الطيور الفلسطينية المهاجرة

حجم الخط
0

الطيور الفلسطينية المهاجرة

الطيور الفلسطينية المهاجرة بدأت في منتصف الثمانينات جماهير عريضة من فلسطينيي لبنان تتسابق إلي مقاعد الطائرات والبواخر المتجهة إلي اوروبا. تدافعت تلك الجموع مهاجرة، هائمة علي وجهها، لاجئة من جديد، لا تعي سوي شيء واحد، الخروج من أتون حربٍ كانوا وقودها ورمادها بالدرجة الأولي، إضافة إلي سعيهم الخلاص من ضيق العيش والظروف القاهرة التي وُضِعُوا فيها، كما فاض بهم وضاعة النظام السياسي اللبناني الذي تتحكم به عقلية طائفية عنصرية لا تطاق، انعكست في معاقبة كل فلسطيني بشكلٍ أو بآخر، معتبرة إيّاه مذنباً وإن ثبت العكس، وتُجَاهِرُ بأنه ضيف ثقيل غير مرغوب به مع أن لجوءه كان رغم أنفه، وقد بلغت جرأتهم حدّاَ مبالغاً به، حيث وصف أحد ساستهم (وزير في حينه) الفلسطينيين بأنهم نفايات بشرية، وأن لبنان ليس مكبّاً لها (نعم بكل تلك الوقاحة)! سألت أحد تلك الطيور، ما الذي أوصلك إلي الدانمرك، قال: عندما حطت قدماي الأراضي الألمانية، وجدت حشوداً مكدسة فسألتها إلي أين؟ أجابت إلي الدانمرك، فهناك يمنحون الفلسطيني حق اللجوء من غير مماطلة. لقد كانت المرة الأولي التي يسمع بها بتلك المملكة النائية، ولم يكن يعرف أين تقع، ركب الطائرة مع الآخرين، ومنذ ذلك الحين بات يقبع في زمهرير مملكة الحليب وأجوائها المكفهرة، يحكمه كما البقية قانون شهير اسمه كُلْ واشربْ وَنَمْ وتجمّد.وفي مرابع المهاجر، في برلين وكوبنهاغن واوسلو ولندن وتورونتو، تشعبت العلاقات واختلطت اللهجات، وتداخلت الهموم بين أبناء الجاليات اليتيمة، فبعد أن ظنّ الفلسطينيون أنفسهم ضحايا حصريين للاستعمار والاستيطان، وجدوا أنفسهم مع جموع من الطيور الجريحة والطريدة من العراق وسورية ولبنان ومصر وبقية الدول والممالك الزاخرة بالحسرات والمفعمة بالآلام، تلك الشعوب التي تئن تحت سياط القهر وسياسات الإفقار ومناهج التعليم البائسة، هذا فضلاً عمّا أصاب هذه الأمة من احتلال مباشر لحواضرها وخواصرها، وبَعد أنْ ساد فيها مجّانها وأراذلها، وقد سالت دماؤها غزيرة في الدروب المظلمة والأزقة الضيقة، وتبعثرت الأشلاء في البلدات والأسواق، وبات كل العالم الإسلامي فلسطيناً بأسماء أخري وعناوين أخري. وهكذا ضرب التيه عالمنا الإسلامي بعد أن أسدلت العتمة عليه ستائرها.كان الفرار إلي المهاجر في وقتٍ ما عاراً، ثم ما لبث أن أصبح فرصة نادرة للنأي بالنفس عن الغرق في أوحال المشاكل الكثيرة والمعقدة في الوطن الأم، رجاء ضمان شيء من العيش الآدمي، بعيداً عن السفه المستديم وزحمة الفاسدين وفوضي الأوضاع الممنهجة للقضاء علي أي أمل في حياة كريمة، فضلاً عن العبثية والميوعة المدروسة لجرف الناس نحو الانحراف واليأس، تلك العبثية المرفقة بأطنان من الأكاذيب التي تحولت إلي حقائق وهمية بفعل التكرار والواقعية البغيضة. المهندس حسن الحسننائب ممثل حزب التحرير المملكة المتحدة 6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية