حي بن خيبان
أحمد اغباريةحي بن خيبان.. وما أن أتم حي ربيعه الخامس عشر، حتي شرع بالتجوال في الغابة بمفرده دون أن تصحبه الظبية كما دأبت طيلة فترة رعايتها له. وفي يوم، كان جالسًا علي مقربة من أحد الأنهر يأكل الحشائش ويتلهي برمي الحصي وصنع الدوائر والتفكر علي طريقته. بغتة اضطربت مياه النهر وطفا علي سطحها تمساح كبير راح يعوم باتجاه الضفة التي يجلس عندها حي. ذاك كان أول عهد له بالتماسيح. دنا التمساح من حي فاتحًا فكيه، وقبل أن يطبق عليه ولي هاربًا وهو يصرخ من الفزع. سمعت الحيوانات صرخات حي فاعتراها رعب شديد، وبدأت تعدو في كل الاتجاهات علي غير هدي. عمت الفوضي الغابة. تعالت الأصوات. اختلطت. نظر حي خلفه وهو يركض فاذا بجيش من النحل يتبعه حيثما اتجه. أسرع أكثر. نظر أمامه فاستغرب من نعامة تغطي رأسها في الرمل. تخطاها. لاحظ أن النحل لم يلسعها أو يقترب منها. توقف علي عجل وغرس رأسه في الرمل حتي الأذنين. مرت لحظة أو اثنتين شعر كأنما الأمان، لكن سرعان ما انهالت عليه إبر النحل تلسعه في فخذه المكشوف وما بدا من أسفل مؤخرته..وجاء أمه الظبية يصرخ لا يعرف من أين يتألم. فبادرته قلقة: خير يا ولدي. ماذا حدث لك؟بصعوبة روي لها حي ما حدث، بينما هي ترقبه وتتلوي غيظًا وتهز رأسها هزًا ينم عن امتعاض. فقال لها: ليس ذاك ذنبي ولكنه ذنب النحل. النحل لا يلسع الا في الوجه وهذا النحل الغبي ليس يفرق بين الوجه والمؤخرة.ورمته بنظرة ثانية دون أن يعي مغزاها.جُن الليل وتضخمت الأورام وزادت آلام حي الذي ظل يئن ويصرخ حتي الصباح. في تلك الليلة، لم ينم أي من حيوانات الغابة.ظلت الظبية ترعي حي وتجلب له الطعام الي أن تعافي، فاستأذنها يومًا بالخروج وحده، فأذنت له غير مطمئنة. ظلت تنتظر قدومه حتي عاد مساء والحبور يفيض من وجهه، فبادرت تسأله بفضول: أراك مبتهجًا علي غير عادة؟ نعم. فقد اكتشفت شيئًا جديدًا وعجيبًا. وما ذاك؟ تعلمين أن الأرانب تخشاني. وهي تسارع الي الهرب بمجرد رؤيتي أو سماع صوتي. وما الجديد في ذلك؟ قبضت اليوم علي أرنب وقطعت قدميه، ثم صرخت به فلم يفر. تصوري أني اقتربت من أذنيه الطويلتين وصرخت فيهما دون أن يتحرك شبرًا واحدًا.فسألت الأم باستهزاء: لماذا يا تري؟ أعتقد أن الأرانب تسمع من أرجلها.ضربت الظبية حافرها بالأرض ثم صرخت في وجهه والغضب يتطاير من عينيها: فضحتني في هذه الغابة بما فيه الكفاية.. كل الحيوانات تسخر مني لأجلك. اسمع! أنت لست ابني.. أنت لست ابني.. ما عدت أحتملك أكثر. ماذا تقولين؟ ما سمعته. خدعتِني طوال هذه المدة؟! اذن ابن من أنا؟ يجب أن تقولي لي الحقيقة أيتها الظبية! لستَ من فصيلة الظباء، بل من فصيلة أخري، أنت ابن.. لا تقولي! الآن أدركت الحقيقة، لطالما ساورتني الشكوك. الآن فقط تأكدت. أنا ابن ذلك الكائن الذي خرج من النهر، خلته يريد افتراسي ولكنه أراد تقبيلي. الآن فهمت لماذا جاءني فاتحًا فمه..تقدمت منه الظبية فنهرها، ثم أطلق لساقيه العنان باتجاه النهر.. كاتب من فلسطين0