اسرائيل فشلت بسبب استراتيجيتها القديمة.. وحرب لبنان الثانية هي فيتنام اسرائيل

حجم الخط
0

اسرائيل فشلت بسبب استراتيجيتها القديمة.. وحرب لبنان الثانية هي فيتنام اسرائيل

اسرائيل فشلت بسبب استراتيجيتها القديمة.. وحرب لبنان الثانية هي فيتنام اسرائيل قائمة الاخفاقات التي تكشفت في حرب لبنان الثانية طويلة حقا، ولكن جوهر الفشل في المعركة يكمن في الانحلال الذي شهدته التصورات الاسرائيلية للقوة العسكرية وكيفية استخدامها. مستوي الانحلال الاول نابع من الاعتقاد الذي ساد خلال العقد الأخير بأن احتمالية اندلاع الحرب مع الدول المحاذية لاسرائيل في الدائرة الاولي، متدنية، وأن التهديد الجوهري يأتي من الدول الواقعة في الدائرة الثانية مثل ايران، ومن الفلسطينيين (الدائرة الداخلية). من هنا تبين أن عمليات التدريب وتخصيص الموارد والاعتمادات قد تركزت علي الدائرتين الداخلية والدائرة الثانية. فِرق أُغلقت وبرامج تسلح أُلغيت وجهاز الاحتياط لم يخضع للتدريب استعدادا لامكانية اندلاع حرب في الدائرة الاولي.مستوي الانحلال الثاني نبع من الاعتقاد بأنه اذا اندلعت الحرب في الدائرة الاولي رغم ذلك، فان اسرائيل ستكون معنية بابقاء الوضع القائم وعدم التسبب في تغيير. لذلك ادُعي أنه يكفينا كبح العدو بواسطة نيران دقيقة (قصف مدفعي وجوي)، وأنه لا توجد أهمية للمناطق البرية وللتدريبات الارضية في عمق العدو. تفضيل النار علي حساب المناورة والمناطق البرية يظهر في التقرير الذي قدمته لجنة من قبل وزير الدفاع برئاسة دان مريدور، والتي قامت بدراسة الرؤية الأمنية الاسرائيلية. ولكن الأمن هو مصطلح مأخوذ من عالم القتال، وهو امتداد للسياسة بوسائل اخري واحيانا يهدف الي فرض التغيير أو إملاء النتائج السياسية. منْ يهتم فقط بتدمير دبابات العدو التي تقترب من حدوده، انما يركز علي حماية الدولة وليس علي أمنها. تصور لجنة مريدور يتنازل في الواقع عن أخذ زمام المبادرة لتحقيق أي هدف كان. ولكن هناك شك إن كانت المعركة القائمة علي استخدام النيران ستدفع الخصم الي فقدان توازنه والشعور بالهزيمة، بحيث يطلب وقف اطلاق النار أو الاستسلام.مستوي الانحلال الثالث كان التبني الحماسي جدا لأفكار العمليات الموجهة النتيجة التي يتبناها الجيش الامريكي. هدف هذه الأفكار هو شل الخصم وليس ابادته من خلال ضرب قياداته ووسائل اتصالاته وبعض مواقعه المركزية. ذروة هذه النظرية برزت في ضربة الصدمة الرهيبة التي وجهتها الولايات المتحدة في بداية معركة اجتياح العراق في 2003. ولكن الجيش الامريكي استخدم تلك الأفكار كاعداد للتمرينات البرية في مواجهة الجيش العراقي، وليس كبديل له. أضف علي ذلك أن الامريكيين حتي اعتقدوا أن هناك ثلاثة شروط أساسية لاستخدام هذه الأفكار: الاول، أن العدو مبني كجهاز، والثاني، أن لهذا الجهاز مفترقات حاسمة مثل مراكز اتصال وامدادات، والثالث، أن جهاز العدو ومواقعه المركزية الحاسمة معروفة جيدا للطرف المهاجِم.تلك الأفكار أدت الي وقوع البعض في أوهام امكانية الانتصار في الحرب من خلال استخدام النيران الدقيقة فقط من دون دماء ودموع وعرق. ولكن الحرب جرت، خلافا للتوقعات، في الدائرة الاولي، واسرائيل طلبت بواسطتها إحداث تغيير، وقد جرت ضد قوات عصابات ليست لها منظومة واضحة ومواقع مركزية.في عملية تغيير الاتجاه تحركت اسرائيل من خلال فكرتين أساسيتين. الاولي كانت أنه يتوجب خوض المعركة ضد دولة لبنان حتي تقوم بتفكيك حزب الله من اجل اسرائيل. ولكن اتضح الأمر الذي كان علي اسرائيل أن تعرفه مسبقا أنه حتي لو كانت لدي حكومة لبنان مثل هذه الدافعية، فانها لا تملك القدرة السياسية علي التصادم مع حزب الله، ومع راعيتيه ايران وسورية. لذلك كان من الممكن أن يؤدي الضغط علي حكومة السنيورة الي انفراطها وإلحاق الضرر بمصالح اسرائيل بترسيخ الديمقراطية المؤيدة للغرب في لبنان.كانت لدي السنيورة وغيره من القادة السنة في لبنان دافعية لاضعاف حزب الله من قبل اندلاع الحرب، إثر مقتل رفيق الحريري وانتفاضة الأرز. ولكن هذه الأطراف استنفدت قواها السياسية، بل واضطرت الي التعاون مع حزب الله والحكومة التي شكلتها. من هنا، وبسبب التحفظ من استخدام القوة ضد دولة لبنان من قبل حلفائها والدول العربية المعتدلة، تخلت اسرائيل تدريجيا عن فكرة ضرب لبنان كدولة، وإن لم تصرح بذلك رسميا.الفكرة الحربية الثانية التي تبنتها اسرائيل هي خوض معركة قليلة الاحتكاك، وكثيرة النيران الدقيقة ضد حزب الله، إلا أن حزب الله كان يملك تركيبة مشتتة، وعناصره كانت تتحرك بصورة شبه ذاتية من دون حاجة الي تحريك القوات والإمدادات. قوات حزب الله وإمداداته كانت موزعة علي الارض داخل التجمعات السكانية وفي المخابيء السرية، الأمر الذي أفشل التوجه الاسرائيلي.للوهلة الاولي يبدو أن المعركة التي تؤدي الي شل الخصم كان من المفترض أن تُعفي اسرائيل من الحاجة الي ملاحقة قواعد الصواريخ وابادتها بصورة فردية، ولكن في الواقع أدت منظومة حزب الله المستقلة ذاتيا الي اضطرار اسرائيل للقيام بعملية “الصيد” هذه، ولكن من قبل أن تندلع المعارك كان من المعروف لاسرائيل أن الاستخبارات والنيران الاسرائيلية قد فشلت في صيد صواريخ القسام في شمالي قطاع غزة من قبل، رغم أن المساحة صغيرة نسبيا وسهلة الوصول اليها. اذا كان الأمر كذلك، فليس هناك سبب للافتراض بأن اسرائيل ستحصل علي نتائج أفضل في لبنان باستخدام نفس الوسائل، وبالرغم من توزيع منظومة حزب الله الصاروخية علي مساحة بعمق عشرات الكيلومترات، بما فيها المناطق الجبلية والحرجية والمأهولة بالسكان.المعارك النارية، أي من خلال القصف المدفعي والجوي، فشلت ايضا في ابادة العدو، وفي معادلة الكسب مقابل التكلفة: آلاف الطلعات الجوية، وأكثر من 150 ألف قذيفة أدت فقط الي ابادة عشرات الأهداف القيِّمة وقتل 200 ـ 300 مقاتل من حزب الله (اضافة الي قتلي التنظيم في المعارك البرية). أي أن اغلبية عمليات القصف قد نُفذت هباء.في وقت متأخر جدا من القتال أُدخلت القوات البرية الي لبنان، بعد تردد طويل ومن دون فكرة قتالية واضحة. استخدام القوات البرية كان تسوية بين النهج الذي أيد عدم استخدام القوات العسكرية وبين ذلك النهج الذي ينادي باستخدامها بصورة مكثفة. هذه التسوية السيئة أدت الي سقوط اصابات في صفوفنا ولم تؤدِ الي تحقيق النتائج المرجوة منها والتي وُضعت لعملية لبنان. وبالفعل، القوات التي أُدخلت الي لبنان لم تُستخدم بصورة كان بامكانها أن تؤدي الي إزالة تهديد الصواريخ أو التمخض عن تأثير سياسي جدي. الجيش الاسرائيلي فكر من خلال تحديد أهداف ملائمة لاستخدام النيران فقط، ولم يستخدم قواته البرية بنفس الديناميكيات التي جلبت لها الانتصارات في الماضي: تشخيص نقاط ضعف الخصم، والمباغتة، والخداع، واجراء المناورات في عمق اراضي العدو وإفقاده لتوازنه، واستغلال النجاح ومواصلة الضغوط. صحيح أنه لم يكن من الممكن تطبيق نتائج الحروب ضد الجيوش النظامية علي المعركة ضد تنظيم عصابات، ولكن حتي لتنظيمات العصابات هذه توجد نقاط ضعف.الخبير الاستراتيجي الصيني، سون تاسو، ادعي أن هدف القائد العسكري هو إرغام خصمه علي اتباع طابع الحرب الذي يفرضه عليه، والذي يمتلك فيه تفوقا نسبيا عليه، وأن لا ينجر الي حرب يكون فيها التفوق للخصم. اذا لم يكن هذا الامر قابلا للتطبيق، حسب رأي سون تاسو، فيتوجب الامتناع عن خوض المعركة. اسرائيل لعبت في مصلحة حزب الله، وخاضت ضده معركة كان له تفوق نسبي فيها، ولم يكن بامكانها أن تنتصر فيها منذ البداية.البقاء والانتصار في الحرب القادمة يُلزم اسرائيل باجراء بحث حقيقي للمعركة الأخيرة والعمل فورا علي بناء قوات جيشها واستخدامها ضمن رؤية واضحة. اذا لم يتم تدارس الفشل، والسماح بطمس معالمه مع الوقت، فان اسرائيل ستخسر في الحرب القادمة. وكما قال الجنرال شموئيل غوروديش: علينا أن ننظر في عيون الحقيقة الي أن تُطأطيء رأسها .من المحتمل أن تكون حرب لبنان الثانية هي فيتنام اسرائيل. اسرائيل حاولت مثلما في فيتنام اخضاع تنظيم عصابات بواسطة القصف المدفعي والجوي، من دون مناورات مكثفة، واستخدمت قواتها بصورة تدريجية متدحرجة، بينما انكسرت الرغبة الشعبية في ظل عدد المصابين. كما أن الدولة لم تقاتل بنية وعزيمة صافية، ومن خلال الالتزام بالانتصار. الأنباء السيئة هي أننا فشلنا. أما الأنباء الجيدة فهي أن قواتنا النظامية والاحتياطية هي قوات جيدة وشجاعة، وباسلة. في هذه المرة تم استخدام هذه القوات بصورة غير صحيحة. اسرائيل نهضت علي اصوات صحوة الواقع وحصلت علي فرصة ثانية لتدارس اوضاعها وتحسين قدراتها.رون تيرا(هآرتس) ـ 8/9/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية