ابراهيم عقرباوي: افدت من كتاب آخرين افاضوا علي بياض ورقي من شذي أرواحهم وسحر ابداعهم
أصدر روايته الأولي نهارات شائكة في بيروتابراهيم عقرباوي: افدت من كتاب آخرين افاضوا علي بياض ورقي من شذي أرواحهم وسحر ابداعهمعمان ـ القدس العربي : يعد القاص والروائي الأردني ابراهيم عقرباوي واحدا من أصحاب التجارب الابداعية الجديدة التي تبحث عن صيغ مغايرة لما هو سائد، والتي لا تركن الي شكل أدبي محدد، فمن الواضح مدي ذلك القلق الابداعي والحياتي الذي يفيض في نصوصه ويساهم في تشكيلها، ومؤخرا أصدر روايته الأولي نهارات شائكة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، ومن الملاحظ فيها ذلك الجهد في البنية والخطاب، اذ تبدو الصياغة السردية لها ناضجة ومتميزة، كما تعكس في خطابها الحالة المشظاة للانسان العربي واغترابه في وطنه. يقول الروائي العراقي عبدالستار ناصر عنها هذه الرواية، كما هو عنوانها تربك القاريء، لكنها في الوقت نفسه ترغمه علي التفكير بأقدارنا ومصائرنا المغلقة بفراسخ من سواد مبهم، هو السواد نفسه الذي نحن فيه، لغتها مسبوكة من عبق التاريخ، تأخذ المفردات فيها دور البطولة، حريص هو المؤلف علي مستوي السرد وفي ذاكرته، وربما أمام عينيه، ما كان يقرأه في الكتب المقدسة وفي معاجم المأثورات التي عاشت معنا منذ الطفولة والصبا … . والعقرباوي من مواليد عمان 1970، ونال بكالوريوس في الحقوق من جامعة اليرموك، وقد نشر له العديد من القصص والنصوص والقراءات في الصحف والمجلات المحلية والعربية، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب والأدباء العرب، وقد أصدر من قبل: مرثية السنديان ـ قصص 1997، نافذة علي الفراغ ـ قصص 1999، سيرة الصباح ـ قصص ـ 2002، أحوال القلب ـ نصوص 2003. هنا حوار حول روايته الجديدة وملامح من تجربته القصصية: لنبدأ من انتقالك من القصة والنصوص السردية المفتوحة الي كتابة الرواية، هل هو انتقال معقد فرضته ظروفك الابداعية أم هي هجرة دائمة وكأن القصة تمرين لكتابة الرواية؟ منذ يفاعتي وأنا مفتون بجمال وبهاء اللغة العربية، وكلما تقدم بي العمر ازددت شغفاً بها ولعل علاقة الغرام هذه هي الدافع والمحرض لسبر أغوارها واكتشاف درر ولآلئ بحرها الزاخر بشتي الكنوز فخرجت عن صمتي الممتد زمنا بعدما زودتني اللغة بذخيرة محبتها وطاقة ألقها، فصرت أحبر الاوراق تلو الاوراق، متلذذا بما أكتب ومستعذبا وقع المفردات علي صفحة قلبي لذا انتقلت من محطة الشعر غير غاضب لعدم نضوج أبياته في تنور روحي فرحت الي القصة التي نجحت في رسم معالمها فأحببتها، لكن قلبي مال بي الي حدود النثر فدخلت رقعة النصوص المفتوحة حيث التنويعات السردية المتوزعة بين الشعر والحكاية والنصوص الوجدانية. الا ان ازدحام المخيلة وتصارع الواقع مع الأحلام وتكاثر الهزائم والخيبات والاكتواء بنار التجارب ولد رغبة جوانية جارفة في كتابة عمل ابداعي مغاير لما سبق، فكان ان عكفت علي كتابة الرواية في ظلال ملتبسة ورؤية صافية. ان هذا الانتقال هو بدافع محبتي للعربية وشغفي اللامتناهي بها بصورة أساسية أما القصة القصيرة وان كانت تشترك مع الرواية في بعض سماتها الا أنني اعتبرها مرحلة سابقة علي الرواية وخطوة باتجاهها، وهناك بالطبع من يخالفني في هذا الا انني أري أن الرواية هي اختبار حقيقي لقدرات الكاتب من حيث امتلاكه لناصية اللغة واحاطته بأدوات السرد المحكم، وكذلك تفعيل المخيلة وتوظيف تقنيات السرد التي باتت مطروقة وهذا ما لا يتوفر معظمه في القصة القائمة علي التكثيف والاختزال في اللغة والحدث. بالمناسبة لو أردت ان تقدم بشكل مكثف لما أنجزته في مجال القصة من اختلاف أو تماه مع التجارب السابقة لغيرك من الكتاب فماذا تقول؟ لكل نص أدبي بصمته الخاصة به، وليس ثمة كاتب يشبه الآخر فيما يكتب. ربما نشهد حالة تقليد أو تأثر علي الساحة الأدبية لكن ليس بالضرورة ان تتجلي أمامنا نسخة طبق الأصل، اذ ان لكل فرد رؤيته ومفرداته وبيئته الثقافية التي تنعكس علي ما يكتب. و أزعم أني تأثرت بشكل أو بآخر بما قرأت لكتاب قدماء ومحدثين لكنني اجزم ان نصي الأدبي كان مختلفا عن الآخر، وتكاد تلمس مغايرته لما هو ماثل وقائم علي الساحة الثقافية، وكوني أفدت من أساليب وتقنيات كتاب القصة في الآداب العالمية والعربية والمحلية فهذا لا يعني البتة الوقوع في أسر التقليد والمحاكاة، فقد كتبت بجملتي السردية الخاصة بي وتجربتي الذاتية ورؤيتي الحميمة ،وهذا يتجلي فيما كتبت من قصة رمزية وتاريخية وواقعية وعجائبية. لك نصوص مشتركة مع القاص جمال القيسي اضافة الي أنك أهديته روايتك الاولي فما هي القواسم الابداعية والحياتية بينكما والتي جمعتكما منذ فترة طويلة؟ جمال القيسي الانسان والمبدع هو صديقي ونصفي الآخر، ضمنا الصف الأول الابتدائي ،وعارفت بيننا الأحلام، وجمعنا حي واحد، ولم تفرقنا الحياة. الي طيبته أنتمي، والي رهافته ونبله ارنو، وفي واحة سكينته أسكن ولا أرتحل وان نزلت النوازل أو حلت الخطوب. تقاسمنا ما قل من أفراح وما كثر من هموم، ولم نختلف علي رغيف أو جرعة ماء. ما خصنا به القدر هو الحس الانساني الشفيف، والتقينا علي فكرة ما اختلفنا حولها بتعاقب الايام، وسوية درسنا (الحقوق) ومعا كنا (محاميين) في أروقة قصور العدل الذي جهدنا في البحث عنه في متاهات الحياة. ساقنا القلم الي جمال وجلال بياض الورق فضمتنا رابطة الكتاب الأردنيين حينما تأبطنا كتبا صنعتها أحلامنا في ليل الأمل. تعارفنا فائتلفنا وكأننا (روحان حللنا بدنا). جمال القيسي هو الأخ والرفيق الرفيق والصديق الصدوق، والانسان اللصيق بي حد أنفاسي و لا غرو في ذلك لأنه ببساطة هو من خبرته فألفيته مرارا وتكرارا دامع القلب علي بؤس الانسانية وضياعها. في روايتك نهارات شائكة كما في قصصك القصيرة ذلك النفس الرومانسي الحالم والتداعيات النفسية للشخصيات المشظاة والمعذبة بالعواطف والأحلام المقتولة، الي أي مدي كنت مخلصا لتصورك الشخصي بعيدا عن المخيال الروائي؟ مهما حاول بعض كتاب القصة أو الرواية نفي ذواتهم واقصاءها عن النص الأدبي فهي لا بد ظاهرة بصورة أو بأخري فيما يكتبون وذلك مرده الي ان ما يصدر عن أحدهم انما هو نتاج خبرته الذاتية وثقافته المستمدة من بيئة متعينة لذا فهو يحمل شخصياته اراءه وأفكاره ورؤاه، وعليه فانني لا أنفي تأثيري الواضح علي بعض الشخوص بقصد التعبير عما يدور في داخلي من وجهات نظر وأحلام وتصورات وهو أمر لا ينكره معظم الروائيين الذين كتبوا بعض أعمالهم بمحض تجربتهم الذاتية في اطار اعادة انتاج الواقع أو مقاربته. الرواية أيضا بدت مخلصة لروح الروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز وأسلوبه السردي، فهل تعتبر أنك استفدت من تجربته لتنجز تجربتك أم أنك نبت بري لا أب له؟ ما من كاتب أو أديب نبت (كالسيف فردا) في أرض قاحلة لا ماء فيها ولا شمس ولا هواء، وما من أحد منهم اشتد قلمه وهو حيران لا هادي له ولا مرشد ولا دليل، والشواهد أعظم من ان تحصي. وما أنا بمنأي عن التأثر العام للاحق بالسابق، فمؤنس الرزاز بما عرف عنه من صدق وجرأة أدبية رفيعة أبدي في أكثر من مناسبة تأثره بتيسير سبول في روايته (أنت منذ اليوم) وكذلك تأثره البالغ بجيمس جويس خاصة رواية (عوليس) وفوكنر وفرجينيا وولف وغيرهم، والمسألة برمتها تعد منقبة لا مثلبة بسبب ان حركة الكون بأسره قائمة علي التأثر والتأثير والتفاعل والتنوع، ولا اجدني الا راضيا حين اقف بين يدي روايات الراحل مؤنس الرزاز الاولي منفعلا بها ومتفاعلا معها وهي جديرة بالنظر لما حملته من مستوي متقدم في الشكل والتكنيك ولما انطوت عليه من بنية مطورة للنص الابداعي حتي شكلت علامة فارقة علي طريق الرواية الأردنية. وما أود ايضاحه أيضا انني افدت من كتاب آخرين افاضوا علي بياض ورقي من شذي أرواحهم وسحر ابداعهم. بالمناسبة كيف تعامل النقد مع تجربتك الابداعية لغاية الان أم انك مثل الكثيرين من ابناء جيلك تشكو من غياب النقد أو تجاهله؟ النقد والابداع ركيزتان أساسيتان من ركائز ثقافة الأمة ونهضتها ولا ينبغي ان يكونا علي طرفي نقيض وانما يتوجب ان يسيرا في خطين متوازيين يرفد كل منهما الآخر، وعموما لا بد من الاعتراف بحقيقة وجود قصور للحركة النقدية في متابعة النتاجات المتنوعة للكتاب وهي بمجملها تعد جهودا متواضعة اذا ما قيست بحجم الاصدارات، وبالنسبة لي فان تجربتي حظيت بنقد لا يرقي الي المستوي المنشود وأتمني علي النقاد حين ينبرون لتناول كتاب بالنقد و التحليل ان يأخذوا بمعيار جودة النص وتميزه دون الالتفات الي أية معايير أو اعتبارات اخري. هل يجب ان يكون للأدب غاية أم يعبر عن صاحبه؟ قضية الالتزام في الأدب قضية قديمة جديدة وحولها ثار خلاف وتباينت الآراء و أذهب الي القول بأن العمل ايا كان جنسه يجب ان يكون لغاية وهدف وبغياب الغاية يفقد مبرره لذا اعتقد أن الأدب هو وسيلة من وسائل التوعية والتأثير والتغيير، وبالضرورة لا بد من ان تكون له وظيفة داخل مجتمع يحتاج دائما الي من يقوم مسيرته او يسهم بذلك علي الأقل. 0