بين ثياب البعثية وثياب التهريب
منهل السراجبين ثياب البعثية وثياب التهريبثياب موظفات الحركة التصحيحية، حقائب البعثية، تسريحة زوجات المسؤولين، طقم نقابة العمال.. تلك هي الجمل التي كانت البنات تتهكم فيها علي المظهر غير الأنيق. كنا نشعر أن كل ما نحصل عليه خارج أجهزة الحكومة مؤسسات، مخابرات، جمارك، مسؤولي ضرائب، هو بالتأكيد حلال وقريب ويشبهنا، وما يأتينا من الحكومة مرفوض ومشكوك بأمره، نكرهه ويكرهنا. لذلك كنا نتجنب كل ما يجعل مظهرنا يمت بصلة لهذه الأمور. وكانت البضائع المهربة هي الملاذ، ذلك لأن الوطنية، أقصد الثياب الوطنية، غالباً ما تشبه ثياب جماعة الحركة التصحيحية، وما يقاربها. وهي بالتأكيد تعني الشرشحة، والثياب الرخيصة، والذوق المتدني. لذلك كانت معظم الفتيات، يفضلن ثياب التهريب، يعني حين تقول احداهن: أحضرت ثيابي من عند ماجدة فهي تعني ثيابا تركية، أما بضاعة ام ربيع فتعني ثياباً أوروبية وهي باهظة الثمن بالتأكيد. وكنا نحن متوسطي الحال ونحب الثياب كثيراً ونحب تغييرها أكثر. نذهب الي منطقة أعزاز في حلب لشراء الثياب التركية من أول منطقة تهريب، يعني قبل أن يرتفع ثمنها بزيادة عدد وسطائها، مثل ماجدة وغيرها. عادة كان يتبرع أحد الآباء بالذهاب معنا في سيارته. نقضي اليوم ندور علي بيوت أعزاز، يتخاطفنا الأولاد المتمترسون كقطاع الطرق عند مدخل المنطقة، تماماً مثل فعل الجمارك عليهم عند حدود التهريب. يعرضون المساعدة عبر ارشادنا الي أحسن البيوت، وأحسن الأسعار علي حد قولهم. في كل عام كان لدينا علي الأقل أربعة مشاوير لأربعة فصول، نرجع بغنيمة مفرحة. كان جديد الموضة حين نقتنصه، يجلب لنا الفرحة، ولو لساعة نظهر فيها جمال قوامنا. نرتدي الثياب الجديدة في زيارات بعضنا، ونقهرالأخريات اللواتي لم يرتدين مثلها. لكن ذلك الجديد يصبح قديماً في الزيارة التالية، بينما تأتي الأخريات بجديدها وتقهرنا، وهكذا. كنا نتبادل قهر بعضنا ونتبادل الدور بتلك الفرحة. في أحد الفصول انشغل جميع الآباء، ولم يقبل أحد مرافقتنا، طبعاً كان من غير الممكن ذهاب فتيات دون مرافقة الي منطقة التهريب، لذلك قررنا وبثورة جماعية أن نذهب بوسائل المواصلات العادية خمس بنات بلا مرافقة ولا موافقة، كنا طالبات جامعة نسكن بيتاً واحداً في حلب. سألنا كثيراً حتي استدللنا الي سرافيس أعزاز، وتنقّلنا بين الشوارع والساحات كثيراً الي أن استطعنا ركوب احداها. كان في أيدينا مناقيش الجبنة والزعتر وقهقهاتنا تخلع سماء حلب.ـ أحتاج جاكيتا شتوياً.ـ أحتاج بيجامة للرياضة.ـ أحتاج طقما رسمياً.. أدار السائق مفتاح المحرك فانطلق صوت أغنية من عرس محمد ابن أبو كدرو، أخوه حسن وعمه.. نسيت اسمه. بدأ المطرب بالتحيات قبل أن تنطلق ضربات الدربكة العنيفة مع أصوات رصاص العرس. ما ان قطعت السيارة أول شارع باتجاه الخروج من حلب، حتي أوقفها شرطي المرور باسماً ابتسامة متثائبة ذلك لأن الوقت كان صباح الجمعة. بعثت هذه الابتسامة امتعاضاً علي وجه السائق، لكنه وبتلقائية شديدة مد يده الي درج صغير وسريع وجاهز، وتناول مبلغاً ما، لم يكترث أن يعده، ربما لأنه يعرفه أو يقدره لشدة اعتياده. ناوله اياه بمصافحة سريعة وأقلع من جديد بأغنيته وسيارته. نحر بأصابعه ذراع السرعة. أول ثم ثان، ثالث.. رابع.ما هذا؟ خلال ثوان دار مؤشر السرعة الي الجهة الأخري. كان يتجاوز السيارات بسرعة غريبة. الطريق واحد والسيارات باتجاهين.. توقفت لقمة المناقيش في حلوقنا، واصفرت وجوهنا، قلت له بصوت ضعيف: ـ لو سمحت، أنا أخاف من السرعة.قلب برأسه الي الوراء من الضحك، وكاد يترك عجلة القيادة من يده. وهو يهتز بمكانه، ضحك وضحك ثم رفع صوت أغنية العريس أكثر وطار.. نظرت في وجوه البنات، كن كلهن خائفات، منهن من أخرجت مصحفها الصغير وراحت تقرأ، ومنهن من راحت تتمتم مما تحفظ من أدعية السفر والسلامة. قالت له رفيقتي بصوت أكثر جدية:ـ تقول لك رفيقتنا انها تخاف من السرعة.ضحك من جديد بنشوة هائلة لأن صوتاً رقيقاً آخر يرجوه.. وزاد في طيرانه. كنا كلنا نمسك بالقضبان المحيطة مستسلمات تماماً للموت القادم، وكنت أنا من تعلمت قيادة السيارة حديثاً أضرب بقدمي فرامات وهمية، مع ضربات قلبي الذي انخلع.. وسرحت في تخيل كيف ستبكي أمي علي موتي، وكيف ستغضب في الوقت نفسه، أن أقوم بهذا الفعل دون موافقة، وتذكرت أخي الصغير الذي أحبه وحزنت كثيراً لأني سأموت ولن أراه، وتذكرت أني تركت إسورة أمي في درج طاولتي، وأني استعرت نوطة الرياضيات من أحد الزملاء ولم أرجعها، كل هذه الديون! و… سأموت الآن.من المعروف أن الطريق يأخذ ساعة ونصفا، لكنه استطاع الوصول بطيارته خلال ساعة ودقائق قليلة. حين لاحت لنا لائحة أعزاز ترحب بكم شعرت باحدي لحظات السعادة السبع الوحيدة في حياتي. ما ان توقف حتي تدافعنا للهروب ونسينا أخذ بقية حقنا من المبلغ الذي دفعناه. طبعا البنات كثيرا ما كن يخجلن من طلب الخمسة او العشرة أو الخمسة والعشرين المتبقية. قلت لهن: ـ كيف سنرجع؟أجابت أشجعنا: ـ مثلما أتينا. اصفر وجهي أكثر. أمامي ساعة أخري من الرعب؟ قالت:ـ هذا السائق مجنون.. البقية أكيد ليسوا مثله. مضينا مع أول ولد أشار لنا، قضينا الساعة الأولي من التسوق مهمومات لطريق العودة، ثم ما لبثنا أن انهمكنا بالبحث والتنقيب بين البضائع، عن طقم مختلف وبنطال مختلف وحقيبة و..ست ساعات، كيف مرت!حين اقتربنا من سرافيس العودة، تخيلت القصة نفسها وسمعت الأغاني وضحكات السائقين، وأوشكت علي البكاء. لكن لم يكن باليد حيلة. وضعت البيجامة الزهرية التي اشتريت وجزداني الصغير الذي كان بحوزتي في حقيبة الجينز الجديدة وهي الشيء الوحيد الذي بعث فيّ العزاء من رعب الصباح. أخذت مكاني بجانب صديقتي، وانتظرنا حتي امتلأ السرفيس الأبيض. وجلس إزاءنا ثلاثة رجال أشاوس، كنت كل لحظة اتفقد حذائي ان كان يلامس أحذيتهم. وكان أحدهم منتعلاً خفاً صيفياً أو ما يسمي الشاروخ ويدخن سيجارة بعمق ومتعة، كل سحبة منها تصاحبها اغماضة عين. أدار السائق مفتاح المحرك فانطلق أذان الله أكبر يرافق كل اقلاع. حبست أنفاسي متوجسة من مشوار الرعب.. لكن بعد أن استقر علي طريق السفر تبين لنا أن سرعته أقل بكثير من سرعة الصباح. اطمأننت وأصغيت لصديقتي تتحدث بابتهاج عن الحذاء الذي يناسب الطقم الجديد الذي أحضرته وموديله ولونه ومن أي محل، قالت:ـ تخيلي اللون البيج معه، يهوس.. تخيلت، فوجدت أنه حقاً سيكون جميلاً، مع لون الطقم الذي يتمايل بين البني والأخضر، وحددنا أن أول مشوار بالطقم سيكون لأكل الشوكولامو في العزيزية، وحددنا لون الجوارب النايلونية، والأساور والخواتم، التي نسميها اكسسوار والجزدان وقلم ظل العين وأحمر الشفاه… فجأة، وفي عز هذه الأناقة، رأيت دخاناً ينطلق من حضني، حيث وضعت حقيبتي الجديدة في داخلها البيجامة الزهرية، بهت، ونظرت الي صديقتي التي كانت تتابع الدخان وتنظر في وجهي متسائلة ومندهشة، نظرت في وجوه الرجال الثلاثة أمامي، فوجدتهم ينظرون باستغراب لكن لأنهم أشاوس فقط بدا استغرابهم علي التقيل يعني من خلف قلة اكتراث، رجعت أحدق في حضني، عل ما رأيته ويراقبونه يكون وهماً، لكن الدخان الذي اتضح أنه ينطلق من الحقيبة تكاثف وملأ وجهي وعيوني.. استيقظت من دهشتي ورميت بالحقيبة علي الأرض بين الأحذية جميعاً، هنا فقط تحركت أقدام الرجال الثلاثة الأشاوس وراحت تدعس حقيبتي الجديدة والبيجامة الزهرية بكل ما أوتيت من قوة الي أن توقف الدخان. رفعت جثة الحقيبة والبيجامة الزهرية من بين الأقدام، وجدت شقوقاً محروقة كلاً منها بحجم شباك. نظرت في وجوه الرجال المقابلة والصامتة، فتبرع أحدهم وأشار برمشة خفيفة جداً من عينه، أحسستها اشارة أو ما يشبه الاشارة الي أن جاره رمي سيجارته من الشباك فارتدّت الي حقيبتي. سحبت جزداني لأنقذ ما تبقي من مصروف الشهر، وأمسكت البقية بأطراف أصابعي مملوءة بالغضب، لكنه بدا غضباً ضعيفاً، لأنه لم يحرك جفن صاحب السيجارة، وظل صامداً. وفوق خسارتي تلك، اضطررت لارتداء بيجامة وطنية، ظلت علامة الصنع تحك قفا رقبتي حتي قصصتها، وصارت حكايتي، احتراق حقيبتي والبيجامة الزهرية الجديدة، قصة تتندر بها بنات البيت، طوال سنوات الدراسة.كاتبة من سورية0