القذافي: أسطورة حية في الأوبرا الوطنية الإنكليزية: شخصية درامية يصعب ضبطها في قالب ومكتظة بالانتقالات الحادة

حجم الخط
0

ابراهيم درويش

في المشهد الاخيرة لاوبرا القذافي: اسطورة حية التي بدأت عروضها الخميس الماضي علي مسرح كوليسيوم في لندن، في اول عمل اوبرالي عن زعيم عربي، ينهي الممثل الرئيسي في العمل الاوبرا بكلمات قائلا انه رجل بألف وجه، والطريقة التي سيحكم بها الناس عليه او التاريخ تعتمد علي وجهة النظر والظروف، واضاف الي انه وان كان صنيعة للغرب فان الغرب احتاج الي شخص لكي يقوم بتمثيل دوره. اوبرا القذافي التي نالت اهتماما كبيرا في الاوساط الاعلامية والادبية عمل ملغز مثل الزعيم الليبي، باكثر من وجه، فهو ليس اوبرا وان مثل في الاوبرا الوطنية الانكليزية، وهو ليس مسرحا لان فيه استعراضا، وسينما وتصويرا واعادة تركيب تاريخ. الاوبرا هي نتاج عمل ثلاثة اعوام قامت بها مجموعة موسيقية طليعية هي ايشيان داب فاونديشين، حيث يتساءل مدير المجموعة ستيف تشاندرا سافيل قائلا من هو القذافي؟ هل هو الرجل الذي نصب خيمة امام المفوضية الاوروبية تحرسها نساء جميلات، او هو الرجل الذي كانت تعتبره المخابرات المركزية الامريكية اخطر رجل علي وجه البسيطة ولكنه الان يعتبر رصيدا مهما في الحرب علي الارهاب؟ هل هو الديكتاتور، الذي دعم اعمالا ارهابية كبيرة في السنوات الخمسين الاخيرة؟ هل هو الرجل المبدئي المعادي للاستعمار، الذي يدافع عن المحرومين والمضطهدين في كل انحاء العالم؟ هل هو زعيم غمط حقه يحاول بناء امته واخراجها من ظلام الرجعية لعالم التقدم؟ هل هو شخصية نرجسية تحوم صورته القاسية فوق دولة بوليسية تحرسها فرقة لعبادة الزعيم، أم ان القذافي شخصية هامشية لا تهم العالم لو لم يكن في بلاده النفط؟. في رده علي هذه التساؤلات يقول سافيل القذافي: الاسطورة الحية لا تتظاهر بانها تحاول تقييم تصوير طبيعي للرجل ولا تحاول تقديم عمل حرفي عن حياته او اصيل، بقدر ما تحاول تقديم عمل بصري ـ سمعي يحاول تخيل اسطورة القذافي يقوم بها فريق من الممثلين اللندنيين المتعددي الاعراق ويحاول استكشاف تيمات ـ موضوعات السلطة، الثورة ومصالح النفط.

شخصية الزعيم الليبي تحمل كل ملامح الشخصية الدرامية من ناحية قابليتها للقولبة والمعالجة مسرحيا او سينمائيا وحتي روائيا، وفي الوقت الذي جرب فيه الزعيم الليبي الكتابة الفكرية في عمله الكتاب الاخضر والروائية في اكثر من عمل الا ان الاوبرا التي ليست معروفة في ليبيا او العالم العربي جعلته موضوعها، واللافت للانتباه ان القذافي الذي ولد في الصحراء وظلت صورته كبدوي او مترحل من خلال تفضيله الخيمة علي القصر لم يجرب الشعر وادواته، مع ان الشعر هو الحاسة الطبيعية التي زود بها ابناء الصحراء، مما يعني ان القذافي يظل بطلا حديثا اي قريبا من الحداثة وافكارها عن تغيير المجتمعات.

الاشكالية في شخصية القذافي تبرز من موقفين نقيضين فأمريكا التي اعتبرته عدوها الالد قبل ان يدخل صدام حسين وياسر عرفات وبشار الاسد واحمدي نجاد نادي الاعداء واعتبره رونالد ريغان الكلب المسعور فشخصية تاريخية في افريقيا مثل نلسون مانديلا تري في القذافي واحدة من اعظم الاساطير الثورية في زمننا. هذا التوتر يعطي المخرج والممثلين هامشا جيدا للمعالجة الدرامية، لان شخصية القذافي لا تسير ضمن اطار متناسق، فهي متغيرة من فترة لاخري، وقراءة تاريخية كرونولوجية لحياة القذافي في السلطة تشير الي هذا التغيير، من الثوري المثالي، الي الواقعي السياسي، من الباحث عن الوحدة للداعي للانعزال، من العروبي الي الافريقي… التوتر في شخص القذافي (يلعب دوره هنا الممثل رامون تيكرام) مفيد في المعالجة الدرامية، فالمشهد يفتتح علي رجل متلفع مثل الناسك بشاله الابيض في الصحراء وام تقوم بالسقي من بئر في الصحراء، هنا القذافي اما يستعيد ذكرياته في الصحراء او يقوم بالتفكير والتأمل وكلاهما علامتان هامتان في حياته، ثم بعدها ينفتح المشهد علي تاريخ صوري موسيقي وعرض لتاريخ ليبيا من الاستعمار الايطالي ومقاومة الليبيين واعدام الشيخ المجاهد عمر المختار، ثم انشاء الدولة السنوسية، وبعدها تدخل البلاد مرحلة الارتهان في ايدي القواعد البريطانية والشركات الامريكية التي تحضر من اجل استغلال الماء الاسود الذي اعتقد السكان انه لعنة، هنا يتم تصوير الشركات الامريكية، شل وايكسون وتكساسكو بصورة جشعة. ادريس السنوسي، الملك الذي جاء بعد نهاية الاستعمار الايطالي وقام باداء دوره الممثل الليبي عبدي جهاد، كان عجوزا، لم يكن لديه من يخلفه، وهنا بدت صورته في اطار نمطي عن شخصية غارقة في الفساد، الراقصات والحريم.. تبدو ليبيا في زمن ادريس محكومة من القواعد العسكرية البريطانية وشركات النفط، وهنا في الاول من ايلول (سبتمبر) من عام 1969 تقوم مجموعة بالسيطرة علي البلاد علي خلاف توقعات المخابرات الامريكية والمراسلين الصحافيين وسط شائعات ان الملك ادريس فر من البلاد. في المرحلة الاولي من حياة القذافي في السلطة، هنا القذافي المتماهي مع الناصرية الذي يري في الزعيم المصري عبدالناصر انموذجه ومثاله الجميل، وناصر الخارج مهزوما من حرب عام 1967 لم يفقد منزلته في اذهان الجماهير العربية. لم يكن القذاقي بقادر علي تحقيق حلمه بدون مساعدة مجموعته صلاح البو زيد (الذي قام بدوره ريز احمد) وعبدالسلام جلود (الذي قام بدوره نيكولاس خان) صلاح البو زيد برز بلباسه المدني اما جلود فظل يرتدي البزة العسكرية، وفي الوقت الذي بدا فيه البو زيد مترددا، خائفا، براغماتيا متسائلا وحتي تآمريا الا ان جلود ظل بمثابة الحارس علي الثورة، في النهاية يقتل البوزيد ويبقي جلود. تقدم الاوبرا عرضا لحياة القذافي في السلطة وقبلها وتحولاته من الناصري الوحدوي الي الكافر بالوحدة والمدير ظهره للعروبة، ثم مرحلة اللجان الثورية التي لم تكن في صورها صيغة ديمقراطية بل شمولية كما في الصورة اذ تحولت ربما بفعل رؤسائها الي اداة بيد السلطة، ثم مرحلة دعم الثورة في ليبيا لكل حركات التحرر في العالم، هنا قادة حركات تحرر بعضهم ظهر بصورة رجال المافيا الي جماعات الجيش الايرلندي الحر الذين جاؤوا يعرضون دعمهم وخدمات ويعودون محملين بالشيكات، ينتهي المشهد الاول من هذا العمل بخروج القذافي بعد فترة انقطاع ويعلن الكتاب الاخضرـ الذي حوي نظريته الثالثة لحل مشاكل العالم. في المشهد الثاني يواصل العرض ملاحقة تطور وقلق القذافي ثم المواجهة مع ادارة ريغان وضربها لسرت ومحاولتها لاغتيال القذافي، ريغان شخصية قيامية تري العالم بمنظور الخير والشر، الظلام والنور، ويبدو ريغان مهووسا بالقذافي حيث يتذكره وهو يحلق ذقنه، وقدم مارتن تيرنر شخصية الرئيس الامريكي بشكل جيد، حيث جسد الجانب الاستعراضي فيها. كما تلاحق الاوبرا، مظاهرات المعارضة الليبية ومقتل الشرطية البريطانية ايفون فليتشر، عام 1984، وبعدها العملية الامريكية الدورادو التي قتل فيها 120 مدنيا بمن فيهم ابنة للقذافي بالتبني. ثم انفجار طائرة بانام الامريكية فوق اسكتلندا عام 1988. الاوبرا لا تتحدث عن الحصار الذي فرضته الامم المتحدة علي ليبيا حيث تتسارع وتيرة الاحداث من خلال طي ملفات ليبيا مع الغرب، بمحاكمة ليبيين وموافقة ليبيا علي دفع التعويضات عن لوكربي، واعادة العلاقات مع امريكا والغرب، واخر تمظهر او تحول في حياة القذافي السياسية، التعاون في الحرب علي الارهاب. يقوم مخرج هذه الاوبرا بتحقيق التوازن بين الحقيقة التاريخية والتخيل من خلال التأكيد علي البعد الرمزي في حياة القذافي، الانعزال للتأمل، القلق، التوتر، التصميم خاصة عندما طرح البوزيد افكارا عن تأجيل الانقلاب، فالقذافي قال اما الفاتح من سبتمبر او لا، الصوفية او التأملية، فالقذافي يطارد احلاما ويبحث عن رؤي وافكار جديدة، اي شخصية مشغولة بقضايا وافكار، ولا تجد عزاءها الا في الصحراء وعزلة الخيمة، ولكن الطابع الكاريكاتوري الذي برز في بعض مشاهد العمل لم يكن علي حساب تقديم عرض امين لشخصية الزعيم الليبي، فالغضب والقلق والاحباط احيانا لم يمنع من تقديم جانب انساني للقذافي الاب والحريص علي العائلة وواحد من الشعارات التي اطلقت في داخل هذا العمل كان ان الاسرة هي عماد الامة، فالزعيم الليبي كان يلعب الكرة مع ابنائه ويحرص عليهم.

