رواتب مؤجلة
سهيل كيوانرواتب مؤجلةدخلت والصديق زياد خداش الي مطعم تحيط به حديقة غناء.زياد لم يتمالك نفسه وبخرقة بدأ بمسح الطاولات الأمر الذي أثار استهجان بل وسخرية زبائن المطعم الذين جلسوا حول الطاولات ولكنهم لم يفعلوا شيئا كأنهم في اجتماع، كانوا من اليهود وقد ارتدوا لباسا موحّدا. راحوا يسخرون من هذا الزبون المبادر لمسح الطاولات بنشاط، انتقل زياد ليمسح الطاولة التي سنجلس عليها، بينما رحت أوضح للزبائن أن زياد نشيط بطبعه ولا يحب الكسل ولا يعتمد علي غيره، هذا التفسير زادهم هُزءاً! وأمام دهشة مدير المطعم ودهشتي بادر زياد بنقل الطعام من المطبخ الي الطاولة التي سنجلس عليها، علما أن الخدمة في المطعم ليست ذاتية بل كان هناك نادل ولكن جلس هو الآخر غير راغب بالخدمة! فاجأني زياد بكمية الحلوي وأصنافها المتعددة التي وضعها علي طاولتنا، تصرّف زياد أزعج مدير المطعم الذي كشّر وراح يتمتم محتجا علي تصرفه المستهجن ورفض تفهم ما يقوم به زياد، وما لبث أن طلب منه مغادرة المكان قبل أن نتناول أية لقمة وحينئذ حدثت مشادة بينه وبين زياد. كان المدير أقصر قامة من زياد وبالضبط بين المطبخ والحمام رفع يده كأنما يريد أن يصل براحته وجه زياد فأمسكت ذراعه وأنزلتها ببطء منتصرا لزياد، ورغم استياء زياد من ردة فعل مدير المطعم الا أنه حمل ثلاثة أصفاط مليئة بالحلوي التي لم نذقها وقد لفّت جيدا بأوراق ذات لون قريب الي الأصفر، المدير حاول منعه ولكن زياد أصر علي الخروج بالحلوي! استفقت من نومي ونظرت الي ساعة الحائط قبالتي كانت حوالي الرابعة فجرا، يا الهي ماذا يعني هذا المنام! آخر مرة زار فيها زياد الجليل كانت قبل ثلاث سنوات رافقه ماجد أبو غوش من رام الله ومحمد الضمرة من الأردن، يومها زرنا عددا من المثقفين وطفنا في قري الجليل ثم تناولنا الغداء علي شاطئ البحر في عكا، ما زال زياد يذكّرني بالزيارة، وكلما دعوته الي الجليل يشترط أن نذهب الي نفس المطعم ونأكل نفس نوع السمك الذي تناولناه وأن يشرب الكمية التي يريدها من البيرة! كل هذا عندما تهدأ الأمور! منذ ثلاثة اعوام وهو يقول عندما تهدأ الأمور ويرفع الحصار بالتأكيد سآتي أنا وماجد، سوف نزور الأصدقاء وطبعا الصديقات دائما يفاجئني زياد باسم كاتبة جديدة تعرف عليها مما يسمي مناطق 48 لم أسمع بها أو بكتابتها من قبل، ولكنه يؤكد أنها كاتبة موهوبة وأنه رأي نموذجا من كتابتها الرهيبة ! زياد لا يكتشف الا الكاتبات، لم يفاجئني ولو مرة باكتشاف كاتب أو حتي كويتب أو شويعر! أبدأ بمقاهرة زياد واثارة خياله فأصف له جمال الأماكن التي سنزورها اذا ما أتي الي الجليل فيتحمس زياد ويؤكد أنه لا بد خلال أسبوعين أو ثلاثة بالكثير أن يأتي رغم الحصار بل ويرسم خطة متكاملة لهذه الزيارة! في الصباح اتصلت بزياد وأخبرته بالمنام الذي رأيته فأعرب عن دهشته وضحك ضحكته المجلجلة! كان هذا في اليوم الأول لافتتاح السنة الدراسية الجديدة، وكان المعلمون في فلسطين مضربين ولكن زياد لم يضرب وحضر الي المدرسة رغم تأكيده أن المضربين محقون بمطالبهم، ولكن هناك من استغل الأمر وأخرجه من سياقه بل هناك من أقام حواجز لمنع المعلمين من الوصول الي المدارس و أقفل بواباتها بأقفال جديدة كي لا تفتح، وهناك مدراء تعرضوا للتهديد اذا ما أتوا الي مدارسهم فقد تحول الأمر الي صراع بين قوي سياسية! زياد في حيرة من أمره فهو متردد بين العمل والاضراب ولكنه وصل المدرسة كما قال لي علي الأقل لاستقبال الطلاب الذين أرسلهم ذووهم ! تعرض زياد لسخرية بعض المعلمين المضربين بل واتهمه البعض بالنفاق والوجهنة كما قال لي، الاضراب حق يقول زياد ولكن عدم الاضراب أيضا حق! وزياد ليس حمساويا ولكنه ليس فتحاويا كذلك!وما أعرفه عنه هو علاقته المميزة مع طلابه! شكرني زياد لدفاعي عنه في المنام وسألني ضاحكاً ماذا يعني لك رؤية رواد المطعم من الاسرائيليين!ـ الإسرائيليون في المنام خصوم .. يبدو أن لك خصوما يا زياد، انهم الذين سخروا منك! ـ ولكن ماذا مع المدير! صحيح أنه قصير القامة ولكن علاقتي به جيدة!ـ لا أعرف لا أعرف! ـ وماذا عن الحلوي الملفوفة باحكام في الكراتين!ـ يبدو لي أنها الرواتب المؤجلة يا صديقي .. وضحك زياد .. ومرة أخري وعدني بزيارة الجليل.كاتب من فلسطين 0