عن كتاب أصداء السيرة الذاتية لمحفوظ: قوي الرقابة منعت نجيب محفوظ من كتابة سيرته الذاتية!
د. هيثم سرحانعن كتاب أصداء السيرة الذاتية لمحفوظ: قوي الرقابة منعت نجيب محفوظ من كتابة سيرته الذاتية! كان من نتائج هيمنة النزعة التاريخية علي مشاغل الأدب واللغة والفلسفة والمعارف في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين أنْ ساد موقفٌ نقديٌّ يري أنَّ هناك ترابطاً وثيقاً بين السيرة الذاتية والتاريخ. وقد تشكـَّل هذا الموقف بعد دراسة سير العظماء الكبري، وقد رأت هذه الدراسة أنَّ السيرَ تهتمُّ بتسجيل الأعمال والأحداث الكبري والوقائع المهمة في حياة الأمم والشخصيات الخالدة. بيد أنَّ هذا الموقف لم يصمد طويلاً فقد ذهب كولنغوود Collingwood إلي أنّ السيرةَ ليست جزءاً من التـَّاريخ، لافتقادها قواعد التاريخ الحقيقية فحدود السيرة هي الأحداثُ البيولوجية الواقعة بين ولادة شخص وموته، من طفولةٍ ونضج وغيرها، وهي صورةٌ للوجود الحيواني الجسماني، وقد يرتبطُ بها كثيرٌ من العواطف الإنسانية، ولكنَّ هذا كله ليس تاريخاً .ونتيجة ذلك قام توينبي Toynbee بإخراج كثير من السير الذاتية من كتب التاريخ، فاعترافات القدِّيس اوغسطين القائمة علي الإقرار والاعتراف بالخطايا، وسيرة جان جاك روسو الاعترافات التي تـُدافع عن الذات في محاولة لتقويم الانتهاكات التي مورست ضدها، وحياة الملكة فكتوريا نصوصٌ تشتبكُ بالتاريخ؛ لأنها تدور حول أُناسٍ لهم قيمتهم في الحياة الاجتماعية، ولأنَّ حيوات هؤلاء الناس مهمـَّةٌ في نظر الآخرين، نظراً لأدوارهم وآثارهم في التاريخ فقد تمَّ عدُ سيرهم سيراً تاريخية. فالقدِّيس اوغسطين له أثرٌ عميقٌ في الكنيسة المسيحية، وروسو خلـَّد أفكاراً أسهمت بشكل فاعلٍ وقويٍّ في نقل العالم إلي مرحلة الحداثة. وهذا يعني أنَّ السيرةَ الذاتيةَ تنتمي للأدب جنساً وتخييلاً سواء أكانت تخييلاً فلسفياً أم دينياً أم سياسياً أم تشكيليـَّاً وسواء أتناولت مرحلة زمنية معينة أم مسيرة زمنية طويلة، فنص التأملات لماركوس أوريليوس يتضمن وصف القيم والفضائل التي اكتسبها من الآخرين، ونص دانتي الحياة الجديدة يتناول مرحلة إعجاب دانتي ببياترس وتأثره به، ونص الاعتبار لأسامة بن منقذ يتضمن وصفَ معاركه التي شارك فيها في الجيش الإسلامي ضد الصليبيين علاوة علي شهاداته المتعلقة بالحرب ومغامراته في الصيد والقنص، ونص هو ذا الإنسان لنيتشة يتناول مرحلة تكوُّن أسئلة نيتشة الفلسفية، ونص ديكارت خطاب في النهج يتضمن بحثاً في مسيرة المنهج الديكارتي، ونص سارتر الكلمات يسردُ السنوات الاثنتي عشرة الأولي من حياته، ، ونص رولان بارت رولان بارت بقلمه هو سرد سيريٌّ، ونص كلود ليفي شتراوس المدارات الحزينة يكشف عن إحساس شتراوس بعامل الزمن في وصف رحلاته العديدة، وأعمال فان كوخ لوحات الأحذية، ولوحة آكلي البطاطا تعرض تأويلاً لحياة الفلاحين وأعمال الفلاحة المتسمة بالقسوة والخشونة، ونص الأيام لطه حسين يستحضر مسيرة طه حسين وذكريات طفولته، ونص خارج المكان لإدوارد سعيد يتضمـَّنُ إحساس سعيد بالفقد والغياب وحنينه للأمكنة الأولي، ونص بول ريكور بعد طول تأمـّل يعرض سيرة ريكور وتحولاته الفلسفية. وعندما يتعلـَّقُ الأمرُ بكاتب بحجم نجيب محفوظ وقامته الأدبية فإنه لا بدَّ من التـَّساؤل: هل كتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية؟ إذا كان الجواب نعم فأين هي سيرته الذاتية؟ وإذا كان الجواب لا فما هي أسباب عدم كتابة محفوظ سيرته الذاتية الكاملة؟ وما موقع كتاب أصداء السيرة الذاتية من السيرة الذاتية؟ ما الجنس الذي ينتمي إليه؟ وما علاقة هذا الجنس بالسيرة الذاتية؟لقد عرَّف فيليب لوجون السيرةَ الذاتيةَ بأنها الرواية النثرية التي يروي فيها شخصٌ ما قصـَّةَ حياته بعد مضي فترة من الزمن، مـُسلـِّطاً الضوءَ علي حياته الشخصية، وخاصة علي تكوين شخصيته . وبناء علي توصيف فيليب لوجون فإنَّ نجيب محفوظ لم يكتب سيرته الذاتية لتكون نصـَّاً موازياً لنصوصه الروائية. ولعل المسوِّغاتِ التي أدلي بها نجيب محفوظ ليست مـُقنعةً وغيرُ كافية لتفسير عدم كتابته سيرته الذاتية. وحسب جمال الغيطاني الذي لازم محفوظ من بدايات الستينيات فإنَّ نجيب محفوظ لم يفكـِّر في كتابة سيرته الذاتية؛ لأنه كان يتذرَّع بكونه شخصاً عادياً لا يحوز تجربةً مميزة ثقافيـَّاً. لكنَّ نجيب محفوظ كشف في حواره مع صبري حافظ المنشور في مجلة الآداب البيروتية عن أسباب أخري تتعلـَّق بعدم كتابة سيرته الذاتية. فقد أشار محفوظ إلي قوي الرقابة الصارمة التي تفرضها عليه المؤسسة الثقافية، وهنا يعلن محفوظ قلقه وضجره من المفاهيم الضاغطة التي تحول دون كتابة السيرة التي تسعي إلي تأويل الذات وتنصيصها ورصد حركتها في المجالين الثقافي والاجتماعي. ونظراً لما سيؤديه هذا العمل من مكاشفاتٍ كاملة تتضمـَّنُ مواقفَ متباينةً فإنَّ محفوظاً آثر عدم كتابة سيرته خشيةً من قوي الرَّقابة الاجتماعية، في المقام الأول، التي كانت تري في فعل الكتابة عن الأشخاص تشهيراً بسلوكياتهم وفضحاً لمواقفهم وصفاتهم. خاصةً إذا ما علمنا أنَّ أسرةَ نجيب محفوظ تمتاز بكونها أُسرةً من الـمُعمـَّرين الذين كانوا يعايشون ولا زالوا أحداث سيرة محفوظ الذاتية الأمر الذي يُعقـِّدُ مشروع كتابة السيرة. إضافة لذلك فقد أشار محفوظ في هذا الحوار إلي أنه كان يفتقرُ إلي المذكرات اليومية التي تتناول الأحداث والمواقف والتفاصيل التي يعيشها المرء يوميا.أما الرقابة الذاتية فرغم أنَّ نجيب محفوظ قد تدرَّب جيداً علي ترويضها والإفلات منها في معظم أعماله الروائية إلا أنه لم يستطع أنْ يتخلـَّصَ من فكرة الآخر الذي يشاطره السيرة ؛ لأنَّ الذات ليست مستقلة عن الآخرين ومن ثـَمَّ فإنه ليس من السهل كتابةُ سيرةٍ ذاتية دون التـَّعرُّضِ للآخرين ومسِّ خصوصياتهم و فضح أسرارهم وكشف سرائرهم. لذلك ورغم قمم نجيب محفوظ الإبداعية إلا أنه ظل يشكو من الرقابة ومساحة الحرية المتاحة وهو يعتقد أنّهما يمثـِّلان شرطاً إبداعيّاً للكتابة. يقول محفوظ: إنَّ الفنان يجد صعوبةً في التعبير عن نفسه خاصةً لموقف الدولة منه، وهذا وضع عامّ في العالم العربي، حيث يستحيل فصل عمل الأديب عن الدولة إطلاقاً، وصوت الأديب صوت لا بدّ أنْ يهزَّ الدولة بالرضي أو السخط… وإذا تجاهلت الدولة صوت الأديب؛ فإنَّ الدولة تكون هي الخاسرة، لأنَّ صوت الأديب صوتٌ كاشفٌ عن الحقيقة، وإذا كانت الدولة تريدُ أنْ تعرفَ واقعها ومستقبلها فالأديبُ يعرفُ ويـُعطي ما لا تستطيعُ أنْ تعرفه جميعُ أجهزة المخابرات، بينما إذا كتمت الدولة هذا الصوت فلن يعود عليها إلا بالخسارة.. . لا يتضمـَّن كلام محفوظ تحديداً لعلاقة الأديب بالدولة فحسب وإنما ينطوي علي إدانة قاسية للدولة التي تغتال مواقف الأدباء وتصادر خطاباتهم. وفي هذا المقام يبدو محفوظ ضائقاً بمساحة الحرية المتاحة للكتابة وهو يري أنَّ هذه المساحة لا تـُمنحُ منحاً وإنما هي استحقاق طبيعيّ وشرط الإبداع الأول، لذلك لا يتورَّع محفوظ عن نعت الدولة التي تصادر الحريات بالجهل. يقول محفوظ: حريةُ الرأي شيءٌ ضروريٌّ للأديب والصديق والعدو، والعاقل، والحكيم، ولا يخشي من هذه الحرية إلا واحدٌ فقط هو غير الحكيم… .أصداء السيرة الذاتية: دلالة العنوان وإشكالية التجنيس يُحيل عنوان كتاب نجيب محفوظ أصداء السيرة الذاتية علي الصـَّدي وهو دالٌّ لساني يتضمـَّنُ ثلاثة مستوياتٍ دلالية: * الأول: الصـَّدي – المادة السمعية الناجمة عن ارتداد الصوت. ويستوجبُ الارتداد مفهوم المطابقة والمماثلة بين الصوت والصدي، فقد ورد في لسان العرب أنّ الصدي ما يجيئك من صوتِ الجبل ونحوه بمثل صوتك .* الثاني: الصدي – شدّة العطش. وفي هذا المستوي يظهرُ عنصر الماء الذي يعادل الحياة فالصدي هو الظمأ والماء هو الارتواء.* الثالث: الصدي – جسد الإنسان بعد موته. ويجسـِّدُ هذا المستوي مدلول الموت الناجم عن غياب الروح وفنائها. ينشطر دالُّ الصدي، في أصداء السيرة الذاتية، إلي ثلاث علامات هي: ارتداد الصوت، والظمأ، والموت. وسوف تتعايش هذه المدلولات في النصِّ لإنتاج تجاوب الأصداء Echolalia، أي أنْ تـُرْجِعَ إحدي العلامات اللغوية صدي علامة أخري، ثمّ تـُرْجِعُ علامةٌ ثالثةٌ صداها، دون أن يكون ثمـَّة عاملٌ ثابتٌ يُحدد رجع الصـَّدي سوي العلاقات فيما بينها.وستقوم هذه العلامات بإنتاج دلالة العنوان وتفسيرها. وبعبارة أخري فإنَّ نجيب محفوظ يحاول الإفلات من شـِباك السيرة الذاتية وأصواتها السردية مـُكتفياً بأصدائها التي تكشف عن كتابة الذات لنفسها وحوارها مع أسرارها. وهنا ينبغي الإشارة إلي أنَّ نصوص نجيب محفوظ في أصداء السيرة الذاتية ليست إلا شذارت هي أقرب إلي الحوار الباطني الكاشف عن هواجس الذات الصوفية.النسيان والتـّذكـّرتعتمدُ كتابة السيرة الذاتية علي القدرة علي التذكر واستعادة الأحداث ورصد التفاصيل المودعة في الذاكرة التي تعمل علي استعادة هذه المواد ونفث الروح فيها من أجل مقاومة الزمن ومجابهة النسيان الذي يهدد الذاكرة.لكنَّ نجيب محفوظ كتب أصداء سيرته وهو يواجه عدواً فاتكاً هو النسيان الذي يداهم المرء في شيخوخته. فقد كتب أصداء سيرته بعد سن الثمانين وهو يقاسي جراء فقدانه ذكرياته وسرديات عمره المختلفة. ولعلَّ قارئ أصداء السيرة الذاتية يكتشف بوضوح أنّ نجيب محفوظ يعاني من شعور بالفقد الناجم عن وعيه بهويته وهو وعيٌّ لا يكفُّ عن الحضور كأنَّ نجيب محفوظ يجبر نفسه، في عملية أشبه بالمخاض، علي بعث هويته من جديد وخلق حياته التي انسربت بمرور السنوات، مما يعني أنَّ محفوظاً كتب الأصداء وهو يفتقر إلي المكوِّن الأساسي وهو التذكر لذلك فإنَّ عمله سيكون شاقاً؛ إذ انَّ أفعال التذكر التي أنجزها محفوظ هي عملية استعادة الهوية السردية المفقودة وان نصَّ أصداء السيرة الذاتية هو محاولة اكتشاف الذات والتعرّف إليها من خلال تأويلها بالكتابة وهي ممارسة لا تقلُّ صعوبةً عن التذكر.ولا يتواني محفوظ عن الاعتراف بالنسيان إذ يصف ذاكرته بـ ذاكرة عجوز ، ويشبه النسيان بالعدم فيقول: يا له من نسيان كالعدم بل هو العدم نفسه . ويستحضر عبر مونولوج داخلي قول صديقه الحكيم قوَّةُ الذاكرة تنجلي في التذكّر كما تنجلي في النسيان في إشارة واضحة إلي عجزه عن التذكر.وأوّل ما يستحضره محفوظ أصداء صدي ثورة 1919 ضد البريطانيين قبل بلوغه السبعة أعوام. وإذا كانت الثورة هي الصوت الأول في ذاكرة الطفل نجيب محفوظ فإنّ أصداءها ستظل تلاحقه تعبيراً عن إحساسه بالتلازم بين الحياة والثورة ، لذلك كان أنْ فرح عندما اكتشف أنَّ مدرسته مغلقة جراء اندلاع مظاهرات ضد البريطانيين. فالثورة، عند نجيب محفوظ، هي التعبير الحقيقي عن الحياة في حين أنّه كان يري في المدرسة سجناً لأنها لا تلتفت للحياة وقضاياها الشائكة. بيد أنَّ حنينه للثورة لم يمنعه من التحفـُّظ علي رجالاتها الذين كانوا يـُعيدون إنتاج الفساد والظلم بعد نجاح الثورة.إنَّ جانب أهمية أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ كامنٌ في قدرتها علي الكشف عن تنوِّعِ ذات صاحبها، فالذات المحفوظية ليست ثابتةً وواحدة وإنما متعددة ومتحرِّكة وتبرز من خلال عدة مستويات نصية مثل: الحكايات، والشهادات، والآلام، والتداعيات، والخسارات، والنوازع، والمخاوف، والهلوسات، والخواطر، والرغبات المتوهجة، والتـّداعـيات، والكوابيس. وفي هذا المستوي فإنَّ أصداء السيرة تصبح ترجمة النفس كما عبر ابن سينا، إذ يواجه محفوظ اختباراً كبيراً في مكاشفة ذاته والتعرَّف إليها عبر مواجهة سردية تستهدفُ الذات وتجعلها في مواجهة الكتابة التي تتحوَّلُ إلي رقيب يتربـَّصُ بالذات وهي متلبـِّسةٌ بالتذكر والبوح.لكنَّ الذات لا تذعن لرقابة الكتابة وسلطانها بسهولة إذ تقوم بمراوغتها والإفلات من شِباكها؛ خوفاً من الإدلاء بشهادة كاملة. وفي هذه اللحظة تنقسم الذات علي نفسها لتصبح ذاتين؛ ذاتاً كاتبةً، وذاتاً مكتوبةً حيث تقوم الذات المكتوبة باستدراج الذات الكاتبة في حين تقوم الذات الكاتبة بتأويل الذات المكتوبة من خلال تقنيات الحذف، والتمويه، والاختصار، والمراوغة، والانتقاء، والتشذير، وهي تدلُّ علي قدرة الذات المكتوبة علي خداع الذات الكاتبة وتضليلها.مواجهة الموتويبرز الموت جلياً في أصداء السيرة الذاتية وكان محفوظ واعياً به مدركاً لسلطانه وفي هذا السياق تحضر الجنازة في أصداء السيرة الذاتية حضوراً واضحاً فقد كان محفوظ حريصاً علي المشاركة في جنائز أصحابه ومعارفه الذين ينتمون، كما يعبر محفوظ، إلي العهد القديم وغالباً ما تكون الجنازة في أحد الشوارع أو الأحياء القديمة التي شهدت تجربةً مشتركة بين محفوظ وبين صاحب الجنازة. ليس هذا فحسب بل إنّ محفوظاً كان يستحضر جنازته من خلال ميتات الآخرين الذين عايشوا طفولته وصباه وشبابه بل إنه كان قادرا علي رؤية جنازته وتخيلها ففي نص همسة عند الفجر يقول محفوظ: في مرحلة حاسمة من العمر عندما تسنَّم بي الحبّ ذروة الحيرة والشوق همس في أذني صوت عند الفجر:ـ هنيئاً لك فقد حمّ الوداع.وأغمضت عينيّ من التأثر، فرأيت جنازتي تسير وأنا في مقدمها أسيرُ حاملاً كأساً كبيرةً مترعةً برحيقِ الحياة .لقد كتب محفوظ أصداء السيرة الذاتية تحت وطأة الإحساس بالموت كأنَّ فعل كتابة السيرة الذاتية كتابة الذات فعلُ مواجهة وتحدٍ للموت. وقد أثبت محفوظ مشاعره بعد تعرضه للطعن ومحاولة قتله، ويمثل نصُّ عتاب سيرةَ مقتول ناجٍ من الموت وهو يدافع عن حقه في الحياة من خلال عتابها؛ لأنها لم تكترث له ولم توفر له حصانة من الاغتيال. يقول محفوظ: همت علي وجهي حاملاً طعنة الغدر بين أضلعي . إنَّ محفوظ مدركٌ أنَّ سبب تعرضه للطعن ناجمٌ عن صدقه ووعيه الملتزم تجاه الحياة. وهنا يستعين محفوظ بـ صديقه الحكيم الذي يمثـِّلُ صوتاً غيبياً يقول لمحفوظ لست أول من كابد الهجران .فسألته: أليس للشيخوخة مقام؟فقال: غرٌّ من يعشق قصةً مـُعادةً قديمةً .إنَّ المونولوج الداخلي عند نجيب محفوظ محاولة للتصدي للأسئلة الوجودية التي لا يمكن الإجابة عنها. فالمونولوج الداخلي ملاذٌ وحيدٌ يمكـِّنُ محفوظاً من فهم ذاته فهماً عميقاً. وفي هذا المستوي تتكشـَّفُ أبعاد شخصية محفوظ الغنوصية حيث تصبح الذات مصدر المعرفة الوحيد الذي يمكن الوثوق به.ميتات نجيب محفوظ لا يتوقف حضور الموت عند هذا الحد بل إنَّ محفوظاً يحرص علي أنْ يكون له مدفنٌ في مدينة القاهرة المترامية ليس هذا فحسب بل إنَّه قام بتجميل القبر وتزيينه وهنا تتجلي قوة التخييل عند نجيب محفوظ؛ في قدرته علي إعادة إنتاج الصور وإكسابها معاني جديدة. ففي نص القبر الذهبي يري محفوظ في منامه قبراً ذهبياً قائماً تحت أغصان شجرة سامقة مغطاة بالبلابل الشادية.وعلي صدره نـُقشت بأحرفٍ جميلةٍ واضحة كلمات تقول: هنيئاً لمن كانت نشأته في بوتقة الهجران .لقد كان محفوظ يقوم بتمرين نفسه علي مواجهة الموت والإحساس به والتعايش معه، وهنا يحضر الموت مصحوباً برؤية صوفية عبر جدل وصراع وتشبث بالدنيا. يقول محفوظ: وهمت حيناً في وادي الفروض والاحتمالات، ولكني أثنيت علي الدنيا التي لا ينضبُ فيها معينُ الحب . إنَّ رحلة محفوظ لعالم الموت لا تختلف عن رحلة فريد الدين العطار النيسابوري صاحب منطق الطير الذي كان عليه مكابدة الأهوال والأودية الشاهقة للوصول إلي الفناء وتحقيق العشق الإلهي.أمكنة نجيب محفوظوتحضرُ الأمكنة القديمة لتفتح ذاكرة محفوظ علي أشواقه ولحظات الامتلاء التي عاشها حيث الحب والصبا والدفق الروحي والجموح والاندفاع. بيد أنَّ مواجهة هذه الأمكنة كانت تخلـِّفُ في نفس محفوظ أسيً بالغاً فكثيراً ما كان يزور أحد هذه الأمكنة ليكتشف أنها تغيرت وتحوّلت وامحت فالزمن فعل فعله في الأمكنة الأمر الذي يفاقم إحساس محفوظ بالفقد والغياب ويجعله في مواجهة حقيقية مع الأجل. وإذا ما حاول محفوظ معاينة الأمكنة القديمة فمن أجل أنْ يواجه ذاكرته ويفتحها علي مكامن توهـُّجها، وحتي يوقظ أحاسيسه الهاجعة. يقول محفوظ في نص سؤال بعد ثلاثين عاما : بعد انقطاع عشرين عاماً عن حي الشباب دعتني مناسبة إلي عبوره. لولا ما جاش في صدري من عواطف نائمة ما عرفته في عمائره الجديدة وزحامه الصاخب. وثبتت عيناي علي بيت قديم بقي علي حاله فشعرت بابتسامة ترفُّ علي الرُّوح والجسد .نساء نجيب محفوظتحضر المرأة الحبيبة في أصداء نجيب محفوظ حضوراً قليلاً لكنه حضورٌ كثيفٌ من حيثُ دلالاته الرمزية، إذ انَّ محفوظاً لا يصرِّح بأسماء نسائه ولا يـُدلي بشهادات كاملة عنهنّ. فمرة يلقي محبوبته علي مدخلٍ ضيقٍ لبيت قديم في ليلة شتائية حيث انهمارُ ماء المطر وهزيم الرعد. ومرة تحضر بوصفها ذكري قديمة تبعثُ في الروح ماء الحياة والدفء والنشوة والإثارة. ليس هذ فحسب بل إنَّ محفوظاً يؤمنُ بأنَّ المرأة وعدٌ منشودٌ .واقتران المرأة بالماء يتضمـّن دلالة الجنس والحياة؛ فالمرأة هي مجال اختبار الحياة عند محفوظ حيث تبرز رغبته في التشبث والتمسك بها. وهو يصف لقاءه بالمرأة وكيف أنها كانت تأتيه: في غمار شيخوخة وعزلة وأفكار يقطرُ منها ماء الورد . وفي نصِّ الغوص في الماء يصوِّرُ محفوظ قدرة المرأة علي شفائه من التعاسة التي لم يـُفلح الأطباء في حلـِّها، ويلجأ محفوظ إلي فعل المخيلة وتجريد الأنا وجعلها آخر هرباً من الرقابة. يقول محفوظ: نـُصِحَ بالهجرة إلي مكانٍ ناءٍ لتغيير المنظر والمخبر. ذهب يائساً يتجوَّلُ علي شاطئ البحر. وعلي بعد رأي شمسيةً تستكينُ فيه امرأةٌ شبه عارية غاية في الجمال والسكينة. انجذب نحوها كأوّل شيء يلقاه فلا يبعثُ في نفسه الكآبة والوحشة، وشعر بأنها ترحـِّبُ به دون كلمة أو حركة فاستخفـَّه الطرب. وقامت نحوه متوجهة نحو الماء فتجرَّد من ثيابه وتبعها. وخاضا في الماء معا دون أنْ يلقيا علي ما وراءهما نظرة واحدة . فالمرأة، في أصداء سيرة محفوظ الذاتية، هي الماء الذي يبعث الحياة في الجسد، هي الروح التي إذا ما فارقته استحال جسداً هامداً لا حراك فيه.لم يكتب نجيب محفوظ سيرته الذاتية لأنّ ذاته كانت متماهيةً مع شخصيات أعماله الروائية ومـُتقاطعةً مع همومها وتطلـُّعاتها الأمر الذي أعطاه القدرة علي الإفلات من قوي الرقابة التي تربـَّصت به. أما أصداء السيرة الذاتية فهي مرثاة سردية استعاد فيها محفوظ مشاهد حياته البارزة دونما الخوض في التفصيلات التي تفسد الأحلام وتعبث بها.شاعر وباحث أكاديمي من الأردن0