ولكن الاوبرا او هذا العمل لم يغفل دور الرأسمال والشركات العملاقة التي ظلت تدور وتلعب من خلف الاضواء من اجل العودة لليبيا واعادة اكتشاف نفطها، وكان مشهد توني بلير الذي زار القذافي في خيمته عام 2004 مسرحيا هزليا عندما جاء الزعيم البريطاني الذي ينظر لنفسه كرئيس واعجب بمنظر الحارسات الشخصيات والجميلات للقذافي عندما علق ليس عندنا مثل هذا في 10 دوانينغ ستريت مقر الحكومة ولكن بلير عاد محملا بشيك تعويضات عن مقتل فليتشر.. ديفيد فريمان المخرج الاسترالي وعبر عدد من الاساليب المتعددة نجح في خلق جو اوبرالي استعراضي، والمهم في العمل ليس في حقيقته التاريخية واصالته بقدر ما يتعلق الامر باصالته الفنية وقدرته علي تطويع الشخصية علي المسرح وامتاع الجماهير من خلال اظهار جوانب الشد والجذب، التناقض والتوتر وبالتالي امتاع المشاهدين، وقد قدم المخرج هنا استعراضا صوريا/ بصريا لليبيا، والزعيم الليبي، في بعض الاحيان كان العرض يفقد كثافته وتوتره، ليعود ويصعد بالمشاهد وروحه، عبر الرقص والاداء والراب، والموسيقي التي جاءت مزيجا بين الموسيقي الغربية مع مؤثرات عربية واخري تأخذ من المشهد الموسيقي العالمي بتنوع اتجاهاته خاصة الراب وهيب هوب وغيرها. القذافي الاوبرا والاسطورة الحية، يخرج مشاهده بانطباع مزيج، بين الاعجاب والتساؤل، والنقاش الذي دار بين النقاد في بريطانيا ليس حول السرد التاريخي ولكن حول فكرة قيام مسرح عريق بانتاج وعرض عمل متعدد الاتجاهات وليس فيه من الاوبرا المعروفة والكلاسيكية الا الاسم. وهنا فان الكثيرين قالوا ان الاوبرا الوطنية الانكليزية ارادت بافتتاح موسمها الفني باوبرا القذافي التوجه نحو جمهور جديد، جمهور يختلف عن المشاهدين العاديين، المتقاعدين، الشيب او اصحاب الطبقة الغنية، ومن خلال ذلك ارادت الاوبرا جلب العديد من الشبان الاسيويين او الجمهور المختلف التي لا تعني كلمة اوبرا له شيئا ومن هنا تم توجيه الحملة الاعلانية في وسط وشرق لندن. بعد الانتهاء من المشهد الاول في مسرح كان ممتلئا نوعا ما، كانت وجهتا النظر موجودتين، فهناك وهذا ما استرقت النظر اليه وما وصل لسمعي من احاديث، من اعتبره عملا لا قيمة له لانه كما قال لا توجد فيه قصة وهناك من رأي فيه تعليميا ومدهشا من ناحية الموسيقي والاداء الراقص. وهناك من اتهم كاتب نص الفيلم بعدم اتخاذ موقف من موضوع العرض، فالزعيم الليبي برز كما يقول معلق في اوبزيرفر بالزي العسكري وبدونه، كمحرر، وقاتل، واصولي، ومنظر ايديولوجي ولكنه اي الكاتب لم يشر الي اي من هذه الاوصاف ينتمي القذافي. واشار الي العبارة التي قالها جمال عبدالناصر وافتتح بها العرض من ان العالم العربي يبحث دائما عن بطل، وفيما اذا كان منتجو العرض يقترحون ان القذافي يملأ هذا الدور.

بالنسبة لي فقد استمتعت بالعرض فهو عمل ليس اوبرا بمفهومها التقليدي الذي يعتمد علي اغنيات الحنجرة العميقة والتراجيديا والقتل والموت والخيانة، فهنا اوبرا حديثة غير تقليدية متعددة الجوانب تجمع المسرح والاستعراض والراب والسينما والتصوير والاداء في عمل واحد. وما يجعل هذا العمل يحمل جذور النجاح ان شخصية الزعيم الليبي فيها الكثير من مكونات وبذور الاستعراض والامتاع، الادهاش والصدمة، التغير والثبات، والشك واليقين، النرجسية والذوبان في الجماهير، ففي واحد من المشاهد يبدو القذافي قلقا من الجماهير التي يقول انه يعشقها ويخافها في نفس الوقت. كما ان الاجواء والمؤثرات الصوتية والخاصة ساهمت في خلق هذا الجو الدرامي المتوتر، عندما خرج القذافي من عزلته حاملا الكتاب الاخضر بدأت نسخ وملصقات تتساقط علي الجمهور كما اضيء المسرح كله باللون الاخضر.. يظل العمل جريئا في النهاية وكان هناك تعاون غير عادي بين دار الاوبرا الوطنية الانكليزية ومجموعة ايشيان داب فاونديشين، والتي كانت وراء معظم موسيقي هذا العرض.

في النهاية ما دخل بشار الاسد عندما بدأ القذافي يمزق صور ملصق للزعماء العرب من اقرانه، عندما بدأ السادات يتحول نحو اسرائيل، فمن المناسب كان لو وضعت صورة والده، ويبدو ان المقصود هو والده حافظ وحدث خطأ ما!

علي الصعيد الشخصي بقدر ما استمتعت وتقبلت التجريب هذا بقدر ما تمنيت لو انتهي العرض مبكرا فقد استمر ساعتين، والسبب لا علاقة له بالعرض ولكن بجارتي الشابة التي يبدو انها اكلت كل الثوم في العالم وجاءت توزع انفاسها علي الجمهور. كان هذا سبب ضيقي.. القذافي اسطورة حية من انتاج الاوبرا الوطنية الانكليزية، وايشيان داب فاونديشين، من اخراج ديفيد فريمان، وتمثيل رامون تيكرام القذافي، شارون دانكين ـ برويستير فاطمة، وريز احمد صلاح البوزيد، عبدي جهاد الملك ادريس، وبن بيشون السيد، ومارتن تيرنر رونالد ريغان، ونيكولاس خان عبدالسلام جلود، وجيفري بيرتون عمر المختار، وبريجيتدا روي والدة القذافي، وصمم الرقصات حكيم اونيبودو، وصممت الديكور ايس ديفلين، وقام بادارة الاوركسترا جيمس مورغان. وتعرض الاوبرا ثلاثة عروض اخري في ايام الخميس، والجمعة والسبت القادمة.

ناقد من اسرة “القدس العربي”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية