صلاح أبو سيف وعلي بدرخان وحسام الدين مصطفي تأثروا بكاريزمية محفوظ في رسم الشخصيات

حجم الخط
0

صلاح أبو سيف وعلي بدرخان وحسام الدين مصطفي تأثروا بكاريزمية محفوظ في رسم الشخصيات

فتوات نجيب محفوظ بين التأريخ والإسقاط السياسي والدراما:صلاح أبو سيف وعلي بدرخان وحسام الدين مصطفي تأثروا بكاريزمية محفوظ في رسم الشخصياتالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: تجلي إبداع نجيب محفوظ في تصوير المجتمع الشعبي ورصد تفاصيل الحارة المصرية بمهارة واقتدار استقاهما الأديب الكبير من احتكاكه ومعايشته لواقع الحياة اليومية لأكثر الأحياء الشعبية ثراء وأصالة ـ الجمالية، الحسين، الدرب الأحمر، فقد التقط بعين الفنان من بين الظواهر اليومية والمشاهدات مجتمع الفتوات وما يعتريه من صور انسانية تراوحت بين القسوة والرحمة والعدل والظلم ونقله عبر كتابة ممزوجة بالخبرة والتدقيق الي الأدب ليتحول الي ابداع خالص يطابق الواقع الحي ويشي به، وبدورها أخذت السينما عن هذا الابداع الأدبي بعض الملاحم التي تفرقت في رصدها وتسجيلها تبعا لأزمنة حدوثها وأخذت عنوانا شموليا أراده محفوظ أن يكون توثيقا لفترات ما قبل الثورة التي تعددت وتباينت فيما بينها وأخذت أشكالا اجتماعية مختلفة أوردها الروائي الكبير بدقة في كتاباته ـ هذا العنوان هو الحرافيش اختاره ليصبح متداولا ما بين الأدب والسينما، وحيث ان الطابع الغالب علي نمط الحياة الاجتماعية في الفترة ما بين الثلاثينيات والأربعينيات كان يتسم بالعنف، لذا أفرز ثقافة الحماية وقسم البشر الي قسمين، فتوات ورعية وألزم الطرف الأول بحماية الطرف الثاني والدفاع عن حقوقه مقابل ضريبة أو إتاوة تدفع للفتوة فيما يشبه العقد الضمني الذي يحظر علي الفتوة الإخلال ببنود العقد والتعهد بتوفير الأمن والأمان لمن يدفع رسم الحماية الإتاوة ولأن نجيب محفوظ صاغ الأجواء الملحمية بكثير من الحرفية والإثارة كان طبيعيا أن تكون رواية الحرافيش بكل ما تحمله من طقوس وغرائب مادة خصبة للسينما استفاد منها المخرجون في التصوير الدرامي والتأريخ للحقبة التي سبقت الثورة وطرح قضايا العدل والحرية والاستبداد في الاطار الانساني والرؤية الفلسفية العميقة حيث خرج التناول عن ذلك الشكل الكلاسيكي الذي يحصر المعالجة في مجرد الخير والشر، وهما طرفا الصراع الأزلي في حياة الانسان إذ جعل نجيب محفوظ من ملحمة الحرافيش واقعا موازيا أسقطه علي حياتنا السياسية ورمز به الي شخصيات حقيقية يحتمل أن يكون قد عاصرها وأستشف منها خصائص الشخصيات المتخيلة التي حرص أن يكون بينها عناصر تقاوم الظلم وتقف في وجه الظالم، لم تنقل السينما نقلا حرفيا عن الروايات ولكنها اجتهدت في حدود عصرنة الحدث ومواءمتـــه لما يجري في الحاضر من مستجـــــدات كما انها أخذت في الاعتبار شروط شباك التذاكر فأجرت تعديلات علي النص الأصلي كما يكون نمـــــوذج البطل أقرب فيه الي السمات المألوفــــــة في شخصية البطل المعاصر وقد استلزم ذلك مهارات خـــاصة لدي كتاب السيناريو الذين نقلوا عــــــن أدب محفوظ حكاياته وأساطيره مثل السيناريست عــــبدالحي أديب الذي كتب سيناريو فيـــلم سعد اليتيم للمخرج أشرف فهمي انتــــاج عام 1985 بطولة محمود مرسي وأحمد زكي ونجلاء فتحي وكريمة مختار، وعلي الرغم من التدخل المحدود الذي أجري علي الشكل الروائي للأحداث، إلا أن أحدا لم يلحظ تشوها ما بين الأصل في النص الأدبي والصورة الدرامية اللهم بعض المبالغات السينمائية الواجبة للمنافسة.ولا يختلف الأمر كثيرا في فيلم الجوع للمخرج علي بدرخان والمأخوذ ايضا عن الحرافيش غير أن الأحداث الدرامية تطرح مفهوما آخر للتمرد يتصل بمسألة خواء البطون وتفاقم حالة الجوع التي تدفع الإنسان الي العصيان والرفض وتحمله علي إعلان رأيه في النظام بوضوح قد يصل حد المجابهة كما حدث في انتفاضة 18، 19 يناير عام 77 والتي اطلق الرئيس السادات عليها انتفاضة الحرامية فيما كانت الحقيقة تؤكد أنها انتفاضة جوع ، وربما يعكس هذا التوارد بين الفيلم والأحداث السياسية المشار اليها رمزية الأدب والسينما التي تقودنا الي رصد القيمة الراسخة في الابداع بشتي صوره وفطنة المخرج في الربط بين الجوع كغريزة والتمرد كسلوك علي خلفية رؤية نجيب محفوظ المجرد في نصه السابق علي الفيلم بعشرات السنين.في عام 68 قدم المخرج نيازي مصطفي ثلاثيته الفنية الدرامية التوت والنبوت ـ الحرافيش ـ السكاكيني بثلاث رؤي مختلفة لنص واحد حيث كان المستهدف توثيق الأفكار المجردة وتحويلها الي حياة تطرح مضامينها الانسانية وتشتبك مع القضايا المعاصرة في اطار حوار متبادل بين العصا والجزرة كمعني مرادف للتوت والنبوت علي اعتبار أن التوت يمثل إغراء المنح والنبوت يمثل جبروت القوة، ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن الهدف إذا قلنا أن الحرافيش وهو الفيلم الثاني لحسام الدين مصطفي كان عروجا علي نفس المعني مع اختلاف طفيف في السياق، فضلا عن تشابه أجواء فيلم السكاكيني في الالتزام بالمحافظة علي صورة الفتوة المهاب الذي يحق الحق ويسقط الباطل ويلتف حوله الجوقة من المنتفعين وحملة المباخر لتعزيز الهيبة وتأكيد النفوذ، فيما يؤيده أهل الحي اتقاء شره أو طلباً لحمايته من الغائرين والسفهاء.لقد حافظت السينما علي شكل الفتوة الروائي كما رسمه نجيب محفوظ وأبقت علي جميع خصاله من شهامة ومروءة وكرم طائي طالما أشار إليه محفوظ في نماذجه برغم الإقرار بجرائمه وخروجه علي القانون في ما ينفذه من أعمال القتل والسحل والنهب، ولكنها المعادلة المركبة التي قد تجتمع في شخصية واحدة تعيش حالة دائمة من الفصام، وهو من دواعي عبقرية نجيب محفوظ الذي امتلك قدرة فريدة علي تضمين شخصياته كثيرا من الصفات المتناقضة التي تبدو عصية علي التطويع والانسجام فيما يشبه الجمع بين الماء والنار في معين واحد!أما في فيلم الشيطان يعظ فقد تأثر المخرج أشرف فهمي أيضا بالبيئة التي نشأت فيها الأحداث والزمن الذي توارثت فيه الفتوة وعبر الأبطال حواجز الخوف وحكموا أنفسهم بقانون الغابة، حيث يأكل القوي الضعيف وتنتهي السلطة إلي حسم المعركة وفرض سطوتها علي الحارة وسكانها، وفي هذا الفيلم أراد أشرف فهمي التأكيد علي القيم والأعراف التي تحكم دولة الفتوات وتديرها، موضحا الجوانب الايجابية في شخصية المعلم الديناري التي أداها الراحل القــــدير فريد شوقي بحيادية تامة وقف فيها متمـاسا مع العدل والرحمــــة فأكتسب حب أهل الحارة ومضــــي يشق طريقه علي متن عربة تجرها الخيول ممتلئا بالزهو والخيلاء.في حارة برجوان قدم المخرج حسين كمال ملامح من حارة نجيب محفوظ دون روحها الحقيقية، فالفتوة لم تكن نموذجا للإنصاف كما هو المعهود وانما طغت عليها الأطماع وبرزت صفاتها الدنيئة كرجل يمتلك القوة والمال ولا يقيم وزنا للعادات والتقاليد ولا يتورع من مطاردة البطلة المنكسرة التي تورطت في علاقة آثمة محاولا الضغط عليها وابتزازها وهي في أضعف حالاتها وهو ما لم يثبته نجيب محفوظ في قاموس خصال الفتوات وأولاد البلد، لذا يمكن اعتبار حارة برجوان مستنسخا غير دقيق يكاد يكون مشوها من الملحمة الشهيرة.في المقابل يبدو من المقارنة بين فتوات أديب نوبل وفتوات الحسينية عند صلاح أبو سيف عام 1954 والتي لا يمكن فصلها عن سياق التأثر العام بالحرافيش أن هناك فوارق في المعايير بين الشخصيات، فعلي سبيل المثال الفتونة في حارة نجيب محفوظ هي بمثابة قانون مرخص سنه الفتوة وخضع له الناس وطبقوه ثم تعودوا عليه فأصبح جزءا من حياتهم لا يستشعرون مرارته، خاصة في ظل ما يجود به المعلم من نفحات وما يكسبه من مواقع حربية مع فتوات الحارات الأخري تشيع جوا من الأمان الزائف لفترة قصيرة علي عكس النمط الآخر من البلطجة المندرج بقوة البطش والسيطرة تحت اسم الفتونة المفرغة من مضمونها الأخلاقي والاجتماعي والقائمة علي استلاب الحقوق وإرهاب الضعفاء والمتاجرة في الممنوعات والانشغال بطقوس الهلس والعربدة والجري وراء الراقصات في الملاهي والإغداق عليهن لقاء المتعة الحرام والحب المجرم، وهذا النوع أسقطه الجمهور من حساباته وبات يتعامل معه بوصفه مغامرات حسية وأقبل علي مشاهدته في الأفلام بمنطق أفلام رعاة البقر التي تستهوي من يراها ولكن لا أحد يرغب في أن يكون مكان اللص أو القاتل.. نفس الإشكالية ذاتها التي تعزل الجمهور عن معارك نجوم الأكشن ومعلمي السوق وتربطه بفتوات الحارة العتيقة علي الرغم من ان صلاح ابو سيف ابدع في تجسيد الواقع الشعبي في فيلم فتوات الحسينية وألقي الضوء علي بؤر الجريمة وأوكار المخدرات ومثله كان يحيي العلمي الذي أراد أن يهتدي بصلاح أبو سيف فقدم فيلمه فتوات بولاق الذي لم يختلف عن الواقع ذاته، حيث الجريمة هي البطل الحقيقي في الأحداث ولعبة ضرب الكرسي في الكلوب تتجدد ويختلط الحابل بالنابل ويشتد وطيس المعارك الي أن يأتي البوليس في الوقت الضائع ولا يعني ذلك أن هذه الأفلام كانت دون المستوي أو أن مخرجيها لم يكونوا علي المستوي المطلوب وانما هي سينما تمثل مرحلة ما ارتبط فيها الجمهور بأفلام الحركة والإثارة.وتبقي المقارنة معلقة بين الحارة الشعبية بكل زخمها وخصوصيتها وطبيعة فتواتها عند نجيب محفوظ وبين الحارة المصنوعة داخل الاستديوهات لانجاز مشهد أو مشهدين لزوم معركة الفتوات انصاف المعلمين واصحاب العاهات والسوابق من أشباه القرموطي ، الكاركتر النمطي في أفلام ومسلسلات أحمد آدم أو غيره من مسوخ أفلام المقاولات التي انتشرت في بداية السبعينيات مع عصر الانفتاح الاقتصادي.2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية