نعمان اسماعيل عبد القادر
اختار نجيب محفوظ شخصية رفاعة لتلعب الدور الذي يشبه دور المسيح عيسي عليه السلام في الرواية، وجاء انتقاؤه لهذا الاسم بعد دراية بايمان الديانتين الاسلامية والمسيحية بأنه رُفع الي السماء قبل أو بعد موته. وسنري ذلك في نهاية القصة. وأورد محفوظ قصة ولادة رفاعة بعيدًا عن حيه الذي يسكن فيه والداه (عم شافعي النجار وزوجته عبدة) وهما من آل جبل والمقصود من (سلالة موسي) وربما أراد محفوظ ان يقول للناس ان عيسي هو بشر له أب وأم كغيره من البشر ومن يعتقد أنه ابن الله أو ابن مريم التي ولدته من غير أب انما هو مخطئ في اعتقاده، حيث غادرا الحارة متوجهين الي الخلاء ثم الي سوق المقطم ليفتح شافعي له دكان نجارة (وهنا اشارة واضحة الي يوسف النجار الذي ورد ذكره في الانجيل) ثم تلقي الأم باللائمة علي الجبلاوي (الرب) فتقول: آه لو صبرت يا معلم شافعي! ألم تسمعهم يقولون ان الجبلاوي لا بد أن يخرج يومًا من عزلته لينقذ أحفاده من الظلم والهوان؟ (1). ثم ينتقل الكاتب نقلة زمنية طويلة فيكبر رفاعة خلالها ويعود مع أمه الي الحارة بعد عشرين عامًا أو يزيد.. ويفتح شافعي دكان نجارة يساعده ابنه فيه في تصليح أثاث البيوت. أخذ رفاعة يقضي وقته عند امرأة تدعي أم بخاطرها وتعمل في تخليص الممسوسين من عفاريتهم وأحب رفاعة منها سماع حكايات أسرار العفاريت. اقترحت عليه أمه ذات يوم أن يتزوج من عيشة وهي ابنة زعيم الحارة، الا انه يرفض هذا الاقتراح. نزل العم شافعي صباحا ليفتح دكانه فلم يجد رفاعة كما توقع. فاستقل عربة كارو مع زوجته وتوجها الي سوق المقطم وبعد فترة من البحث عنه وجداه وهو عائد في استحياء الي الحارة من الخلاء. ثم يخبرهم أنه مشي في الظلام حتي تعب وأسند ظهره الي سور البيت الكبير، ثم سمع فجأة صوت الجبلاوي يتكلم وقال له: ما أقبح أن يطالب شاب جده العجوز بالعمل، والابن الحبيب هو من يعمل.. (2) وفهم من هذا أنه يجب عليه أن يسعي من أجل سعادة الناس جميعًا، فقرر أن يزور المساكين ليطرد عنهم العفاريت. ثم يورد الكاتب قصة امرأة من قومه تدعي ياسمينة وهي امرأة زانية (وأطلق عليها اسم ياسمينة لجمالها الفتان) حيث اجتمع الناس في مظاهرة حاشدة وطالبوا بقتلها لأنها كانت تسكر وتتردد كثيرًا علي بيت أحد زعماء الحارة ويدعي بيومي. أشفق عليها رفاعة واقترح عليهم أن يتزوج منها ليستر عليها وينقذها من الموت. ثم أعلنت توبتها. وقالت له: لن أنسي فضلك، اني مدينة لك بحياتي. فأجابها: يفاخرون دائمًا بأنهم من صلب أدهم، وفي نفس الوقت يباهون بالكبائر.. وما دام التخلص من العفاريت ميسورًا فما أقربنا من السعادة (3)وطلب منها أن تتخلص من عفريتها الا أنها رفضت طلبه وأرادت أن تبقي كما هي. ثم انقطع عن دكان النجارة ومضي يدعو من يصادفه كي يخلصه من عفريته فيحقق بذلك سعادة صافية لم يحلم بها من قبل. (في الانجيل كان يدعو للتخلص من الخطيئة). ثم توجه الي أم بخاطرها وطلب منها أن يطهرها من العفريت (لاحظ المصطلحات الانجيلية: السعادة، يطهر، المعلم، يخلص وينقذ). وبعد مدة أخذ الفقراء يتوافدون عليه ليخلصهم من عفاريتهم وليبرأوا منها وصار يدعي في الحي بالمعلم رفاعة. واصطفي رفاعة من مرضاه أربعة وهم زكي وحسين وعلي وكريم اصطفاهم لصداقته فصاروا اخوة فانقلبوا الي رجال ذوي قلوب كبيرة. وكانوا يجتمعون في الخلاء عند صخرة هند ويتبادلون أحاديث المودة والصفاء، وصاروا سعداء لأنهم تخلصوا من العفاريت فتطهروا من الحقد والطمع والكراهية وسائر الشرور. وطلب منهم معلمهم أن يتعلموا الأسرار ليخلصوا المرضي من العفاريت، في حين كانت زوجته ياسمينة قد استمرت في علاقتها بفتوة الحارة بيومي وتمارس معه الزنا وأخذت تلتقي به ليلا وتدخل بيته من باب حديقته الخلفي الذي يفتح علي الخلاء.
واجتمع الزعماء في أحد الأيام في بيت الناظر ويدعي ايهاب (وهو الزعيم الأكبر) (ولا أدري ان كان محفوظ يقصد به الامبراطور الروماني أم الممثل الروماني في بلاد الشام) وتم بحث أمر رفاعة الذي ذاع صيته وأصبح يطلق عليه اسم المعلم (وهي علي وزن المفعّل/ المخلّص ـ وهو مصطلح شائع في الديانة المسيحية) واتفقوا علي أن يجدوا علاجًا لجنون رفاعة ابن شافعي النجار. وقد اعتبروا أن اتصاله بالواقف (صاحب الوقف ـ الجد الجبلاوي ـ أي الرب) انما هو جنون. مارس نشاطه تحت سمعك وبصرك فلم تدرك له خطرًا، وطبعًا لم تسمع عن مزاعمه عن الاتصال بالواقف (4).. وخرج رفاعة في أحد الأيام من حيه فصادفه الفتوة (الزعيم) بطيخة (في اعتقادي أن اختيار هذا الاسم جاء للسخرية من الشخصية ذاتها ـ ويريد محفوظ أن يخبرنا أنها شخصية تحمل رأسًا فارغة مثل البطيخة ـ متسرع في قراراته) فما أن ألقي رفاعة عليه التحية حتي لطمه لطمةً دفعته الي جدار الربع مترنحًا.. واجتمع أهل الحي من الرجال والنساء علي صراخ امرأة شاهدت المنظر وتصايح الناس في انزعاج وتعالت احتجاجات، وأخذ الطوب يتساقط أمام بطيخة ليمنعه من التقدم. وكانت هذه الحادثة بمثابة نقطة التحول في حياة رفاعة لأن الناظر رأي في تضامن الناس معه قوة تكفل الصمود أمام الفتوات. وعقد اجتماع طارئ في بيت الناظر واتفقوا علي قتل رفاعة، في حين اتفق أنصار رفاعة علي مساعدته علي الهروب من فوق الأسطح والاختباء في بيت أحد أنصاره ويدعي كريم (من الكرم). وبعد هروبه خرجت زوجته ياسمينة الي الخلاء خفية وتسللت الي بيت الفتوة بيومي وأخبرته عن خطة الهروب بكل تفاصيلها.. ثم توجهت الي بيت كريم لتخفي عنهم آثار خيانتها (لاحظ التشابه القصصي ـ قصة القبض علي المسيح وقصة القبض علي رفاعة) ثم تناولوا العشاء وفي ساعات الفجر الأولي تمت مداهمة البيت وقبض علي رفاعة وفرّ أنصاره واقتيد الي الحارة.. وظلت عينا رفاعة مرفوعتين نحو البيت.
تُري هل يدري جده بحاله؟ ان كلمة منه تستطيع أن تنقذه من مخالب هؤلاء الجبارين وترد عنهم كيدهم. انه قادر علي أن يسمعهم صوته كما أسمعه اياه في هذا المكان (5). وفي الخلاء هوي بيومي بنبوته علي رأسه بشدة فصرخ رفاعة صرخة عالية وهتف من أعماقه: يا جبلاوي! ، وساد صمت لم تسمع خلاله الا الحشرجة. وأخذت الأيدي تحفر الأرض بقوة في الظلام.(6) ولما غادر القتلة المكان اذا بأربعة أشباح تنهض قائمة من موضع غير بعيد من موقع الجريمة وكان هؤلاء تلاميذه وهم علي وكريم وحسين وزكي (لاحظ اختيار الأسماء يدل علي طهارتهم واخلاصهم في العمل) تجمعوا حوله وأخذوا يزيلون الرمال براحاتهم ولما وجدوا جسده ارتفعت أصواتهم بالبكاء وتعاونوا علي استخلاص الجثة من الرمال وبعد أن ردموا الحفرة حملوا الجثـــة الي المقبــــــرة ثم وضعوها في جوف القبر. ثم همس كريم: كانت حياتك حلمًا قصيرًا، لكنها ملأت قلوبنا بالحب والنقاء. (7)أما الأصحاب الأربعة فقد غادروا الحارة في حالة نفسية متوترة وعاشوا في أطراف الخلاء. ولم يبق لهم من أمل في الحياة الا أن يتحدّوا موته باحياء رسالته (8). ولما انتشر نبأ قتل رفاعة هرع الناس للبحث عن جثته فلم يعثروا علي شيء حتي الفتوات القتلة تسللوا في الليل وحفروا مدفنه علي ضوء مشعل فلم يعثروا للجثة علي أثر. ويعرض علينا نجيب محفوظ بطريقته تضارب الآراء والعقائد واختلافها في نهاية عيسي عليه السلام فيقول في نهاية القصة: وتوثب كل فريق للعمل علي رأيه بايمان صادق. وتناقلت الحارة قصة رفاعة علي حقيقتها التي كان يجهلها الأكثرون. وتنوقل أن جثته ظلت ملقاة في الخلاء حتي حملها الجبلاوي (الله) بنفسه فواراها التراب في حديقته الغناء. (9). ثم يختم محفوظ القصة: وحظي رفاعة في موته بما لم يكن يحلم به في حياته من التكريم والاجلال والحب حتي صار قصة باهرة يرددها كل لسان، وتتغني بها الرباب، وبخاصة رفع الجبلاوي لجثته ودفنها في حديقته الغناء. وقد أجمع الرفاعيون (المسيحيون) علي ذلك، كما أجمعوا علي الولاء والتقديس لوالديه، وغالي منهم قوم فتجنبوا الزواج (المقصود بالرهبنة) حبًا في محاكاته واستعادة لسيرته (10). في اعتقادي أن الرسالة في هذه القصة يوجهها محفوظ للمسلمين والمسيحيين علي حد سواء.
كاتب من فلسطين1ـ أولاد حارتنا ص 2152ـ أولاد حارتنا ص 2483ـ أولاد حارتنا ص 2584ـ أولاد حارتنا ص 2755ـ أولاد حارتنا ص 2946ـ أولاد حارتنا ص 2957ـ أولاد حارتنا ص 2978ـ أولاد حارتنا ص 2989ـ أولاد حارتنا ص 30310ـ أولاد حارتنا ص304 0