا هذا، وينظر إليها الأتراك، فتطالعهم المآسي والآلام والكوارث الناجمة عنها والتي لم يكن أحد يتوقعها.ليس من مصلحة تركيا التحول إلي حائط صد للخطر الإيراني علي الدول العربية، إذا افترضنا وجود هذا الخطر، إذ إن لتركيا مشاكلها وتطلعاتها الخاصة بها، ولديها مصالح مشتركة مع إيران، وإذا ما احترمت طهران مصالح أنقرة، فإن العلاقات بينهما ستظل علي أحسن الأحوال. ثم إذا كانت الدول العربية خائفة ومرعوبة من إيران، وتريد الاحتماء خلف تركيا درءا للخطر (الفارسي)، فلماذا لا تتفاهم الدولتان معا علي اقتسام الكعكة العربية فيما بينهما، وبما يرضيهما معا علي حساب الدول العربية المجاورة لهما؟ لماذا ستتصارعان وأمامهما إمكانية للتفاهم لاقتسام الغنيمة بما لا يلحق الضرر بأي منهما؟يقول محمد حسنين هيكل: هناك أشياء لا يقدمها الصديق لصديقه. الأمن العربي الحقيقي والاستراتيجي لا يمكن أن يوفره للعرب غير العرب. أمريكا توجد في المنطقة للدفاع عن مصالحها. والحرب التي شنتها إسرائيل علي لبنان خير دليل علي ذلك. فرغم أن الحكومة اللبنانية الحالية تعتبر نفسها صديقة لواشنطن، فإن أمريكا تخلت عنها، بل حرضت عليها إسرائيل لحسابات أمريكية خاصة. فكيف لا نستفيد من هذا الحدث، وكيف يجوز إذن للعرب أن يثقوا في تركيا لكي توفر لهم الأمن والحماية من إيران؟ أما لماذا لا يتجاوز النظام الرسمي العربي خلافاته، ويحقق حدا أدني من التضامن يجعله قادرا علي توظيف خيراته وإمكانياته للدفاع عن مصالحه في وجه المخاطر المحدقة به، مهما كان مصدرها، كما تفعل إيران، وتركيا وإسرائيل، ولماذا أمنُ العرب مرهون بأيدي الآخرين؟ فهذا سؤال يتم تفادي طرحه، لأن في طرحه اتهاما للحكومات العربية بالعجز، والفشل، وتغييب إرادة الشعوب العربية، وإقرارا باستئثار أقلية محدودة جدا من أبناء الذوات في الوطن العربي، بالسلطة لممارسة الاستبداد، وبالثروة لتبديدها خارج الأوطان، وفي دهاليز الفساد.صحافي من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية