المرحلة الرابعة من الحرب الامريكية ـ الفرنسية علي لبنان

حجم الخط
0

المرحلة الرابعة من الحرب الامريكية ـ الفرنسية علي لبنان

احمد السلطانالمرحلة الرابعة من الحرب الامريكية ـ الفرنسية علي لبنان قد يستغرب القاريء هذا العنوان، ولعله يعتقد بأن خطأ مطبعياً وقع فحلت كلمة الفرنسية مكان كلمة الاسرائيلية . غير ان العبارة مقصودة بحذافيرها، وهــــي تعــــكس الواقــع من دون مـــواربة او دجــــل دبلوماسي.بدأت الحرب الامريكية ـ الفرنسية علي لبنان، والتي كانت اسرائيل اداتها العملية في المرحلة الثانية التي وضعـــت اوزارها مؤقتا بموجب القرار 1701، عنـــدما عملت الحــــكومة الفرنسية بالتعاون مع عدد من الحياة السياسية اللبـــنانية قبيل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفــيق الحريري وبعده.تلك المرحلة الاولي شهدت، اضافة الي القرار 1559 واغتيال الحريري، تعاونا امريكيا فرنسيا وثيقــــا لاحداث انقلاب سياسي شامل في لبنان عنوانه الاساسي الابتعاد عن سورية والانخراط في مشروع آخر مختلف تماما عما عرفته الساحة اللبنانية منذ اتفاق الطائف.سعت باريس وواشنطن الي اللعب علي التناقضات المذهبية من اجل تشكيل جبهة مارونية ـ سنية ـ درزية قادرة علي عزل الطائفة الشيعية بوصفها الحاضن الاساسي للمقاومة الاسلامية في لبنان.وعلي مدي حوالي السنتين لم يستطع المندوب السامي الفرنسي وزميله المندوب السامي الامريكي (المندوب السامي البريطاني موضوع في الجعبة الامريكية اصلا) تحقيق الاصطفاف المنشود لان قوي مهمة في الطوائف الثلاث المعنية رفضت بحزم المشاركة في الحرب الامريكية ـ الفرنسية علي المقاومة .ازاء هذا الفشل، كان لا بد من الانتقال الي المرحلة الثانية التي اندلعت في الثاني عشر من تموز (يوليو) الماضي في اعقاب نجاح مجاهدي حزب الله في قتل عدد من الجنود الاسرائيليين واسر اثنين اخرين بهدف المبادلة واطلاق سراح الاسري اللبنانيين في السجون الاسرائيلية. ونحن نعلم اليوم ان الرد الاسرائيلي الوحشي لم يكن وليد تلك الحادثة المحدودة، وانما هــــو مخطـــط مرســــوم ومعد سلفا كشف بعض تفاصيله الصحافي الامريكي سيمور هيرش قـــبل ايام مؤكـــدا ان وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد هــــو الذي اعطي الضوء الاخضر لجنــــرالات اسرائيل كي يحققوا بالقوة العســـكرية ما فشل حلفاء امريكا وفرنسا اللبــــنانيون فـــي تحقيقه بموجب القرار 1559 الفرنسي الهوي! وفي هذا الاطار نفهم حماسة كـــل من واشنـــطن وباريس لاستـــصدار موقف موحد من مجموعة الدول الثماني في قمة بطرسبيرغ يدعم حق اسرائيل في الرد والدفاع عن نفسها .حسابات فرنسا والولايات المتحدة، وكذلك حسابات عدد من الدول العربية، كانت تقوم علي اساس ان الجيش الاسرائيلي سيلحق الهزيمة الماحقة بالمقاومة اللبنانية ويدمر بناها التحتية ما يؤدي الي انفكاك التأييد الشعبي من حولها، فيتحقق للقوي اللبنانية المعروفة باسم (14 آذار) الانتصار الذي عجزت عنه منذ صدور القرار 1559. لكن صمود حزب الله والالتفاف اللبناني والعربي والاسلامي حوله وكذلك فشل الجيش الاسرائيلي في تحقيق اي انجاز استراتيجي اللهم الا في التدمير العشوائي للبني التحتية في لبنـــان وارتكاب المجازر المتنقلة من جنوب لبنان الي شماله، ومن ضاحية بيروت الجنوبية الي سهل البقاع شرقاً، كل ذلك دفع فرنسا مرة اخري الي البحث عن صيغة مشـــروع يعطي اسرائيل نصراً سياسياً عجزت عنه في ميدان القتال الفعلي.هنا بدأت المرحلة الثالثة متزامنة مع استمرار العمليات التدميرية الاسرائيلية، وكان تبادل الادوار بين باريس وواشنطن واضحا من حيث ان فرنسا تتصرف وكأنها تعبر عن المصالح اللبنانية في حين ان الولايات المتحدة ـ كالعادة ـ تأخذ جانب اسرائيل. والحقيقة ان المماطلة في المفاوضات حول مشروع القرار كانت تهدف الي اتاحة مزيد من الوقت لالة الموت الاسرائيلية لعل وعسي تنهار الجبهة اللبنانية الداخلية بانهيار المقاومة في الجنوب. وقد استغرب كثير من المراقبين كيف ان وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست ـ بلازي، الذي زار بيروت مرات عدة وعقد لقاءات مكثفة مع المسؤولين اللبنانيين وأيد علنا النقاط السبع التي تبناها رئيس الوزراء فؤاد السنيورة باجماع حكومي، قدم مشروعا مشتركا مع امريكا لم يتضمن ايا من هذه النقاط السبع.. بل هو مشـــروع قرار وصفه احد الخبراء القانونيين بأنه يعطي اسرائيل اكثر بكثير مما يطالب به الاسرائـــيليون انفـــسهم.لكن اللبنانيين رفضوا مسودة هذا المشروع بعد ان عزز صمود المقاومة قدرتهم علي المناورة السياسية، تدعمهم في ذلك الدول العربية التي احست ان الاحداث تجاوزتها فحاولت ان تجد لها مكانا منزويا علي طاولة المفاوضات. صحيح ان القرار 1701 كان منحازاً بالكامل لاسرائيل، وانه لم يتضمن سوي تغييرات تجميلية علي المشروع الفرنسي ـ الامريكي الذي رفضه لبنان والدول العربية، لكن الصحيح اكثر ان ثمة فارقا كبيرا بين قرار يصدر في مجلس الامن وبين واقع علي الارض سطره رجال المقاومة في وجه اعتي هجمة اسرائيلية شهدها لبنان في العقود القليلة الماضية.باريس وواشنطن تدركان ان المكاسب التي اعطاها القرار 1701 لاسرائيل لا تحجب الخسائر التي منيت بها الدولة العبرية ومن خلفها المشروع الامريكي ـ الفرنسي ليس علي صعيد لبنان فحسب وانما علي مستوي منطقة الشرق الاوسط برمتها. ولذلك ما ان تراجعت اصوات المدافع، حتي بادر المندوب السامي الفرنسي و المندوب السامي الامريكي في بيروت الي وضع خطط المرحلة الرابعة من الحرب علي لبنان، وذلك اعتمادا علي بعض الاطراف اللبنانية الممثلة في تجمع 14 آذار بهدف زعزعة الالتفاف الوطني حول المقاومة وفي الوقت نفسه تشويه النصر الذي تحقق بعد ان فشلت اسرائيل في انجاز اي من غاياتها الاستراتيجية. والتحرك الفرنسي ـ الامريكي لا يأخذ في الاعتبار حساسية الوضع الداخلي اللبناني في هذه الظروف الحرجة بالذات، بل كل ما يهم واشنطن وباريس هو اعادة رسم خريطة المنطقة بحيث تظل اســــرائيل القــــوة الاقليمية المهيمنة حتي لو ادي ذلك الي حروب اهلية كارثية علي غــــرار ما هو واقع في العراق اليوم.والمظهر الاوضح للحرب الفرنسية علي لبنان الان هو اصرار حكومة شيراك علي نشر القوات الدولية علي طول الحدود السورية ـ اللبنانية ما يعني عمليا خنق قوي المقاومة والممانعة في لبنان، بما في ذلك المنظمات الفلسطينية المحاصرة في مخيمات اللاجئين، وافساح المجال واسعا امام طرفي المعادلة الموالية للمشروع الامريكي ـ الفرنسي: قوي 14 آذار من جهة والاحتلال الاسرائيلي من جهة اخري! وليس حصار اسرائيل المستمر للبنان جواً وبحراً الا الوجه الثاني من فكرة الحصار البري الذي ترغب الحكومة الفرنسية في استكماله حول لبنان.كاتب من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية